الفصل 1 / 25

قدر الحب 175

لقاء في سوق العطارين

بقلم مريم الحسن

تزاحم في سوق العطارين، تلك الدوامة العطرة من البهارات الفواحة والأعشاب الشافية، حيث تتعانق روائح الهيل والزعفران والعنبر لتنسج لوحة عطرية تأسر الألباب. تحت قناديل النحاس المتدلية، والتي أضاءت زوايا السوق بوهج دافئ، كان قلب "نور" يخفق بسرعة تفوق سرعة خفقان طائرٍ مذعور. لم تكن مجرد زيارة عادية لهذا المكان الذي اعتادت التردد عليه كل أسبوع، بحثًا عن شاي الأعشاب الذي يعالج اضطراب معدتها، بل كان اليوم موعدًا مع قدرٍ لم تتوقعه، لقاءً يرسم ملامح مستقبلٍ غامض.

كانت "نور" فتاة في ريعان شبابها، يكسو وجهها بياضٌ قمرٍ بليلة تمام، وعيناها واسعتان كبحرٍ هادئ، بلون بنيٍ عميق، كأنهما تحتفظان بأسرار القرون. شعرها الأسود الداكن، المنسدل كشلالٍ على كتفيها، كان يلتف حول عنقها في غوايةٍ رقيقة، حينما انحنت لتتأمل علبةٍ من القرفة المجلوبة من بلاد الهند. كانت تحمل في روحها نقاءً نادرًا، وصفاءً يعكس تربيتها الصالحة وقيمها الأصيلة، تلك التي غرسها فيها والداها، رجلٌ كريمٌ وامرأةٌ فاضلة، يحبانها حبًا جمًا ويسعيان دائمًا لرفعتها.

كانت ترتدي ثوبًا فضفاضًا من القطن الخالص، بلون أزرق سماوي، يزين حوافه تطريزٌ يدويٌ بسيط، ينم عن ذوقٍ رفيعٍ لا يميل إلى التكلف. رفعت يدها لتلمس حبيبات القرفة اللامعة، عندما سمعت صوتًا رجوليًا عميقًا، يصدح من خلفها، صوتٌ يحمل رنينًا فريدًا، يلامس شغاف قلبها بشكلٍ غريب: "أتساءل إن كانت هذه القرفة تفوح بسحرٍ خاصٍ يجعل المرء يتغنى بجمالها، أم أنكِ أنتِ من تضفين عليها هذا السحر، يا سيدة الجمال؟"

تجمدت "نور" في مكانها، واقشعر جسدها قشعريرةٌ لطيفة. لم تعتد على مثل هذا الخطاب المباشر، خاصةً من رجلٍ غريب. استدارت ببطء، وقلبها يقرع طبول الحرب الهادئة. وجدت نفسها وجهاً لوجه مع شابٍ يبدو في عمرها تقريبًا. كان وسيماً، وسيامةً أصيلةً لا زينة فيها ولا تكلف. يمتلك لحيةً خفيفةً تهذّب وجهه، وعينين واسعتين بلون عسليٍ صافٍ، يشعان بذكاءٍ وحيوية. ابتسامته كانت دافئة، تحمل نورًا غريبًا، كأنها شمسٌ أشرقت في وقتٍ غير متوقع. كان يرتدي جلبابًا بيج اللون، أنيقًا، ويده اليمنى كانت تحمل كيسًا قماشيًا، يبدو أنه كان يحمل به شيئًا ما.

"أنا... أنا فقط أشتري القرفة"، أجابت "نور" بصوتٍ خفيض، يحمل بعض الارتباك، لكنه لم يخلو من الجرأة.

ضحك الشاب ضحكةً هادئة، تبعث على الارتياح. "بالطبع. فمن غير القرفة يستحق هذا التركيز؟ لكني أعتقد أن الجمال الحقيقي يتجلى في من يختارها. اسمي 'يوسف'."

مد يده تجاهها، مترددًا قليلاً. "وأنتم؟"

نظرت "نور" إلى يده، ثم رفعت عينيها إليه، لمحةً من التردد، ثم مدّت يدها بحياءٍ لتصافحه. "نور."

شعر "يوسف" بدفءٍ غريبٍ يسري في عروقه عندما لامست أنامله أناملها. كانت يدها ناعمةً ورقيقة، تشبه بتلات الورد. "نور. اسمٌ على مسمى. أنتِ تضيئين هذا المكان، يا نور."

احمرّ وجه "نور" خجلًا. كان هذا الغزل صريحًا، لكنه لم يكن مبتذلاً. كان فيه صدقٌ وودٌ، شيءٌ أثار فضولها. "شكرًا لك، يا يوسف."

"هل أنتِ من سكان هذه المنطقة؟ لم أر وجهكِ هنا من قبل." سأل "يوسف" وهو ينظر إليها بتمعن، محاولًا استكشاف المزيد عن هذه الفتاة التي لفتت انتباهه فورًا.

"أنا أزور سوق العطارين كل أسبوع. أعتني بوالدتي المريضة، وهي تحب شاي الأعشاب." قالت "نور"، وبدت في صوتها نبرةٌ من الحزن المختلط بالفخر.

"أهلاً وسهلاً. أتمنى لها الشفاء العاجل. أعمل في محلٍ صغيرٍ للعطارة هنا، بالقرب من مدخل السوق. إن احتجتِ أي شيءٍ لأمك، أو حتى لكِ، فلا تترددي في سؤالي." قال "يوسف" بصدق، وكان ينظر إلى عينيها مباشرةً، يعكس اهتمامًا حقيقيًا.

"بارك الله فيك، يا يوسف. قد أحتاج قريبًا لبعض شاي الينسون، فهو مفيدٌ للاسترخاء." ردت "نور"، وبدأت تشعر بأن هذا اللقاء الغريب بدأ يأخذ منحىً مريحًا.

"اليانسون؟ عندي أفضل الأنواع. رائحته زكية، وأثره فعال. سأحضره لكِ بنفسي. بل، سأختار لكِ الأفضل. ربما يمكن أن نلتقي غدًا، في نفس الوقت؟ سأكون بانتظاركِ." قال "يوسف"، وبدت في صوته نبرةٌ من الأمل.

ترددت "نور" للحظة. لم تعتد على مقابلة الرجال بهذه السهولة، حتى وإن كانت اللقاءات بريئة. لكن في عيني "يوسف" رأت شيئًا جعلها تطمئن. رأى فيهم صدقًا ورزانةً، ورغبةً في التعرف عليها بحدود الاحترام. "حسنًا، يا يوسف. إن شاء الله."

"بارك الله فيكِ. إلى اللقاء يا نور." قال "يوسف" وهو يبتسم.

وبينما كانت "نور" تجمع مشترياتها، وشاي الأعشاب الذي اعتادت شراءه، لم تستطع أن تبعد تفكيرها عن "يوسف". كانت ابتسامته، ونبرة صوته، ونظرات عينيه، كلها أشياءٌ حفرت في ذاكرتها. شعرت بقلبها يخفق بإيقاعٍ مختلف، إيقاعٌ لم تعهده من قبل. كان لقاءً صغيراً في سوقٍ عطري، لكنه حمل في طياته بداية قصةٍ ستغير مجرى حياتها.

وفي طريق عودتها إلى منزلها، كانت تفكر في والديها، وفي رغبتهما في تزويجها من رجلٍ صالحٍ يخاف الله. هل يمكن أن يكون "يوسف" هو ذلك الرجل؟ تساءلت في نفسها، وعادت لتشم رائحة القرفة التي اشترتها، وكأنها تحمل معها عبير المستقبل.

*

لم يكن "يوسف" أقل ذهولًا من "نور". منذ اللحظة التي لمح فيها وجهها بين ضوء القناديل، شعر بجاذبيةٍ لا تقاوم. كان يتمنى أن تكون فتاته، وأن تكون شريكة حياته. رأى فيها الجمال الهادئ، والرقة، والحياء الذي بات نادرًا في هذه الأيام. كان يعمل في محل عطارةٍ ورثه عن أبيه، وشاهد الكثير من النساء، لكن "نور" كانت مختلفة. كانت كزهرةٍ بريةٍ نبتت في قلب الصحراء، تزهر بجمالٍ طبيعيٍ أصيل.

كان يتمنى لو أن الظروف سمحت له بالحديث معها لساعات، لو أن هناك مجالاً ليخبرها عن أحلامه، عن طموحاته، عن عشقه للتراث العربي الأصيل. كان يحب القراءة، وشعرًا، والتاريخ. كان يحلم بزوجةٍ تشاركه هذا الشغف، وتفهمه.

عاد إلى محله، محاولاً ترتيب الأعشاب والبهارات، لكن عقله كان مشغولاً بـ "نور". تذكر تفاصيل وجهها، لمعة عينيها، ابتسامتها الخجولة. كان يعلم أن اللقاء الأول مجرد بداية، وأن عليه أن يتحلى بالصبر والحكمة. فهو يعيش في مجتمعٍ يقدر القيم الأسرية، ويرفض العلاقات التي تتجاوز الحدود الشرعية.

"نور"، كان يكرر اسمها في داخله. اسمٌ يبعث على السكينة والجمال. هل ستأتي غدًا؟ هل سيتكرر هذا اللقاء؟ تساءل وهو يقلب علبةً من شاي البابونج، متخيلًا كيف ستقدمه لـ "نور"، وكيف سيستمتعان برائحته الهادئة معًا.

كانت الأيام القادمة تحمل في طياتها الكثير من المفاجآت. سوق العطارين، الذي كان مجرد مكانٍ للتجارة، أصبح الآن مسرحًا للقاءاتٍ جديدة، وبداية قصة حبٍ حلال، تحمل في طياتها نقاءً وإيمانًا، وقدرًا ينتظر أن يتكشف.

*

في منزل "نور"، كانت الأجواء هادئة. والدتها، السيدة "فاطمة"، كانت تجلس على أريكةٍ مريحة، تقرأ كتابًا دينيًا. "نور" دخلت الغرفة، حاملةً حقيبة التسوق، وابتسامةٌ خفيفةٌ ترتسم على شفتيها.

"أهلاً بكِ يا ابنتي. هل وجدتِ ما أردتِ؟" سألت السيدة "فاطمة" بصوتٍ حنون.

"نعم يا أمي. وجدت كل شيء. وحتى أنني تعرفت على شابٍ لطيفٍ في سوق العطارين. عرض عليّ المساعدة في حال احتجنا شيئًا." قالت "نور"، وهي تحاول أن تبدو طبيعية.

نظرت إليها والدتها بتمعن. "شابٌ لطيف؟ هل تعرفينه؟"

"لا يا أمي. لم أعرفه من قبل. التقيت به صدفةً، وكان يتحدث معي باحترام. اسمه يوسف."

"يوسف؟ هل هو من عائلةٍ معروفة؟" سألت السيدة "فاطمة"، بعينين تحملان فضولًا أبويًا.

"لا أعرف يا أمي. لم أطرح عليه أسئلةً كثيرة. كان فقط لطيفًا. وعرض عليّ أن يساعدنا إذا احتجنا."

"الحمد لله. هذا خيرٌ. المهم أن يكون شابًا صالحًا، يخاف الله." قالت السيدة "فاطمة" وهي تبتسم. "المهم أن تكوني حذرةً دائمًا يا ابنتي. العلاقات بين الشباب والشابات يجب أن تكون في إطارٍ شرعيٍ واضح."

"أعرف يا أمي. لم يحدث شيءٌ يتجاوز الحدود. كان مجرد حديثٍ بريء." طمأنت "نور" والدتها.

شعرت "نور" بالراحة وهي تتحدث مع والدتها. لم تخفِ عنها شيئًا، لكنها أيضًا لم تشاركها كل تفاصيل المشاعر التي بدأت تتكون في قلبها. كان الأمر لا يزال في بدايته، وكان عليها أن تتعامل معه بحذرٍ وروية.

كانت تلك الليلة ليلةً غنيةً بالأفكار. "نور" كانت تفكر في "يوسف"، وفي هذا اللقاء الغريب الذي بدأ يرسم معالم فصلٍ جديدٍ في حياتها. وفي المقابل، كان "يوسف" يفكر في "نور"، متمنيًا أن يكون هذا اللقاء مجرد بدايةٍ لشيءٍ أجمل وأعمق. القدر بدأ ينسج خيوطه، والحب، بشكلٍ حلال، كان على وشك أن يبدأ رحلته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%