حب في الظلام 174

نسائم الوصل المتأرجحة

بقلم ليلى الأحمد

ارتعشت روح نور كأنما لامستها نسمة باردة، لاذعة، رغم دفء خيمة الأهل التي احتضنتها. كان حديث والدتها، أمينة، ذاك الذي دار قبل ساعات قليلة، لا يزال يتردد في أذنيها كصدى لحلم بعيد المنال. "يا ابنتي، زواجك من السيد كريم بات أمراً محسوماً. والدته، السيدة عائشة، أبدت موافقتها، ووالدك قد أعطى كلمته. هذا قدرٌ مبارك، وفرصة لا تعوض لامرأة مثلك."

كانت كلمات أمينة تحمل في طياتها حكمة الأم ورؤية الأب، وقداسة العادات التي رسمت مسارات حياة أجيال خلت. لكن قلب نور، ذلك القلب الذي عرف طعم الشوق، وكان يخبئ فيه أسراراً لا تباح، كان ينبض بقصة أخرى. قصة بدأت في ردهات المسجد الكبير، وبين أروقة المكتبة العامة، حين التقت عيناه بعيني المهندس الشاب، فهد.

فهد، ذلك الرجل الذي تجلت في عينيه براءة الطفولة ورزانة العقل، كان مثالاً للشباب المسلم الصالح الذي تتمناه كل أم لابنتها. كان يتحدث عن العلم والعمل، عن بناء المستقبل، وعن خدمة الدين والوطن، بلسان عذب وقلب نقي. التقيا في لقاءات عابرة، في جو من الاحترام المتبادل، وتوطدت بينهما أواصر المودة بكلمات قليلة، بنظرات صافية، برسائل تحمل عبق الأمل. لم يكن بينهما وعد صريح، ولا إفصاح عن مشاعر دفينة، بل كان هناك يقين يتشكل في الصدور، إيمان بأن الله قد يجمع قلبين صادقين.

اليوم، وبعد أن أعلنت والدتها الخبر السعيد، أو الكارثة كما أحست به نور، شعرت كأن الأرض تميد بها. زواج من السيد كريم، الرجل الذي لا تعرف عنه سوى أنه تاجر ثري، له سمعته الطيبة في أوساط المجتمع، وقد يكون هو الفارس الذي تتمناه كل فتاة. لكنه ليس الفارس الذي حلم به قلبها.

جلست نور على حافة السرير، تركت الغطاء الثقيل يتساقط من كتفيها، ووضعت يديها على وجهها. شعرت بالدموع تتجمع في عينيها، لكنها حبستها. لا يليق بابنة رجل طيب، وبفتاة نشأت على مبادئ الدين والأخلاق، أن تنهار أمام هموم الحياة.

"ماذا أفعل؟" همست لنفسها، وصوتها يكاد لا يُسمع. "هل أطيع والديّ وأبني حياةً قد تكون سعيدة، لكنها خالية من نور روحي؟ أم أصارع هذا القدر، وأبحث عن سعادة قد لا تكون في المتناول؟"

كانت السيدة عائشة، والدة السيد كريم، امرأة ذات شخصية قوية، وتتسم بالذكاء الاجتماعي. كانت تراقب نور بعين فاحصة منذ لقائهما الأول في مناسبة اجتماعية. رأت فيها الفتاة المهذبة، المتعلمة، ذات الأخلاق الرفيعة، والتي ستكون زوجة مثالية لابنها. كانت ترغب في ربط ابنتها بمنزلها، ولذلك سعت لتمتين العلاقة مع أسرة نور.

من جهة أخرى، كانت أمينة، والدة نور، تشعر بالقلق على مستقبل ابنتها. كانت ترى في زواج كريم فرصة لضمان حياة كريمة لها، ولتأمين مستقبل مستقر. كان كريم رجلاً ناجحاً، وله علاقات اجتماعية قوية، وكان يمثل النمط المثالي للزوج في نظرها.

في تلك الأثناء، كان فهد يعمل في موقع بناء أحد المشاريع التنموية الكبرى في المدينة. كان عرقه يتصبب، ويداه خشنة من العمل الشاق، لكن قلبه كان يفيض أملاً. كان يخطط لمستقبله، وللحياة التي سيشاركها مع شريكة حياته. لطالما تخيل نور، تلك الفتاة الهادئة، ذات الابتسامة الرقيقة، والتي تبدو وكأنها تحمل في عينيها نوراً من السماء. كان يحلم باليوم الذي سيتقدم فيه لخطبتها رسمياً، اليوم الذي سيقدم فيه لوالديها احتراماً وتقديراً.

كانت الساعات تمر بطيئة على نور. ذهبت إلى غرفتها، حيث كانت عطر والدتها ينبعث من الوسائد، ورائحة البخور تتسلل من المطبخ. تذكرت والدها، الرجل الصالح، الذي كان دائماً يبث فيهم روح القوة والتحدي. كيف يمكنها أن تخيب أمله؟ وكيف يمكنها أن تخالف رغبته؟

في المساء، قررت نور أن تتحدث إلى والدتها. جلست بجانبها في الصالة، وقد امتلأت الغرفة بعبق الياسمين الذي كانت والدتها تحرص على زراعته. "أمي، هل يمكنني أن أتحدث معك قليلاً؟" "بالطبع يا ابنتي، تفضلي." "فيما يخص موضوع زواجي من السيد كريم… هل أنتِ متأكدة؟" نظرت أمينة إلى ابنتها بعينين تلمعان بالحنان والقلق. "يا نور، إنه رجل طيب، ومستقر مادياً. سيوفر لكِ حياة هانئة. والسيدة عائشة، والدته، امرأة صالحة. أليس هذا ما نريده لكِ؟" "لكن يا أمي، قلبي… قلبي لا يشعر بالراحة التامة." "الراحة تأتي مع الأيام يا ابنتي. الحب يمكن أن ينمو. وأنتِ فتاة ذكية، وستجدين طريقكِ للسعادة." "لكنني… سمعت عن شخص آخر… شاب مهندس… أراه في المسجد… وفكرت فيه." صمتت أمينة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة. "يا ابنتي، في أمور الزواج، لا يجب أن نتبع الأوهام. أحياناً، الشاب الذي نراه في المسجد، أو في الجامعة، قد يكون مجرد حلم. لكن الزواج هو بناء حياة، هو استقرار وأمان." كانت كلمات أمها تحمل منطقاً لا يمكن إنكاره، لكنها كانت تزيد من شعور نور بالضياع. هل كانت مشاعرها تجاه فهد مجرد أوهام؟ أم كانت تلك الشرارة التي قد تتحول إلى نور ساطع؟

في تلك الليلة، لم تستطع نور النوم. ظلت تتأرجح بين واجبها تجاه أسرتها، ورغبتها في تحقيق سعادتها الشخصية. لم تكن تعرف أن القدر ينسج خيوطه من حولها، وأن لقاءً عابراً قد يحمل في طياته تغييراً جذرياً في مسار حياتها. كانت تعلم أن عليها أن تتخذ قراراً، قراراً قد يغير كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%