قدر الحب 175
همساتٌ في ليلِ التجهيزات
بقلم مريم الحسن
انقضت الأيام مسرعةً، وبدأت الاستعدادات للخطبة تتسارع. كانت لمياء تشعر بأنها تعيش حلماً. أحمد، الخطيب المنتظر، أصبح واقعاً ملموساً. كانت تتلقى منه رسائلَ قصيرةً على هاتفها، تحمل عباراتٍ رقيقةٍ ودعواتٍ صادقة. لم يكن يسمح لعلاقتهما بأن تتجاوز حدود الشرع، ولكنه كان دائماً يذكّرها بمسؤولياته كزوجٍ مستقبلي، وبدوره في حياتها.
"صباح الخير يا أغلى ما لديّ." كانت إحدى الرسائل تقول. "أتمنى لكِ يوماً سعيداً. وأتطلع لرؤيتكِ في المساء، ولو عبر حديثٍ هاتفيٍ قصير. تذكري أنني أفكر فيكِ دائماً."
وكانت لمياء تردّ على رسائله بكلماتٍ تبعث على الأمل والسعادة. "صباح النور يا خطيبي العزيز. يومي سعيدٌ بوجودكِ في حياتي. أسال الله أن يحفظكِ لنا."
كانت فاطمة تساعد لمياء في كل شيء. اختيار فستان الخطبة، وترتيب قائمة المدعوين، والتنسيق مع المصورة. كانت تخشى أن يرهقها التعب، ولكن لمياء كانت تشعر بطاقةٍ غريبةٍ تنبع من داخلها.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانت لمياء تساعد والدتها في ترتيب بعض مستلزمات المنزل، جاءت مكالمةٌ من الحاج إبراهيم.
"مساء الخير يا لمياء." قال الحاج إبراهيم بصوتٍ دافئ. "كيف تسير الأمور؟ هل هناك ما تحتاجونه؟"
"مساء النور، عمي. الحمد لله، كل شيء يسير على ما يرام. شكرًا لسؤالك."
"يسرّني ذلك. لقد تحدثتُ مع السيد فؤاد، وأبلغني أنه مستعدٌ للتوقيع على تنازله عن أيّ حقوقٍ ماليةٍ متعلقةٍ بتركة والدك، مقابل مبلغٍ رمزيٍّ سنقدمه له، وهذا المبلغ جزءٌ من مساعدتنا لكم. أريد أن أؤكد لكِ يا ابنتي، أننا لن ندع أحداً يبتزّكم أو يستغلّكم."
شعرت لمياء بدموعٍ تتجمع في عينيها. "شكراً لكم، عمي. أنتم حقاً عائلةٌ كريمةٌ. لم أتوقع كل هذا الدعم."
"هذا واجبنا يا لمياء. وما يجمعنا هو أكبر من مجرد خطبة. إنه بناء أسرةٍ على أساسٍ من المحبة والتعاون. أحمد، إن شاء الله، سيكون خيرَ سندٍ لكِ. تذكري دائماً أنكما فريقٌ واحدٌ الآن."
بعد انتهاء المكالمة، ذهبت لمياء إلى غرفتها. جلست على فراشها، تفكر في كل ما مرت به. لقد بدأت حياتها تتغير بشكلٍ جذري. كان عمها فؤاد، الذي كان يمثل مصدر قلقٍ دائم، قد أصبح الآن خارج المعادلة. والد أحمد، الذي لم تعرفه إلا مؤخراً، أصبح سنداً لها. وأحمد، الشاب الذي اختارته قلبها، أصبح جزءاً من مستقبلها.
في اليوم التالي، زارت السيدة عائشة، والدة أحمد، لمياء في منزلها. جاءت ومعها بعض الهدايا، وبعض الأفكار حول ترتيبات الزفاف.
"أهلاً بكِ يا أمي." قالت لمياء، وهي تحتضن السيدة عائشة بحرارة.
"أهلاً بكِ يا ابنتي." قالت السيدة عائشة، وهي تنظر إليها بعينين تفيضان بالحنان. "كيف حالكِ؟ هل أنتِ متعبةٌ من التجهيزات؟"
"الحمد لله، أنا بخير. ومساعدتكِ لي تعطيني طاقةً أكبر."
"هذا واجبنا يا ابنتي. نحن سعداءٌ جداً بهذه الخطبة. أحمد، كثيراً ما كان يتحدث عنكِ قبل أن يطلب مني المساعدة في التعرف على أهلكِ. كان معجباً بشخصيتكِ، وبأخلاقكِ. وقد رأيتُ ذلك بنفسي حين زرتكم. أنتِ حقاً فتاةٌ مناسبةٌ له."
جلست السيدتان في الصالة، يتجاذبان أطراف الحديث. تحدثتا عن تفاصيل الزواج، وعن أهمية توافق الأهل، وعن كيفية بناء أسرةٍ سعيدة.
"يا لمياء،" قالت السيدة عائشة بصوتٍ هادئ. "تذكري دائماً، أن الزواج ليس مجرد اتحادٍ بين رجلٍ وامرأة، بل هو اتحادٌ بين عائلتين. وأنا أرى في أسرتكم أسرةً طيبةً، تستحق كل خير. أحمد، هو شابٌ في بداية حياته، ولديه طموحاتٌ كبيرة. ولكن الأهم، أن قلبه طيبٌ وصادقٌ. أتمنى أن تكوني له خيرَ زوجةٍ، وأن يكون لكِ خيرَ زوج."
"آمين يا أمي. وهذا ما أسعى إليه."
"هل هناك أيّ مخاوفٍ لديكِ؟ أيّ شيءٍ يقلقكِ؟" سألت السيدة عائشة بصدق.
ترددت لمياء للحظة، ثم قررت أن تتحدث بصراحة. "الخوف الوحيد الذي كان لديّ، هو أمر عمي. ولكن بفضل مساعدتكم، يبدو أن هذا الأمر قد تمّ حله."
"لا تقلقي بشأن ذلك يا لمياء. الحاج إبراهيم، زوجي، رجلٌ كريمٌ، ولن يتخلى عن وعوده. وهو يرى فيكِ ابنته. اطمئني."
في تلك الليلة، لم تستطع لمياء النوم. كانت تتأمل نجوم السماء، وهي تفكر في مستقبلها. لم تكن تتخيل أبداً أن حياتها ستأخذ هذا المنعطف. لقد بدأت تشعر بأنها تتحرر من قيود الماضي، وأن هناك أبواباً تفتح أمامها.
كانت همساتُ التجهيزات تملأ المنزل، همساتٌ تحمل معها فرحةً، وترقباً، وأملاً. كانت لمياء تشعر بأنها تسير على أرضٍ صلبة، وأنها لم تعد وحدها في مواجهة الحياة. كان أحمد، خطيبها، هو النور الذي يرشدها، وكانت عائلته، هي الدعم الذي يعينها. لقد بدأت قصة حبها الحلال، تنمو وتزدهر، تحمل معها كل معاني الوفاء، والتقدير، والاحترام.