حب في الظلام 174

متاهات الحرام ورماد الندم

بقلم ليلى الأحمد

لم يكن اللقاء مع ليلى مجرد لقاءٍ عابر، بل كان غوصاً أعمق في بحرٍ من الرغبات المظلمة، وتغلغلاً في متاهةٍ يبدو أن أبوابها لا تنغلق أبداً. اختاروا مكاناً بعيداً عن الأعين، مقهىً صغيرٌ في حيٍّ مهجور، تتسلل إليه أنفاس الليل الباردة، وتتراقص فيه الظلال على الجدران القديمة. لم يكن المكان مهماً بقدر ما كانت تلك اللحظة، تلك اللحظة التي استسلم فيها فهد للإغواء، مجدداً عهوده لنفسه، متهماً إياها بالضعف والخيانة.

جلست ليلى مقابله، ابتسامةٌ غامضةٌ ترتسم على شفتيها، وعيناها تلمعان ببريقٍ لا ينم عن الفرح، بل عن مكيدةٍ ماكرة. لم تكن تبحث عن الحب، ولا عن الزواج، بل كانت تبحث عن شيءٍ آخر، عن شيءٍ يملك قوةً كبيرة، شيءٌ يكمن في أيدي الرجال مثل فهد، وهو السلطة، المال، أو ربما إثبات الذات بطريقةٍ ملتوية.

"تأخرت يا فهد." قالت بصوتٍ هادئ، لكنه كان يحمل في طياته اتهاماً خفياً. "آسف، لم أستطع المغادرة قبل هذا الوقت." أجاب فهد، وهو يشعر بوخزٍ من الضيق. كل كلمةٍ ينطق بها كانت تبدو له كاذبة، وكل نظرةٍ منه كانت تحمل خداعاً. "دائماً لديك أعذار." ردت ليلى، وهي تعدل من وضعية جلستها. "ولكنك هنا الآن، وهذا هو المهم." "هل أنتِ غاضبة؟" سأل فهد، محاولاً استمالتها. "لماذا أغضب؟ أنت تفعل ما تريد، وأنا أفعل ما أريد." كان ردها بارداً، كأنها تذكّره بأن علاقتهما ليست سوى مصالح مشتركة، لا وجود فيها للمشاعر الصادقة. "لكنني... أنا أفكر فيكِ." زعم فهد، مع أن هذه الكلمة لم تكن صادقة أبداً. هو لم يفكر فيها، بل فكر في ما تعطيه إياه، في تلك اللحظة من النشوة العابرة التي يهرب بها من واقعه. ضحكت ليلى ضحكةً خافتة. "لا تكذب على نفسك يا فهد. أنت هنا لأنك تحتاجني، لا لأنك تفكر فيّ. أنت تحتاج هذه اللحظات، هذه الهروب من قيودك." كلامها كان صادماً، لكنه كان يحمل قدراً كبيراً من الحقيقة. لقد كشفت له طبقاتٍ من نفسه لم يكن يرغب في رؤيتها. كان يستغلها، وهو يعلم ذلك. وهي كانت تستغله، وهذا كان جزءاً من اللعبة.

"وماذا تريدين أنتِ؟" سأل فهد، بنبرةٍ تحمل بعض التحدي. "أريد منك ما تحصل عليه مني." أجابت ليلى، وهي تقترب منه قليلاً، وتضع يدها برفقٍ على يده. لم تكن لمسةً عاطفية، بل لمسةً تشبه اللمسة التي يضعها التاجر على بضاعته. "هذه المتعة، هذا الخدر، هذه الراحة المؤقتة من كل شيء." شعر فهد بوخزةٍ من الاشمئزاز، ولكنه كان أيضاً يشعر بإثارةٍ غريبة. لقد استطاعت أن تمنحه شيئاً لا يجده في حياته الروتينية، شيئاً يجعله يشعر بالحياة، ولو كانت حياةً مزيفة. "لكن هذه اللحظات... هذه اللحظات تدمر كل شيء." قال فهد، وهو ينظر إلى يدها الموضوعة على يده. "وهل تعتقد أن حياتك الحالية مثالية؟ أليست هناك أشياء تدمرك أنت أيضاً؟ ألا تشعر بالملل، بالروتين، بالضغوط؟ أنا أقدم لك حلاً، يا عزيزي. حلاً مؤقتاً، ولكنه فعال." "ولكنه حرام." قال فهد، بصوتٍ ضعيف، كأنه يهمس لنفسه. "والحلال ليس له مذاق؟" سألت ليلى، وهي تنظر إليه بنظرةٍ استهزائية. "أنت تمتلك كل شيء، يا فهد. المال، المنصب، حتى الفتاة الصالحة التي تنتظرك. ولكنك لا تجرؤ على أن تكون حرّاً، حتى في أحلامك." كانت كلماتها كالسموم، تهدف إلى زعزعة استقراره، وإلى إيقاظ تلك الرغبات المكبوتة فيه. كانت تعرف نقاط ضعفه، وتعرف كيف تستغلها. "الحرية ليست في معصية الله." قال فهد، محاولاً استعادة هدوئه. "وهل السعادة في طاعةٍ تجعلك تعيساً؟" ردت ليلى، بذكاءٍ ودهاء. "أنا لا أجبرك على شيء، يا فهد. أنت تأتي إليّ طواعية. أنت تطلب مني هذه اللحظات. أنت من يدمنها." لقد ألقى باللوم عليه، وهو استقبل ذلك بصدرٍ رحب. كان يرى في كلماتها تبريراً لضعفه، وسبباً لتخليه عن مسؤولياته.

"وماذا بعد؟" سأل فهد، وهو ينظر إليها بعمق. "إلى متى سنستمر هكذا؟" "إلى أن تشبع." قالت ليلى، بابتسامةٍ لا تبشر بالخير. "أو إلى أن تخاف." "أنا لا أخاف." قال فهد، لكنه كان يكذب. كان يخاف، يخاف من أن ينكشف أمره، يخاف من العواقب، والأهم من ذلك، يخاف من نفسه. "إذن، فلنستمتع بالوقت." قالت ليلى، وهي تسحب يده برفق، وتضع يدها على خده. كانت تلك اللمسة لا تحمل دفئاً، بل برودةً مخيفة، برودةٌ تنذر بأنها ليست أكثر من لعبةٍ خطيرة.

أمضى فهد ساعاتٍ مع ليلى، يتحدثان، يضحكان، بل ويتبادلان كلماتٍ لم يكن يجرؤ على قولها لأي شخصٍ آخر. كانت تخبره عن أحلامها، عن طموحاتها، عن خيباتها. وكان هو يستمع، يشعر وكأنها تفهم جوانب من شخصيته لم يفهمها أحد. كان ذلك خداعاً، بالطبع. كانت تعرف كيف تقرأ الناس، وكيف تستغل نقاط ضعفهم.

عندما عاد فهد إلى منزله، كانت الشمس قد بدأت بالظهور في الأفق. كانت روحه منهكة، وقلبه مثقلاً بالذنب. نظر إلى غرفته، إلى سريره الذي لطالما كان مكاناً للراحة والطمأنينة، والآن أصبح مكاناً للشعور بالخزي. "ماذا تفعل بنفسك يا فهد؟" قال لنفسه بصوتٍ عالٍ، وكأنه يحاول أن يوقظ ضميره النائم. كان يعلم أن هذه العلاقة مع ليلى ليست مجرد نزوة، بل هي بداية الطريق إلى الهاوية. كان يرى في سارة، الفتاة التي لم يعرفها جيداً، ضوءاً في نهاية النفق، باباً للأمل. ولكنه كان يغلق على نفسه كل الأبواب، ويختار السير في الظلام.

في صباح اليوم التالي، تلقى فهد اتصالاً من والدته. "فهد، هل أنت بخير؟" سألت بقلق. "لم أستطع النوم الليلة الماضية." "أنا بخير يا أمي. قلقتِ؟" "طبعاً أقلق. أنت ابني. هل تحدثت معها؟" "مع من؟" سأل فهد، متظاهراً بعدم الفهم. "مع تلك الفتاة. هل أخبرتها أنك لن تستطيع الاستمرار؟" "أمي... أنا... أنا لم أخبرها شيئاً." "ولمَ لا؟ هل ما زلت تفكر فيها؟" "لا يا أمي. فقط... لم أحصل على الفرصة." "الفرصة؟ أنت تصنع الفرص يا فهد. لا تجعل الشيطان يلعب بعقلك. تذكر ما قلته لك عن سارة. إنها فتاةٌ طيبة، وسترى منها الخير." "سارة..." تمتم فهد، وقد بدأت صورته تتضح في ذهنه. وجهها الهادئ، ابتسامتها الخجولة. هل كان ما زال بإمكانه أن يتخلى عن ليلى، ويعود إلى الطريق الصحيح؟ "نعم، سارة. والداها يريدان موعداً للخطبة الرسمية. هل أنت مستعد؟" كانت كلمة "مستعد" كافية لإلقاء فهد في بحرٍ من الارتباك. مستعد؟ هو بالكاد كان مستعداً لمواجهة نفسه. "أمي، أنا... أحتاج وقتاً." "وقتاً لأي شيء يا فهد؟ لتعود إلى الضلال؟ أم لتستقيم؟" "لأستقيم يا أمي." قال فهد، وصوته يحمل في طياته تنهيدةً عميقة. "إذاً، قل لي ما هي مشكلتك الحقيقية. تحدث معي، كابنٍ لأمه." شعر فهد بشيءٍ من الأمل. ربما، ربما تستطيع والدته مساعدته. ربما لم يفت الأوان بعد. "هناك... فتاة." بدأ فهد، يتلعثم. "ولكنها... مختلفة." "مختلفة كيف؟ هل هي غير محجبة؟ هل تدخن؟ هل..." "لا يا أمي. هي... تختلف عني. وعن ما ترضينه لي." "وهل حاولت أن تتركها؟" "حاولت. ولكن..." "ولكن ماذا؟ هل هي سحرتك؟" "ربما." قال فهد، بنبرةٍ تحمل الكثير من الألم. "ربما سحرتني." "يا بني، لا يوجد سحرٌ أقوى من الإيمان، ولا قوةٌ أشد من التوبة. إذا كانت هذه الفتاة تجرّك إلى ما لا يرضي الله، فعليك أن تنفض يديك منها. قل لي اسمها، وسأفعل ما بوسعي." "اسمها ليلى." قال فهد، وكأنها كلمةٌ سرية، كلمةٌ تحمل كل أسراره. "ليلى؟ لم أسمع بها من قبل. وهل هي من عائلةٍ طيبة؟" "لا أعلم يا أمي. ولكن... أعتقد أنني أحببتها." كانت الكلمة الأخيرة تخرج منه بصعوبة، كأنها اعترافٌ بالذنب. "الحب يا بني، ليس شهوةً تدمر حياتك. الحب هو السكينة، والرحمة، والمودة التي يبنيها الزواج الشرعي. لا تخلط بين الأمرين. تذكر أن الله يراك، وأنك مسؤولٌ عن اختياراتك." نهى فهد المكالمة، وشعر ببرودةٍ تسري في عروقه. لقد كان في مفترق طرق. إما أن يستمر في طريق ليلى المظلم، طريق الإدمان والدمار، أو أن يحاول، بجهدٍ جهيد، العودة إلى النور، إلى سارة، إلى مستقبله الذي بدأ يضيع منه. لكن وهم اللذة الذي منحته إياه ليلى كان لا يزال يتردد في ذاكرته، يهمس له بالعودة، يغريه بجرعةٍ أخرى من الوهم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%