الفصل 11 / 25

قدر الحب 175

غيمةٌ في سماء الصفاء

بقلم مريم الحسن

كان الهواء في شرفة منزل الأستاذ عبد الرحمن يفوح بشذى الياسمين والريحان، ممزوجاً بعبق القهوة العربية الأصيلة التي أعدتها فاطمة بعناية فائقة. جلست لمياء في ركن هادئ، تتأمل نجوم السماء الصافية، وقلبها يعتصر بين شوقٍ وحذر. منذ لقائها الأول بأحمد، شعرت بانجذابٍ غريب، إحساسٌ لم تعهده من قبل، لكنها تعلم أن دروب الحب في مجتمعهم لا تسلكها إلا قنواتٌ شرعيةٌ مقدسة.

كانت أحلام أحمد تراوده كثيراً. صورة لمياء، بضحكتها الرنانة وعينيها اللتين تحملان بريقاً من الحكمة والطيبة، لم تفارق خياله. كان يتذكر كلماتها عن أهمية الأسرة وترابطها، وعن قيمة العلم ورسالته النبيلة. شعرت روحه بارتياحٍ عجيبٍ في حضرتها، كأنه وجد ضالته المنشودة. لكنه كان يدرك أيضاً حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه. هو المهندس الشاب الذي يحلم ببناء مشاريع تخدم مجتمعه، وهي الفتاة التي تجسد قيماً سامية. هل يستطيع أن يجمع بين طموحاته الشخصية وبين سعادتها؟

في تلك الليلة، وبينما كان الأستاذ عبد الرحمن يحدث أحمد عن بعض الأمور المتعلقة بمشروعٍ جديدٍ سيبدأ العمل فيه قريباً، لاحظ أحمد نظرةً في عيني لمياء تدل على قلقٍ دفين. بعد أن انصرف الأستاذ عبد الرحمن، وجد أحمد الفرصة المناسبة.

"لمياء، هل كل شيء على ما يرام؟" سأل بصوتٍ هادئٍ يحمل دفء الاهتمام.

استدارت إليه، وعلى شفتيها ابتسامةٌ باهتة. "الحمد لله، يا أستاذ أحمد. كل شيء على ما يرام."

"لكنكِ تبدين شاردة الذهن. هل هناك ما يزعجكِ؟" أصرّ أحمد، مدركاً أن الكلمات الطيبة وحدها لا تكفي أحياناً.

تنهدت لمياء وقالت بصوتٍ أقرب إلى الهمس: "الحياة مليئةٌ بالتقلبات، أستاذ أحمد. أحياناً تلوح في الأفق غيومٌ قد تعكر صفاء السماء."

فهم أحمد جزءاً من كلامها. كان يعلم أن لمياء تعيش تحت ظروفٍ خاصة، وأن هناك أشخاصاً في حياتها لهم تأثيرٌ كبيرٌ عليها. "إذا كان هناك ما يمكنني تقديمه، ولو بكلمةٍ طيبة، فأنا على استعدادٍ دائم."

أشارت بيدها إلى المقعد بجوارها. "تفضل، أستاذ أحمد."

جلس أحمد بجانبها، وشعر بدفءٍ ينساب بينهما. "ربما الحديث سيخفف عني."

بدأت لمياء تتحدث، مستعيدةً ذكرياتٍ لم تفارقها. "والدي، رحمه الله، كان رجلاً صالحاً، ولكنه أثقل كاهله الديون. وبعد وفاته، اكتشفنا أن تركته لا تكفي لسداد كل ما عليه. أمي، أدام الله صحتها، تعبت كثيراً في تدبير أمورنا. وأنا، كابنةٍ وأختٍ كبرى، شعرت بمسؤوليةٍ مضاعفة."

كان أحمد يستمع بانتباهٍ شديد، وعيناه لا تفارقان وجهها. لم يكن يتوقع أن تحمل لمياء هذا العبء الثقيل. "هذا أمرٌ مؤسفٌ حقاً، لمياء. ولكن هل هذا يعني أنكِ لا تستطيعين التفكير في مستقبلكِ؟"

"بالعكس، أستاذ أحمد. تفكيري في مستقبلي هو ما يدفعني للعمل بجدٍ أكثر. ولكن..." ترددت لمياء، ثم تابعت: "هناك شخصٌ في حياتنا، وهو قريبٌ منا، يرى في تواجدي المتزايد في شؤون العائلة فرصةً لاستغلال الوضع. إنه عمي، السيد فؤاد. كان يودّ أن أتزوّج منه ابنه، ولكنني رفضتُ مراراً. والآن، يبدو أنه يجد في هذا الوضع المالي لأسرتنا فرصةً للضغط عليّ."

ارتسمت علامات الضيق على وجه أحمد. كان يعرف مدى خطورة مثل هذه المواقف. "هل يهددكِ؟"

"ليس تهديداً مباشراً، ولكن كلماته تحمل الكثير من الإيحاءات. يقول إن زواجي من ابنه سيحلّ كثيراً من مشاكلنا المالية، وإن مساعدته لن تأتي إلا مقابل ذلك. إنه يحاول أن يزرع الشك في قلوب أمي وأخواتي بأنني أنا السبب في تأخر حلّ مشاكلنا، وأنني أرفض ما فيه مصلحة الجميع."

شعر أحمد بمرارةٍ تتسلل إلى صدره. لقد رأى في لمياء صفاء الروح ونقاء القلب، والآن يكتشف أن هناك من يسعى لتلويث هذا الصفاء. "هذا ليس عدلاً، لمياء. لا ينبغي لأحدٍ أن يستغلّ حاجة الآخرين لتحقيق مآربه."

"أعلم ذلك، أستاذ أحمد. ولكنني أريد أن أجد حلاً بنفسي، حلاً يحفظ كرامتي وكرامة أسرتي، وفي نفس الوقت يطمئن أمي."

"ماذا تقترحين؟" سأل أحمد، وقلبه يدقّ بسرعة. هل هذه هي الفرصة التي ينتظرها ليثبت لها حسن نيته؟ "إذا كان الأمر يتعلق بحلّ بعض هذه الديون، فربما يمكننا... أقصد، ربما يمكنني مساعدتكِ في إيجاد طريقةٍ لذلك. لديّ بعض المدخرات، وبالتأكيد يمكننا التحدث مع والدي."

نظرت إليه لمياء بعينين تلمعان بالامتنان. "هذا لطفٌ كبيرٌ منك، أستاذ أحمد. ولكنني لا أريد أن أثقل عليك. المسألة ليست مجرد مال، بل هي أيضاً عن استعادة الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ قراراتي بحرية."

"لا أراكِ ثقيلةً عليّ أبداً، لمياء." قال أحمد، وصوته يحمل إصراراً قوياً. "أنا أرى فيكِ فتاةً تستحق كل خير، فتاةً تستحق أن تعيش حياةً كريمةً وسعيدة. وسأكون سعيداً جداً إذا سمحتِ لي بالمساعدة. وإذا كان هذا العمّ يريد الضغط، فربما يجب أن يعرف أن هناك من يقف إلى جانبكِ."

صمتت لمياء للحظات، تتصارع أفكارها. هل تثق في هذا الرجل الذي دخل حياتها حديثاً، أم تبقى أسيرةً لظروفها؟ لكن نظرة أحمد الصادقة، وكلماته الرقيقة، وقفته المشرفة، كل ذلك زرع فيها بذرة أملٍ قوية.

"ربما... ربما يمكننا أن نتحدث مع والدي، أستاذ أحمد." قالت بصوتٍ متردد، ولكن فيه مسحةٌ من التصميم. "ليكن لديكم الوقت الكافي لتفكروا في الأمر. وفي نفس الوقت، سأحاول جاهَدةً أن أتحدث مع عمي، علّ الله يلين قلبه."

"سنفعل ذلك، لمياء." أجاب أحمد بابتسامةٍ مشرقة. "وسأكون بجانبكِ في كل خطوة."

نهض أحمد، ومدّ يده إلى لمياء. أمسكت بيده، وشعرت بقوةٍ وأمان. كانت تلك اللحظة بدايةً لشيءٍ جديد، فصلٌ جديدٌ في كتاب حياتهما، فصلٌ يحمل معاني التحدي، والتضامن، والأمل. لم تكن لمياء تعلم ما يخبئه المستقبل، ولكنها شعرت لأول مرةٍ منذ فترةٍ طويلةٍ بأن هناك من يرى فيها ما وراء الظروف، وأن هناك من يؤمن بقدرتها على التغلب على الصعاب. بينما كان أحمد، يدرك أن هذه الفتاة ليست مجرد فتاةٍ أعجب بها، بل هي مشروعٌ يستحق أن يبذل فيه كل جهدٍ ليحميها ويدعمها. كانت تلك الغيمة التي لوحت في سماء صفائها، قد بدأت تتلاشى تدريجياً بوجود نورٍ جديد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%