حب في الظلام 174

رقصة الشبح ودموع الحقيقة

بقلم ليلى الأحمد

كانت كلمات والدته تتردد في أذنيه كصدىً بعيد، تحمل في طياتها مزيجاً من التحذير والحنان، ولكن فهد كان يشعر بأن شيئاً ما في داخله قد انكسر، وأنه يسير في دروبٍ لا رجعة فيها. الإدمان، ذلك الشبح المتجول في دروب روحه، كان قد أحكم قبضته عليه، ولم يعد يرى في ليلى مجرد فتاةٍ عابرة، بل ملاذاً مؤقتاً، وربما الأمل الوحيد للخلاص من قسوة واقعه.

في تلك الليلة، لم ينتظر فهد رسالةً من ليلى. بل مد يده إلى هاتفه، وأرسل إليها رسالةً قصيرة: "أريد أن أراكِ. الآن." لم يكن يدري ما الذي يدفعه إلى هذا التصرف. ربما كان الشوق، ربما كان الخوف من الوحدة، أو ربما كان مجرد محاولةٍ للهروب من مواجهة نفسه. جاء الرد سريعاً، يحمل في طياته وعداً صامتاً: "تعال."

كان لقاؤهما هذه المرة في مكانٍ جديد، نادٍ ليليٌّ فاخر، يكتظ بالأضواء البراقة، والضحكات الصاخبة، والموسيقى الصاخبة التي تغرق الأفكار. لم يكن هذا المكان من عالم فهد، ولا من عالمه الذي يعرفه. ولكن ليلى كانت قد اختارته، وهي تعلم كيف تتحكم بمجريات الأمور. "لماذا اخترتِ هذا المكان؟" سأل فهد، وهو يشعر بالغثيان من الأجواء. "لأننا نحتاج إلى الاحتفال." قالت ليلى، وهي تسحب يده وتجلسه بجانبها على أريكةٍ فاخرة. "فأنت تبدو متوتراً جداً." "أنا لست متوتراً، فقط... المكان غريب." "لكنه جميل، أليس كذلك؟ انظر إلى الناس، كيف يعيشون حياتهم. لا يفكرون في الغد، ولا في الماضي. إنهم يعيشون اللحظة." كانت كلماتها تبدو كدعوةٍ صريحة للانغماس في الملذات، والتهاون بالمسؤوليات. "ولكنهم لا يعيشون وفقاً لمبادئهم." قال فهد، وهو ينظر إلى الوجوه المنحلة من حوله. "ومن قال إن لكل شخصٍ نفس المبادئ؟ أنت تعيش وفقاً لمبادئك، وأنا أعيش وفقاً لمبادئي. كلٌ يسير في دربه." "ولكن دروبنا تلتقي." قال فهد، بنبرةٍ تحمل في طياتها قدراً من الاستسلام. "بالتأكيد." ابتسمت ليلى، ابتسامةً بدت كأنها انتصار. "ولهذا نحن هنا. لنتشارك هذه اللحظات، قبل أن يفرقنا الطريق." كانت تلك العبارة الأخيرة بمثابة سهمٍ بارد اخترق قلب فهد. هل كانت تعلم؟ هل كانت تعرف أنه على وشك خسارة كل شيء؟ "ماذا تقصدين؟" سأل فهد، متظاهراً بالجهل. "أقصد أن لكل شيءٍ وقتاً، يا فهد. لكل لقاءٍ نهاية، ولكل حلمٍ استيقاظ." "هل أنتِ... هل أنتِ ذاهبة؟" سأل فهد، وشعر بأن قلبه بدأ بالخفقان بشدة. "لا أعرف. ولكنني أعرف أن هذه اللحظات لا تدوم. وأن ما بين أيدينا الآن... ربما لن يكون متاحاً غداً." "ولكنكِ... قلتي أنكِ... دائماً لي." "هل قلت ذلك؟" رفعت ليلى حاجبها. "ربما كنتُ أمزح." شعر فهد بالغضب، والغضب الشديد، ممزوجاً بالخوف. هل كانت تلعب به؟ هل كانت تتلاعب بمشاعره؟ "أنا لم آتِ إلى هنا لألعب." قال فهد، بنبرةٍ قوية. "وأنا لم أدعُك لتلعب أيضاً." ردت ليلى، ببرودٍ قاتل. "أنا أدعوك لتشعر بالحياة، قبل أن تفقدها." "أنا لم أفقد حياتي." قال فهد، ولكن صوته كان يرتجف. "هل أنت متأكد؟" اقتربت ليلى منه، ووضعت يدها على صدره. "أشعر أن هناك شيئاً ما يؤلمك. ألا تشعر بذلك؟" كانت تقصد شيئاً واحداً، شيئاً واحداً كانت تعرفه جيداً، شيئاً يتعلق بالضمير، بالذنب، بالخوف من الله. "هذا... هذا ليس ألماً." قال فهد، وهو يحاول إبعاد يدها. "هذا... شعورٌ بالخطأ." "الخطأ؟" ضحكت ليلى. "ما هو الخطأ يا فهد؟ هل الخطأ هو أن تشعر باللذة؟ هل الخطأ هو أن تبتعد قليلاً عن روتين حياتك الممل؟" "الخطأ هو أن أعصي ربي." قال فهد، بصوتٍ عالٍ. "وإذا كان ربك قد أتاح لك كل هذه الأشياء الجميلة، فلماذا لا تستمتع بها؟" "لأن هناك طريقاً واحداً صحيحاً." "والطريق الصحيح أين هو؟ أين هو هذا الطريق؟ هل هو في تلك الفتاة الصالحة التي تنتظرك؟ هل هي ستمنحك كل هذا؟" لم يستطع فهد الإجابة. كان يعلم أن سارة ستكون زوجةً صالحة، ولكنها لن تمنحه هذه اللحظات من التمرد، من الإثارة، من الشعور بأن الحياة خارجة عن السيطرة.

في تلك اللحظة، دخل إلى المكان شابٌ، يبدو أنه صديقٌ قديم لليلى. اقترب منهما، وابتسامةٌ عريضةٌ على وجهه. "ليلى! ما الذي تفعلينه هنا؟ لم أركِ منذ زمن." قال الشاب، وهو يعانقها بحرارة. شعر فهد بالغيرة، وبالغضب. هل كانت مع هذا الشاب قبل ذلك؟ هل كانت تلعب به، وبغيره؟ "عمر! ما هذا؟" قالت ليلى، وهي تحاول إبعاد نفسها عنه. "لا تقللي من شأن اللقاءات يا حبيبتي. كيف حالك؟" "أنا بخير. وهذا صديقي، فهد." قدمت ليلى فهد، بنبرةٍ لا تحمل أي حميمية. مد عمر يده إلى فهد. "أهلاً وسهلاً. أعتقد أننا نعرف بعضنا البعض. هل عملنا معاً في مشروعٍ ما؟" "لا، أعتقد لا." قال فهد، وهو لا يمد يده. "حسناً. ولكن يبدو أنك تعرف ليلى جيداً." قال عمر، بنبرةٍ فيها شيءٌ من التحدي. "نعم، نعرف بعضنا جيداً." قالت ليلى، وهي تتطلع إلى فهد بنظرةٍ غريبة. شعر فهد بأن كل شيءٍ حوله يتداعى. لقد كان غافلاً، ضالاً، ولكنه لم يكن يتوقع أن يكون بهذا القدر من السذاجة. لقد كانت ليلى مجرد لعبةٍ أخرى في حياتها. "أعتقد أنني سأغادر." قال فهد، وهو يقف. "مغادرة؟ الآن؟" سألت ليلى، بلهجةٍ تحمل في طياتها استغراباً مصطنعاً. "نعم. لم يعد لدي ما أفعله هنا." "ولكن... ما زلنا لم نرقص." قالت ليلى، محاولةً إبقائه. "لا أريد أن أرقص." قال فهد، ثم التفت وخرج من المكان.

خرج فهد من النادي الليلي، تاركاً خلفه صخب الحياة، والأوهام التي حاولت أن تغرقه. كان يشعر بالبرد، بردٌ لا يأتي من الجو، بل من أعماق روحه. لقد أفاق، أفاق على حقيقةٍ مؤلمة. لقد كان طوال الوقت يهرب من الواقع، يختبئ خلف ستارٍ من الملذات العابرة، ولكنه الآن، عندما بدأت الحقائق تتكشف، شعر بأن هذا الهروب قد انتهى.

عاد إلى منزله، وتذكر حديث والدته عن سارة. سارة، تلك الفتاة التي لم يعرفها، ولكنها كانت تمثل بصيص الأمل الوحيد في حياته. هل كان ما زال بإمكانه أن يصل إليها؟ هل ما زال بإمكانه أن يبدأ من جديد؟ نظر إلى هاتفه، وشعر بترددٍ غريب. هل يتصل بوالدته؟ هل يعترف لها بكل شيء؟ لقد أدرك في تلك اللحظة أن الإدمان ليس مجرد رغبةٍ في شيءٍ محرم، بل هو طريقٌ إلى تدمير الذات، طريقٌ يجعلك تفقد كل شيءٍ جميل في حياتك. لقد كان شبحاً يرقص في عالمه، ورقصته كانت على وشك أن تدمر كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%