حب في الظلام 174
وهج الذنب وسراب الشوق
بقلم ليلى الأحمد
كان الليل قد أرخى سدوله على مدينة الرياض، مخفياً أسوارها الحديثة بعباءة من الظلام المخملي، ولكن في زوايا القلوب، كانت هناك أسرار تتوهج كجمرات متقدة، أو تخبو كأشواك في صحراء قاحلة. كان فهد، ذاك الشاب الذي طالما رأته عيون الناس مهيباً، يصارع بنفسه في غرفة نومه، لا يملك سوى صوت أنفاسه المتسارعة ورنين الهاتف الذي لا يكف عن إزعاجه. على الشاشة، اسمٌ لطالما كان مصدر راحةٍ وسلوى، أصبح الآن غصةً في حلقه، وشبحاً يلاحقه في يقظته ومنامه.
"مرحباً يا أمي." خرج الصوت من فهد مرتجفاً، يختبئ خلفه ثقلٌ لم تعهده أمه قط. "يا بني، هل أنت بخير؟ قلبي يتقطع عليك. لم ترد على اتصالاتي منذ الصباح." جاء صوت والدته، أمينة، محملاً بالقلق الذي لا يخلو من دفء الأمومة، لكنه كان يحمل أيضاً شيئاً من الاستجواب الصامت. "أنا بخير يا أمي، فقط... مشغول بعض الشيء." كان يكذب، والكذب يلسعه في صدره كسمٍ بطيء. مشاغله لم تكن من هذا العالم، بل من دهاليز نفسٍ ضلت طريقها. "مشغول؟ بأي شيء يا فهد؟ هل هناك ما تقلق بشأنه؟ هل هو عملك؟ أم... أم شيء آخر؟" كانت تعرفه جيداً، تعرف أين تكمن نقاط ضعفه، وأين تتوارى همومه. تساءل فهد في قرارة نفسه: كيف لأمٍ أن تشعر بوطأة خطيئة ابنها قبل أن يبوح بها؟ هز رأسه نافياً، رغم أنها لم ترَه. "لا يا أمي، لا شيء. مجرد ضغوط عمل." "ضغوط العمل لا تجعلك تختفي لأيام، ولا ترد على اتصالاتي. هل أنت متأكد أن قلبك ما زال ينبض بالإيمان يا فهد؟" كان سؤالها الأخير سكيناً بارداً. صمت فهد. هل كان قلبه ما زال ينبض بالإيمان؟ أم أنه أصبح يسكن غياهب الشك والرغبة، أسير ظلالٍ تخطف أنفاسه؟ "أمي، رجاءً..." "لا تجعلني أندم على تربيتك، على تعليمك كتاب الله وسنة رسوله. إذا كنت قد وقعت في خطيئة، فباب التوبة مفتوح، والله غفور رحيم. لكن أن تعيش في الخفاء، هذا ما يقلقني." "لا أستطيع أن أخبرك الآن يا أمي." قالها بوهن. "لكن يجب أن تخبرني يا فهد. قبل أن تتفاقم الأمور، قبل أن تجرفك الأمواج التي لا ترى لها نهاية." "إنها... إنها مشكلة مع... مع فتاة." خرجت الكلمة بصعوبة، كأنها قطعة حجرٍ عالقة في حلقه. لمست والدته في صوته ارتباكاً أشد من مجرد خطأ عابر. "أي فتاة يا بني؟ هل هي التي تعرفها؟ أم...؟" "إنها... إنها ليست هي." أجاب فهد، وصوته يتدحرج كصخرةٍ هاربة. "إذن من؟ ولم هذا التكتم؟ ألا تعلم أن الزواج ميثاقٌ غليظ، وأن العلاقات قبل الزواج تفتح أبواباً للشيطان؟" "أعلم يا أمي، أعلم." تمتم فهد، والشعور بالذنب يلتهمه. كان يعلم، لكنه لم يفعل. لقد سقط، وسقطته كانت موجعة. "ألا تذكر ما قلته لك عن ابنة عمك، عن سارة؟ إنها فتاةٌ صالحة، تربت في بيتٍ تقي، وتربيةٌ طيبة. أعتقد أنها ستكون خير زوجة لك." هذه الكلمات، التي كانت بالأمس ستحمل بشرى، أصبحت اليوم عبئاً أثقل. سارة، الفتاة التي رآها مرة واحدة في عزاء، والتي لم يتبادل معها سوى بضع كلماتٍ رسمية، أصبحت هي المعيار، هي القيمة، وهي أيضاً الشاهد الصامت على فشله. "سارة... نعم، أعرفها." قال فهد، محاولاً استجماع قوته. "إنها تسأل عنك. والداها يسألون. يريدون الخطبة الرسمية. ولكن كيف أقدمك لهم وأنا لا أعلم ما بك؟" "أمي، أرجوكِ، أعطني بعض الوقت." "الوقت يا فهد؟ الوقت يمر، والحياة تتغير. هل أنت مستعدٌ لعقد قرانك؟ هل قلبي مطمئنٌ عليك؟" الصمت كان أبلغ رد. كان قلب أمه لا يطمئن، وقلبه هو كان يرتجف رعباً. "إذا كنت متمسكاً بفتاةٍ أخرى، فقل لي. لكن يجب أن تكون هذه العلاقة شرعية، في ظل عقدٍ زواجٍ مبارك. أما هذه العلاقات المحرمة، فهذه هي التي تهدم البيوت وتسلب السعادة." "لا يوجد شيء محرم يا أمي." زعم فهد، مع أن كذبه كان يلطخه. "فقط... فتاةٌ قابلتها، وكانت هناك... ظروف." "ظروف؟ ما هي الظروف التي تجعل شاباً مؤمناً يتعامل مع فتاةٍ خارج إطار الشرع؟ هل تغرُّكِ فتنةٌ يا بني؟ هل نسيتَ الله؟" كان صوت والدته يخترقه، لكنه كان يشعر أن كلماتها لم تصل إلى أعماق روحه المظلمة. كان هناك شيءٌ آخر، رغبةٌ خبيثة، فتنةٌ بارعة، كانت تستدعيه باستمرار. "لن أحتمل هذا منك يا أمي." قال فهد بلهجةٍ تعبٍ شديد. "سأتصل بك لاحقاً." "فهد! لا تغلق الهاتف!" لكن فهد كان قد أغلق الخط، تاركاً والدته وحدها مع قلقها العميق، وشبح ابنها الذي يبتعد في غياهب المجهول.
نزع فهد سماعة الهاتف، وألقاها على السرير. نظر إلى انعكاسه في النافذة المظلمة. لم يكن يرى وجهه، بل فراغاً أسود. كان قد وصل إلى مرحلةٍ لم يعد فيها يفرق بين الرغبة الحلال والرغبة الحرام. كانت لهفةٌ ما، أشبه بالجوع، تنهش فيه. لم يكن الأمر يتعلق بالحب، ولا حتى بالشهوة العابرة. كان شيئاً أعمق، شيئاً يغذيه الارتياب، ويشبعُه الخطيئة.
كان قد تعرف على "ليلى" قبل بضعة أشهر، في سهرةٍ عائليةٍ لصديقٍ مشترك. كانت مختلفة. لم تكن من فتيات المجتمع الراقي الذي اعتاد عليه، اللواتي يرتدين الأقنعة المزيفة من اللباقة والتقوى. كانت طبيعية، جريئة، تحمل في عينيها لمعةً غامضة، وفي حديثها نبرةً تسحر القلب. في البداية، كان لقاؤهما مجرد فضول، ثم تحول إلى حديثٍ عبر وسائل التواصل، ثم إلى لقاءاتٍ سرية. كان يعلم في قرارة نفسه أنها ليست من معدنه، وأن مسارها مختلف. لكنها كانت تجذبه إليها بقوةٍ لا يقاومها. كانت تعرف كيف تدغدغ غروره، وكيف تشعله بلحظاتٍ من الإعجاب المصطنع.
"أنا آسف." كان يقول لنفسه كلما خرج من لقاءٍ معها. "هذه آخر مرة." لكنها لم تكن المرة الأخيرة. كان يشعر بأنها إدمانٌ حقيقي. إدمانٌ لا يهدأ إلا بجرعةٍ جديدة من حضورها، من كلماتها، من نظراتها. كانت سارة، الفتاة التي كانت تمثل المستقبل المشرق، تبدو الآن باهتةً أمامه، مجرد خيارٍ تقليدي، لا يحمل أي إثارة.
في تلك الليلة، لم يستطع فهد النوم. تذكر حديثه مع والدته، وتذكر وعده لنفسه. لكن إحساساً بالوحدة الغامضة، ونفحةً من فتنة ليلى، بدأت تستولي عليه. أخرج هاتفه، وأصابعه ترتعش. كانت يده وحدها تتحرك، كأنها تملك إرادةً خاصة. "هل أنتِ مستيقظة؟" أرسل الرسالة. لم تمر لحظاتٌ قليلة، حتى جاء الرد: "دائماً لك." ابتسم فهد ابتسامةً مرهقة. لم يكن يعلم إن كانت هذه الكلمة صادقة، أو مجرد لعبةٍ أخرى من ألعاب ليلى. لكنه لم يعد يهتم. لقد كان مستعداً لدفع أي ثمن، مهما كان باهظاً، فقط ليستمر في هذه الغيبوبة. "أريد أن أراكِ." أرسل. "الآن؟" جاء الرد سريعاً. "نعم، الآن." "لكن... الساعة متأخرة." "لا يهم." "حسناً. ولكن في مكانٍ هادئ." "أينما شئتِ." شعر فهد بارتفاعٍ في نبضات قلبه، ليس من الحب، بل من مزيجٍ من التوتر والترقب. كان يعلم أنه يسير نحو الهاوية، ولكن خطواته كانت مدفوعةً بقوةٍ خفية، قوةٌ جعلته يتخلى عن مبادئه، وعن كل ما كان يؤمن به.
خرج فهد من منزله، تاركاً خلفه صمت الليل، وصوت والدته الحزين. كان الظلام في الخارج أشد قتامةً من الظلام في قلبه. كانت هذه الليلة، مثل ليالٍ كثيرةٍ سبقتها، رحلةً أخرى نحو إدمانٍ لا يرحم، نحو وهجٍ زائفٍ يخفي تحته دماراً كاملاً. لم يكن يعلم أن هذه الخطوة، التي ظنها مجرد هروبٍ مؤقت، ستكون نقطة التحول التي ستقوده إلى عالمٍ لم يكن يتخيله، عالمٌ تتصارع فيه الآثام والفضائل، والرغبة والتقوى، في معركةٍ شرسةٍ لا تبقي ولا تذر.