قدر الحب 175
حديثُ الروحِ في مجلسِ الأهل
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، كان منزل الأستاذ عبد الرحمن يكتسي ببهجةٍ خاصة. فقد وصل والد أحمد، الحاج إبراهيم، رجلٌ ذو هيبةٍ وصاحب وجهٍ بشوش، يحمل في عينيه حكمة السنين ولطف الأبوة. وكان أحمد قد أخبر والده عن رغبته في التقدم لخطبة لمياء، بعد أن استشار والدته التي أبدت ترحيباً شديداً.
جلس الحاج إبراهيم بجوار الأستاذ عبد الرحمن في الديوان، يتجاذبان أطراف الحديث حول شؤون الدين والدنيا، بينما كانت فاطمة تجهز لهم القهوة والشاي، وصوت ضحكات الأطفال يملأ أرجاء المنزل. كانت لمياء تراقب من خلف ستارٍ خفيفٍ في مدخل الصالة، وقلبها يخفق بشدة. إنها اللحظة الحاسمة.
كان الأستاذ عبد الرحمن قد أخبر الحاج إبراهيم عن وضع أسرة لمياء، وعن نبوغها وطموحها. وقد أثنى الحاج إبراهيم على أخلاق الأستاذ عبد الرحمن وحسن تربيته لابنته.
"لقد سمعتُ الكثير عن ابنتكِ لمياء، أستاذ عبد الرحمن." قال الحاج إبراهيم، وهو يرتشف من قهوته. "وكل ما سمعته يسرّ القلب. شابّةٌ ذات خلقٍ رفيعٍ وعلمٍ نافع. وابني أحمد، ما شاء الله، يحمل صفاتٍ طيبةً ورثها عن أبيه وأمه. إنه شابٌ طموحٌ ومجتهدٌ، ولا يرضى إلا بالخير."
ابتسم الأستاذ عبد الرحمن ابتسامةً عريضة. "والله يا حاج إبراهيم، إن الجمع بينكما لهو شرفٌ لنا. أحمدٌ خيرُ شابٍ عرفته، وقد لمستُ فيه الطيبة والصدق. وإن كان الله قد قدّر أن تجتمع عائلتا هاتين، فسيكون ذلك خيراً وبركةً بإذن الله."
في هذه اللحظة، دخلت لمياء، يرافقها الأستاذ عبد الرحمن. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً ولكنه أنيق، وقد زان وجهها بالحياء والحجاب. جلست بجوار والدها، تشعر بنظرات أحمد تخترقها بلطفٍ وترحيب.
"تفضلي يا ابنتي." قال الحاج إبراهيم، وهو يمدّ يده إليها بمودة. "أبوكِ قد أخبرني عن بعض الأمور التي تهمكِ، وأردتُ أن أسمع منكِ مباشرة."
نظرت لمياء إلى والدها، ثم إلى الحاج إبراهيم. "الحمد لله، يا عمي. لم يتفضل أبي إلا بما هو خيرٌ لي. أنا مجرد فتاةٍ تسعى لمرضاة الله ورضا والديها."
"وهل تسعين لرضا زوجٍ صالحٍ إن شاء الله؟" سأل الحاج إبراهيم بابتسامةٍ دافئة، وعيناه تتجهان نحو أحمد.
شعرت لمياء بحرارةٍ تتصاعد إلى وجنتيها. "إن كان نصيبي في هذا الأمر خيراً، فأسأل الله أن يكتبه لي."
كان أحمد يستمع بصمت، يراقب تفاعلات والدته ووالده مع لمياء. لقد كان مقتنعاً بأن لمياء هي شريكة حياته، وأن هذا اللقاء هو خطوةٌ مباركة.
ثم بدأ الأستاذ عبد الرحمن يشرح للحاج إبراهيم تفاصيل الوضع المالي لأسرة لمياء، وكيف أن عمها فؤاد يحاول استغلال الحاجة للضغط عليها. كان الحاج إبراهيم يستمع بعناية، وتتعالى علامات التعاطف والتقدير على وجهه.
"يا ابنتي لمياء." قال الحاج إبراهيم، موجهاً كلامه إليها. "لا تخافي أبداً. إن الله مع الصابرين. وإذا كان هناك من يحاول استغلال ظروف الناس، فهذا من علامات ضعف الإيمان. ونحن، إن شاء الله، سنتصدى لهذا الأمر."
شعر قلب لمياء بالراحة. لم تكن تتوقع كل هذا الدعم، وخاصةً من شخصٍ لم تعرفه إلا حديثاً.
"إن أحمد، ابني، شابٌ كريمٌ وطيب القلب." واصل الحاج إبراهيم. "وهو في بداية حياته المهنية، ولديه طموحاتٌ كبيرة. ولكن الأهم من ذلك، أن لديه قلباً يحبّ الخير ويحترم المرأة. وإذا كان لديه شعورٌ طيبٌ تجاهكِ، ولمياء، وأرى ذلك في عينيه، فمن واجبي أن أدعمه وأن أقف معه."
التفت الحاج إبراهيم إلى أحمد. "يا بني، هل أنتَ على استعدادٍ أن تتحمل مسؤولية الزواج، وأن تكون سنداً وعوناً لهذه الفتاة الطيبة؟"
وقف أحمد، ووجهه يضيء بالعزم. "نعم يا أبي. أنا على استعدادٍ تام. بل أنا أرى في لمياء شريكة الحياة التي لطالما بحثتُ عنها. إنها فتاةٌ صالحةٌ، متعلمةٌ، ولها مبادئٌ قوية. وأنا أرى فيها المستقبل الذي أريد بناءه."
ابتسم الحاج إبراهيم بفخر. "بارك الله فيكما. وماذا عنكِ يا لمياء؟ هل تقبلين هذا الشابّ زوجاً لكِ، وترضين به شريكاً في حياتكِ؟"
نظرت لمياء إلى أحمد، ورأت في عينيه صدقاً وجدية. شعرت بقلبها يطمئن، وارتسمت على وجهها ابتسامةٌ خجولةٌ وجميلة. "إذا كان الله قد كتب لنا الخير، فأسأل الله أن يبارك لنا."
بعد هذه الكلمات، تبادل الأستاذ عبد الرحمن والحاج إبراهيم الأحاديث حول تفاصيل الخطبة، وعن موعدٍ مناسبٍ لزيارة عائلة لمياء رسمياً. كان الأستاذ عبد الرحمن مسروراً للغاية، فقد رأى في هذه الخطوة بدايةً لحياةٍ سعيدةٍ لابنته.
بعد أن انصرف الحاج إبراهيم وأحمد، جلس الأستاذ عبد الرحمن مع لمياء. "ما رأيكِ يا ابنتي؟ هل تشعرين بالرضا؟"
"الحمد لله، أبي. أشعر براحةٍ كبيرة. لقد وجدتُ في أحمد وفِي عائلته رجاحة العقل والقلب الطيب."
"والله يا لمياء، أنا رأيتُ في أحمد كل الخير. وهو يتيم أبٍ، ولذلك أدرك معنى المسؤولية. ولقد كان شجاعاً حين تحدث عن حبه لكِ."
"هل... هل سيتمكنون من مساعدتنا في أمر عمي؟" سألت لمياء بقلقٍ طفيف.
"أطمئنكِ يا ابنتي. الحاج إبراهيم رجلٌ كريمٌ، ولن يتركنا وحدنا. وبعد الخطبة الرسمية، سنجلس جميعاً مع عمكِ، ونرى ما هو الحلّ. المهم الآن أن يكون قلبكِ مطمئناً."
في تلك الليلة، لم تستطع لمياء النوم بسهولة. لقد حملت لها الأيام القادمة الكثير من المسؤوليات، ولكنها شعرت بأنها لم تعد وحدها. كان هناك أحمد، الذي رأى فيها ما لم يره الآخرون، وكان هناك والده، الذي وعد بالدعم. لقد شعرت بأن غيمة عمها بدأت تتشتت، وأن سماء حياتها بدأت تصفو، وأن قدر الحب الذي بدأ يسطع في حياتها، يحمل في طياته وعداً بالسعادة والاطمئنان.