قدر الحب 175
ليلةُ القدرِ في قلبِ التحديات
بقلم مريم الحسن
وصلت ليلةُ القدر، الليلة التي ستُعلن فيها خطبة لمياء وأحمد أمام الملأ. كان منزل الأستاذ عبد الرحمن يعجّ بالضيوف. نساءٌ ورجالٌ، أقاربٌ وأصدقاء، كلهم جاؤوا لمشاركة الأسرة فرحتها. كانت الأجواء احتفاليةً، تبعث على البهجة والسرور.
كانت لمياء ترتدي فستان خطبتها، الذي اختارته بعنايةٍ فائقة. كان فستاناً أنيقاً، يعكس بساطتها ورقيّها. زينت وجهها بلمساتٍ خفيفةٍ من المكياج، ولكن الحياء كان أجمل زينةٍ لها. كانت فاطمة، قد أعدت كل شيءٍ بمنتهى الدقة.
أحمد، كان في قمة أناقته. حضر مع والديه، وبدت على وجهه علامات السعادة والاطمئنان. كانت نظراته تتجه نحو لمياء، تحمل كل معاني الودّ والتقدير.
بدأ الحفل بآياتٍ من الذكر الحكيم، ألقاها قارئٌ ماهر، بصوتٍ خاشعٍ يبعث على السكينة. ثم ألقى الأستاذ عبد الرحمن كلمةً ترحيبية، عبّر فيها عن سعادته بهذه المناسبة، وشكر كل من حضر.
"اليوم، نفرح بلمياء، ابنتنا الغالية، وبأحمد، الابن الذي اختارته." قال الأستاذ عبد الرحمن، وعيناه تلمعان بالفرح. "لقد رأينا في أحمد كل الخير، ورأينا في لمياء الفتاة التي تستحق كل السعادة. أسأل الله أن يجمع بينهما في خير، وأن يبارك لهما في حياتهما."
بعد ذلك، ألقى الحاج إبراهيم كلمةً مؤثرة، تحدّث فيها عن أهمية الزواج في الإسلام، وعن بناء الأسرة على أساسٍ من المودة والرحمة.
"إن أحمد، ابني، هو قرة عيني. وقد وجد في لمياء، الفتاة التي تستحق أن تكون شريكة حياته. هي ليست مجرد خطيبة، بل هي مستقبلُه. وأنا، كوالدٍ، أتمنى لهما كل التوفيق. وأعلم أن لمياء، ستكون خيرَ زوجةٍ، وخيرَ أمٍّ لأولاده إن شاء الله."
بعد الكلمات، بدأ تبادلُ خواتم الخطبة. أحمد، بيده المرتعشة قليلاً من شدة السعادة، وضع الخاتم في إصبع لمياء، ثم هي وضعت الخاتم في إصبعه. كانت لحظةً مؤثرةً، اختلطت فيها المشاعر، وعمت الفرحة.
في خضمّ هذا الفرح، وبينما كان الضيوف يتناولون طعامهم، اقتحم باب المنزل رجلٌ بغضبٍ شديد. لقد كان السيد فؤاد، عم لمياء.
"ماذا يحدث هنا؟!" صاح السيد فؤاد بصوتٍ عالٍ، وملامحه تعكس الغضب. "لم أكن أعلم أنكم ستفعلون هذا قبل استشارتي!"
ساد الصمت أرجاء القاعة. نظر الجميع إلى السيد فؤاد بدهشةٍ واستغراب.
تقدم الحاج إبراهيم بهدوء. "تفضل يا سيد فؤاد. نحن لم نكن نعرف أنك ستأتي. ولكن لا بأس. هذا يومٌ سعيدٌ لنا جميعاً."
"يومٌ سعيدٌ لكم! بينما أنتم تبيعون ابنة العائلة وتتجاهلون رأيي!" صرخ السيد فؤاد.
"لا أحد يبيع أحداً، يا سيد فؤاد." قال الأستاذ عبد الرحمن بصوتٍ حازم. "والأمر قد تمّ، وقد وافقت لمياء عن قناعةٍ ورضا. أما عن الأمور المالية، فقد تمّ الاتفاق عليها، وسترى بنفسك."
أخرج الحاج إبراهيم، بيده، مستنداً رسمياً، وقدمه إلى السيد فؤاد. "هذه اتفاقيةٌ موقّعة، يا سيد فؤاد، توضح التنازل الذي أبديته، والمبلغ الذي سيتم دفعه لكم. لا داعي لكل هذه الضجة."
نظر السيد فؤاد إلى المستند، ثم إلى الحاج إبراهيم، ثم إلى لمياء وأحمد. شعر بالإحراج، ولم يعرف ماذا يقول. لقد كان يعتقد أنه لا يزال لديه سلطةٌ على لمياء.
"هذا... هذا ليس كافياً!" قال السيد فؤاد محاولاً التمسك بموقفه.
"يا سيد فؤاد." قال أحمد بصوتٍ قوي. "لقد أظهرتَ لنا معدنك. لمياء ليست ملكاً لكَ، ولا لأحدٍ سواها. وهي اختارت طريقها. فإما أن تقبل الأمر، وإما أن تغادر. لا نريد مشاكل في هذا اليوم السعيد."
صمت السيد فؤاد، وعلم أنه قد خسر المعركة. نظر إلى لمياء نظرةً غاضبة، ثم انصرف دون أن ينطق بكلمة.
بعد أن انصرف السيد فؤاد، عاد الهدوء تدريجياً إلى القاعة. استأنف الجميع احتفالهم، ولكن الأجواء كانت قد تأثرت قليلاً.
"لا تدعوا هذا الموقف يعكّر فرحتكم." قال الحاج إبراهيم، والابتسامة تعلو وجهه. "لقد رأيتم الآن، ما الذي يدفع بعض الناس. ولكن الأهم، أنكم كنتم صامدين، ولم تسمحوا له بالتأثير عليكم. لمياء، يا ابنتي، لا تنظري إليه. أنتِ الآن في عائلةٍ تحبّكِ، وتدعمكِ."
ابتسمت لمياء، وشعرت بالراحة. لقد كانت ليلةً مليئةً بالتحديات، ولكنها انتهت بنصرٍ حقيقي. لقد أثبتت لمياء، بمعية أحمد وعائلتيهما، أن القوة الحقيقية تكمن في التمسك بالحق، وفي الوقوف معاً، وفي بناء المستقبل على أسسٍ من الحب