حب في الظلام 174
لقاءٌ تحت سماءٍ تائهة
بقلم ليلى الأحمد
في صباح اليوم التالي، وقبل أن تشرق الشمس بالكامل، كانت "ليلى" قد اتخذت قرارها. لم تستطع النوم ليلتها، تتنقل بين خيال والدها الخائف، وبين وجه أحمد الغامض. شعرت بأن هذا اللقاء على الشاطئ لم يكن مجرد عابر، بل كان إشارةً، دعوةً للخوض في أعماق ماضيها.
ارتدت ملابسها، وخرجت من شقتها حاملةً حقيبةً صغيرةً فيها هاتفها، ومفاتيحها، وقلبٍ ينبض بالأمل والقلق. لم تكن تعلم أين ستجد أحمد، لكنها كانت تعلم أنها يجب أن تحاول.
تذكرت أنه ذكر أنه جاء من بعيد، وأن هذا الشاطئ هو ملاذه. قررت أن تعود إلى هناك، ربما قد يجده. وبينما هي تسير في الشوارع الهادئة، قبل أن يصحو صخب المدينة، مرت أمام محلٍ لبيع الكتب القديمة. لفت انتباهها كتابٌ قديمٌ، بغلافٍ جلديٍّ بالٍ. تذكرت حب والدها للكتب، وحبه للاستكشاف.
"ربما أجد شيئًا هنا." همست لنفسها، ودخلت المحل.
كان المحل أشبه بمتحفٍ صغير، تفوح منه رائحة الورق القديم، ورائحة الحبر. الرفوف مليئةٌ بالكتب المتراصة، وكل كتابٍ يحمل قصةً، وعمرًا. اقتربت من أحد الرفوف، وبدأت تتصفح الكتب. وفجأة، وقعت عيناها على كتابٍ بعنوان: "ألغاز الحضارات المفقودة".
ابتسمت "ليلى". بدا وكأن الكون يرسل لها إشاراتٍ متتالية. فتحت الكتاب، ورأت خريطةً قديمةً بداخله، مرسومةٌ بخط اليد، وبعض الرموز الغريبة. تذكرت أن والدها كان يحب دراسة الحضارات القديمة، والبحث عن الألغاز التي لم تُحل.
"هل هذا الكتاب لك؟" سألت البائعة، وهي امرأةٌ مسنةٌ ذات وجهٍ طيب.
"هذا الكتاب... لا أتذكر صاحبه. لقد وجدته هنا منذ فترةٍ طويلة. سعره مناسب."
دفعت "ليلى" ثمن الكتاب، وشعرت بأنها قد حصلت على كنزٍ ثمين. وبينما هي تغادر المحل، لمحت من النافذة رجلاً يقف عند طاولةٍ قريبة، يبدو وكأنه يبحث عن كتابٍ معين. كانت تلك الوقفة، تلك الهيبة...
"أحمد؟"
تجاوبت الأذن بكلمةٍ مدهشة. نظر الرجل إلى النافذة، ورآها. ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ مفاجئة.
"ليلى! ما هذا الصدف؟"
"ربما هي ليست صدفة." قالت، وهي تقترب منه.
"تبدين متفاجئةً. هل كنتِ تبحثين عني؟"
"في الواقع، نعم. كنت أنوي أن أعود إلى الشاطئ. وفجأةً وجدتك هنا."
"سبحان الله. القدر يجمعنا في أماكن غير متوقعة. ما الذي أتيتِ تبحثين عنه في محل الكتب؟"
"كنت أبحث عن... ربما عن إجابات."
"الإجابات دائمًا ما تكون مختبئةً في الكتب، أليس كذلك؟" قال أحمد، وهو يشير إلى الكتاب الذي تحمله. "ما هذا الكتاب؟"
"كتابٌ عن الحضارات المفقودة. يبدو أنه قديمٌ جدًا."
"أنا أحب الأشياء القديمة، والقصص المنسية." قال أحمد. "هل تسمحين لي بأن ألقي نظرةً عليه؟"
"بالتأكيد."
أمسك أحمد بالكتاب، وبدأ يتصفحه. وفجأة، توقف. "هذه الخريطة... تبدو مألوفةً لي."
"مألوفة؟ كيف؟"
"لقد رأيت شيئًا مشابهًا لها في... في مكانٍ ما. في مخطوطةٍ قديمةٍ ورثتها عن جدي."
شعرت "ليلى" بأن خيوط المؤامرة تتشابك. هل كان أحمد مرتبطًا بماضيها بشكلٍ أعمق مما كانت تتخيل؟
"رسالة والدي، التي وجدتها مؤخرًا، ذكرت شيئًا عن مؤامرة، وعن خطرٍ يحيط بنا. وقد ذكرت اسمك." قالت "ليلى"، بتردد.
نظر إليها أحمد بدهشة. "اسمي؟ كيف؟"
"نعم، اسمك. ورسالة والدي كانت موجهةً إلى شخصٍ ما، تتحدث عن البحث عن الحقيقة. وكانت تحمل رموزًا مشابهةً لتلك الموجودة في هذا الكتاب."
"لابد أن هناك تفسيرًا لهذا." قال أحمد، وقد اختفت الابتسامة من وجهه، وحلت محلها الجدية. "لكن، قبل أن نتحدث عن هذا، دعيني أريكِ شيئًا."
خرج أحمد من محل الكتب، و"ليلى" خلفه. اتجه إلى سيارته، وأخرج منها صندوقًا صغيرًا. فتحه، ووجد بداخله مخطوطةً قديمةً، مغلفةً بقطعة قماشٍ بالية.
"هذه المخطوطة ورثتها عن جدي. كان يبحث دائمًا عن حقائق قديمة، وعن كنوزٍ مفقودة. ولقد وجدت فيها رسوماتٍ ورموزًا تشبه تمامًا تلك الموجودة في كتابك."
فتح أحمد المخطوطة، وعرضها على "ليلى". كانت تحتوي على رسوماتٍ غريبة، ورموزٍ لم ترها من قبل. ولكن، بين تلك الرموز، رأت "ليلى" رمزًا يشبه الرمز الذي كان موجودًا على خاتم والدتها.
"هذا الرمز... رأيته من قبل." قالت، بصوتٍ مرتجف. "على خاتم والدتي."
نظر إليها أحمد بدهشة. "حقًا؟ هذا الرمز قديمٌ جدًا. وله دلالاتٌ خاصة. يعتقد أنه يمثل... الحكمة، والبحث عن الحق. والدي ذكر في بعض كتاباته أن هذا الرمز قد يكون مفتاحًا لشيءٍ عظيم."
"والدي كان رجلاً يبحث عن الحقيقة. ووالدتي كانت امرأةً قويةً، ذات حكمةٍ بالغة. ربما كانا يعرفان شيئًا عن هذا الرمز، وعن هذه المخطوطة."
"ولعل الرسالة التي وجدتها، واسمي المذكور فيها، هي جزءٌ من هذا اللغز الكبير." قال أحمد، وعيناه تلمعان بالتصميم. "يبدو أننا يجب أن نعمل معًا، لفك هذه الشفرة."
"لكن كيف؟" سألت "ليلى". "أنا لا أعرف شيئًا عن هذه الرموز، وعن الحضارات القديمة."
"وأنا لدي المخطوطة، ولدي بعض المعلومات المتناثرة. لكنني بحاجةٍ إلى شخصٍ يملك نظرةً مختلفة، وشخصًا لديه دافعٌ قويٌ للبحث عن الحقيقة. وأنتِ، يا ليلى، تملكين كل هذا."
"ولكن، ماذا لو كانت الحقيقة مؤلمة؟"
"الحقيقة دائمًا ما تكون مؤلمة في البداية. ولكنها هي التي تحررنا. وأنا، مثل والدي، أؤمن بأن البحث عن الحقيقة واجبٌ علينا. خاصةً إذا كانت تتعلق بأرواحٍ بريئة، مثل أرواح الأطفال الذين نعمل معهم."
ابتسمت "ليلى" ابتسامةً خفيفة. "أطفال الجمعية. ربما يكون هذا البحث هو ما سيمنحهم مستقبلًا أفضل، إن كان له علاقةٌ بماضينا."
"أتفق معكِ." قال أحمد. "ولكن، قبل كل شيء، يجب أن نتأكد من سلامتكِ. إذا كان هناك من كان يهدد والديكِ، فربما يكونون لا يزالون موجودين."
"لا أقلق. لأنني أشعر أنني لست وحدي الآن." قالت "ليلى"، ونظرت إلى أحمد.
"ولن تكوني وحدكِ." أجابها أحمد بنظرةٍ عميقة. "سنجد الحقيقة معًا."
نهضت "ليلى" من مقعدها، وشعرت بثقلٍ أكبر على عاتقها، لكنه ثقلٌ مبارك. لم تعد تبحث عن ماضٍ مفقود، بل أصبحت تبحث عن مستقبلٍ جديد، مستقبلٍ يجمع بين الحق، والعدل، والأمل.