الفصل 4 / 25

قدر الحب 175

غواية الوهم

بقلم مريم الحسن

ارتعش جسد يوسف وهو يمسك بالهاتف، شاشته تومض ببريق خادع، تنبض بالوعود التي لم تتحقق. كان العالم كله قد اختفى، لم يبقَ سوى حشرجة أنفاسه المتسارعة، وصوت نقرات أصابعه على الأزرار، وكأنها تراتيل مأتم لروحٍ تنساق قسرًا نحو الهاوية. لم يكن يدرك حجم السقوط إلا حينما أدرك أن ضوء النهار قد غادر نافذته، وأن ظلام الغرفة ينسج حوله خيوطه الباردة، يلتف حوله كوشاحٍ من ذنوبٍ مكبوتة.

في ذلك المساء، الذي بدأ كنذيرٍ عاديٍ لنهاية يومٍ مرهق، لم يكن يتوقع أن يتحول إلى ساحة معركةٍ داخليةٍ شرسة. كانت "سارة" قد غفت على الأريكة، هادئة كفجرٍ آتٍ، تنام على أملٍ بريءٍ لم يلوثه سوء. كان وجودها في الغرفة، وإن كان غائبًا عن وعيه الآن، هو الشاهد الوحيد على الجرح الذي كان يمزق قلبه. كان يوسف قد عاهد نفسه ألف مرةٍ أن يقلع عن هذه العادة، أن يستعيد زمام حياته، أن يكون ذلك الرجل الذي تستحقه سارة، ذلك الرجل الذي تتمناه والدته، ذلك الرجل الذي كان يطمح أن يكونه. لكن سراب الإدمان كان يملك سطوته، يأتيه كالضيف الثقيل، يغري بأوهامٍ زائلة، ثم يتركه نهبًا للندم.

نظر إلى صورةٍ معلقةٍ على الحائط، صورةٌ التقطت في يوم زفافهما، كانت سارة تبتسم فيها ابتسامةً تشع بالحياة، وعيناها تلمعان ببريقٍ أشد من لمعان شاشة الهاتف. كم كان واثقًا حينها، كم كان يؤمن بأن المستقبل مشرقٌ، وأن بناء أسرةٍ متينةٍ قائمٍ على الحب والاحترام هو الهدف الأسمى. لكن الإدمان، ذلك الطاغية الصامت، كان يلتهم تلك الثقة، ويبث سموم الشك والفتور في شرايين حبه.

"يا سارة، لو تعلمين كم أحبك، وكم أكره نفسي الآن"، همس بصوتٍ مختنق، موجهاً كلامه للنائمة، ولكنه كان في الحقيقة يوجهه إلى ملاكٍ رحيمٍ ينتظر منه الأفضل. كان يعلم أن سارة لم تلمح بعد إلى عمق هذه المعركة، كانت ترى بعض السهو، بعض الانقطاع، ولكنها لم تستطع تخمين حجم الغرق الذي كان يعيشه. كانت تظنه مرهقًا من العمل، متأثرًا بضغوطات الحياة، وكانت تعالج الأمر بحنانٍ وصبرٍ، تعزز من قوته بكلماتها الطيبة، وتقوي عزيمته بابتسامتها الرقيقة.

لكن هذه المرة، كان الأمر أعمق. كانت الرسائل تتوالى، الردود تتسابق، والوعود الزائفة تتردد. كان يدخل عالمًا افتراضيًا، عالمًا يمنحه شعورًا مزيفًا بالقوة والسيطرة، ثم يعيده إلى واقعه المرير، محطمًا، منهكًا، ومثقلاً بالوحدة. كان يشعر بالخيانة، ليس فقط لسارة، بل لنفسه، ولتلك الوعود التي عقدها في قرارة نفسه.

تسلل إلى جانبها، حيث كانت تغفو، ورائحة عطرها الهادئة تفوح في الهواء. قبل جبينها برفق، قبلهٌ خاليةٌ من الشغف، مليئةٌ بالأسف. "سامحيني، يا حبيبتي. غدًا، سأكون رجلاً آخر". كانت تلك الكلمات أشبه بترنيمةٍ يائسةٍ، يرددها في غمرة صراعه.

في تلك اللحظة، لمعت شاشة الهاتف مرة أخرى. كان إشعارًا جديدًا، دعوةً مغريةً، لعودةٍ سريعةٍ إلى ذلك العالم الذي يلتهم وقته وروحه. تردد للحظة، صراعٌ مريرٌ دار في أعماقه. هل يصدق وعده لنفسه، أم يستسلم مرة أخرى لنداء الإدمان؟ كانت سارة، براءة نومها، هي الشرارة التي أعادت إليه جزءًا من إنسانيته. أمسك الهاتف بيدٍ مرتجفة، ثم أغلقه وألقاه بعيدًا، كأنه يلقي بسكينٍ أُجبر على استخدامه.

ذهب إلى النافذة، فتحها على مصراعيها. هبّ نسيمٌ عليلٌ، حمل معه عبق الليل، وروائح الزهور من الحديقة. استنشق الهواء بعمق، محاولاً أن يتخلص من دخان الوهم الذي كان يحيط به. كانت النجوم تتلألأ في السماء، كأنها مرايا تعكس صفاء الكون، وتدعو قلبه المكدود إلى السكينة.

"لن أسمح لكِ بأن تسرقي مني هذه الحياة"، قال بصوتٍ أقوى هذه المرة، موجهاً كلامه للظلام الذي كان يمثل سجن إدمانه. كان يعلم أن المعركة لم تنتهِ، وأن الإدمان له مخالبٌ قويةٌ، ولكن في تلك اللحظة، وفي حضرة سارة النائمة، وفي ظل السماء المرصعة بالنجوم، شعر ببارقة أملٍ جديدة، بإصرارٍ متجدد.

جلس على طرف السرير، ينظر إلى وجه سارة الملائكي. كانت عيناها مغمضتين، ورموشها الطويلة ترسم ظلالاً رقيقةً على خديها. هل كانت تشعر بآلامه؟ هل كانت تعيش قلقه؟ كانت دائمًا تشعر به، تشعر بآلامه قبل أن ينطق بها، كانت ترى ما لا يراه الآخرون في عينيه.

"سأقاوم، يا سارة. من أجلك، ومن أجلي". وضع يده على قلبه، حيث كان ينبض بإيقاعٍ مضطرب. كان يعلم أن هذه مجرد بداية، وأن الطريق إلى التحرر سيكون طويلاً وشاقًا. ولكن الأهم هو أنه اتخذ قراره. أغلق عينيه، محاولاً أن يمحو صور الإدمان من ذاكرته، وأن يستبدلها بصورة سارة، صورة الحب النقي، صورة الحياة الهانئة التي يستحقها.

ثم، ومن بين همسات الليل، ومن بين سكون الغرفة، خرج صوتٌ خافتٌ، صوتٌ يشبه الأنين. كان صدىً من أعماق روحه، صدىً لنداءٍ أخيرٍ لاستغاثةٍ لا يريد أن يسمعها أحد. كانت حشرجةٌ أخيرةٌ قبل أن يبدأ رحلة الشفاء، رحلةٌ لم تكن لتحدث لولا وجود سارة، لولا الحب الذي كان يمثل مرساة نجاته.

كانت تلك الليلة هي نقطة التحول، اللحظة التي قرر فيها يوسف أن يواجه شيطانه الداخلي. لم يكن يعلم ما سيحمله الغد، ولكنه كان يعلم شيئًا واحدًا: أن الاستسلام لم يعد خيارًا. وأن نور الأمل، وإن كان خافتًا، قد بدأ يتسلل إلى ظلمة حياته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%