الفصل 16 / 25

قدر الحب 175

رياح التغيير العاتية

بقلم مريم الحسن

جلست ليلى في غرفتها، وقلبها يرتعش كجناح طائر مذبوح. لم تكن تتخيل قط أن تلك الكلمات التي سمعتها من فم أمها ستلقي بظلالها القاتمة على عالمها الهادئ. "ابنتنا، عزيزتي، أمامنا أمر جلل. والدك قد استدان ديونًا عظيمة، ومبلغها يفوق قدرتنا على السداد. الحل الوحيد أمامنا، الحل الذي قد ينقذ سمعتنا ويحفظ أسرارنا، هو أن ترتبط سراً بزوج من عائلة آل الراشد. هم أهل الثراء والقوة، ولهم فضائل علينا لا ننساها."

كانت الكلمات كالصواعق تضرب أركان كيانها. زواج؟ زواج سري؟ من آل الراشد؟ وهل يقبلون بذلك؟ وهل هي تقبله؟ ألف سؤال وسؤال كان يرتطم بجدار صمتها، ويسأل عن مستقبلها الذي بدا فجأة معتمًا كليل لا نجم فيه. تذكرت كلام جدها، ذاك الرجل الحكيم الذي لطالما احتضنها بنصائحه الدافئة، كيف كان يحثها على العفة والصبر، وأن كل محنة في طياتها منحة من الله. لكن هذه المحنة كانت تبدو أثقل من أن تحتمل، وأشد من أن تعبر.

صوت أمها يخترق شرودها: "ليلى، يجب أن نتحرك بسرعة. الموعد المحدد لطلب يدك سيكون بعد ثلاثة أيام. فكري ملياً. الأمر يتعلق بنا جميعًا، بسمعتنا، بمستقبل إخوتك."

نظرت ليلى إلى النافذة، ورأت الشمس تنسدل بكسل، تاركةً خلفها سماءً تلونت بألوان الحزن. كيف لها أن تقبل بهذا الارتباط الذي لا يرتكز على حب أو ود، بل على دين وديون؟ كيف لها أن تضع قلبها في قفص من حديد، وهي التي لطالما حلمت بقصة حب تتردد أصداءها في أروقة الزمن؟

في تلك اللحظة، لمع في ذهنها وجهه. وجهه الذي لم تره سوى مرات قليلة، لكنه نقش نفسه في ذاكرة قلبها بعمق. كان ذلك الشاب، فهد بن خالد، ابن خالة زميلتها عائشة. التقت به في إحدى المناسبات العائلية، وكان حديثه عن شغفه بالأدب والشعر، وعن احترامه العميق للمرأة، قد أسرها. لكنها كانت تعرف أن علاقته بها كانت مجرد نظرات خاطفة وكلمات عابرة، لا تتعدى حدود اللياقة والاحتشام. هل يمكن أن يكون هناك أمل في أن يكون هو الفرج؟ وهل يمكن أن يتقبل والدها مثل هذا الاقتراح؟

تنهدت بعمق. كان عليها أن تتصارع مع واقعها المؤلم، وأن تجد مخرجًا يرضي الله ويرضي أهلها. أخذت المصحف الشريف، وفتحت آية عشوائية، فكانت: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ". كلمات حملت إليها بارقة أمل، ونفحة من سكينة. ربما كان في هذا الباب المغلق، بابٌ آخر للفرج.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان أحمد بن سعيد، رجل الأعمال المعروف بثروته الطائلة، يتحدث مع ابنه المقرب، خالد. كان أحمد وجهًا صارمًا، اعتاد أن تسير الأمور وفق ما يشتهي. "خالد، سمعت أن هناك فتاة من عائلة آل يوسف، ليلى اسمها، تليق بابنك فهد. سمعتها طيبة، وعائلتها أصيلة، وإن كانت تمر بضائقة مالية. اعتقد أن هذه فرصة ممتازة لتقوية علاقاتنا، ولتوفير زوجة صالحة لابنك، دون أن يكون هناك تعقيدات في النسب."

عبس خالد قليلاً. كان يعرف عائلة آل يوسف، وكان يعلم بضائقتهم. لكن ما أثاره هو هذه "الفرصة الممتازة" التي يتحدث عنها والده. "يا أبي، هل أنت متأكد من هذا الأمر؟ إن زواج فهد ليس مجرد صفقة تجارية. يجب أن يكون عن قناعة ورضا." "يا بني، القناعة تأتي مع العيش المشترك. وفهد يحتاج إلى زوجة تعينه في حياته، وليس مجرد حبيبة. أليس والد ليلى صديقًا قديمًا لي؟ هذه فرصة لرد الجميل، وللم شمل عائلتين عريقتين."

تردد خالد. كان يعلم أن والده عنيد، وأن كلمته قانون. لكنه كان أيضًا يرى في عيني ابنه فهد شيئًا من التردد، شيئًا من البحث عن معنى أعمق للحب والارتباط.

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى على صوت طرقة خفيفة على باب غرفتها. كانت والدتها، وبوجهها مزيج من القلق والتصميم. "ليلى، استعدي. لقد تحدثنا مع عمك، وهو مستعد لأن يتدخل. لكن يجب أن نكون سريعين. سيأتي خال فهد، السيد أحمد بن سعيد، لزيارة والدك اليوم، للحديث في الأمر. يجب أن تظهر أمامه بصورة لائقة، وأن تكوني مستعدة لأي أسئلة."

ارتدت ليلى أجمل ثيابها، وحاولت أن ترسم ابتسامة على وجهها، لكنها كانت ابتسامة باهتة، لا تخفي ما يجول في صدرها. عندما دخل السيد أحمد بن سعيد، كان حضوره مهيبًا، وعيناه الثاقبتان تتفحصان كل شيء. دار الحديث بين الرجال، بينما وقفت ليلى بصمت، تستمع إلى كلمات معقدة عن الديون، وعن المصالح، وعن "الارتباط المبارك".

وفجأة، سمعت صوتًا مألوفًا. صوت فهد. كان واقفًا خلف والده، وعيناه تبحثان عن وجهها. وعندما التقت نظراتهما، شعرت ليلى بأن شيئًا ما قد تغير. لم يكن مجرد صمت، بل كان صمتًا يحمل ألف معنى. شعرت بأن هذا الارتباط، الذي فرض عليها، قد يحمل في طياته قدرًا لم تكن تتوقعه. كان عليها أن تواجه العاصفة، وأن تثق بأن الله سيأخذ بيدها إلى بر الأمان. ولكن هل كان هذا هو الطريق الوحيد؟ وهل كانت هذه هي النهاية أم مجرد بداية؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%