قدر الحب 175
صدى الماضي
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، استيقظت سارة على أشعة الشمس الذهبية التي تسللت عبر الستائر، ناشرةً دفئًا لطيفًا في أرجاء الغرفة. رفعت رأسها، تمددت ببطء، ثم نظرت بجوارها. كان يوسف قد استيقظ قبله، واختفى. لم يكن الأمر غريبًا، فغالبًا ما كان يذهب إلى عمله مبكرًا، تاركًا لها رسالةً صغيرةً تعبر عن حبه. لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف. كان هدوء الغرفة يبدو ثقيلًا، وشعرت بغيابٍ لم تستطع تحديد مصدره.
نهضت من السرير، ارتدت حجابها، وتوجهت إلى المطبخ. كانت رائحة القهوة تفوح في الأجواء، وهو ما يعني أن يوسف قد أعدها بالفعل. وجدته جالسًا على طاولة الطعام، يرتشف من فنجانه بهدوء، وجهه شاردٌ، وعيناه تنظران إلى الفراغ. كان يوسف في الظاهر هادئًا، لكن سارة، بحسها المرهف، استطاعت أن ترى ذلك الاضطراب الذي كان يعصف به من الداخل.
"صباح الخير يا حبيبي"، قالت بلطف، ووضعت قبلةً على خده. ارتعش يوسف قليلًا، ثم استدار لينظر إليها. ابتسم لها ابتسامةً باهتة، لم تصل إلى عينيه. "صباح النور، يا روحي. هل نمتِ جيدًا؟"
"بخير، الحمد لله. أنت؟ تبدو متعبًا." تنهد يوسف. "قليلًا. لم أنم جيدًا الليلة الماضية. الكثير من التفكير."
جلست أمامه، تتأمله. "هل كل شيء على ما يرام؟ هل هناك ما يقلقك؟" تردد يوسف للحظة. كان يرغب بشدة في البوح لها، في مشاركتها عبء ما كان يحمله. ولكن أصوات الماضي، أصوات الشك والخوف، كانت تهمس في أذنيه. هل ستتفهم؟ هل ستقبله كما هو، بكل ما فيه من ضعف؟
"لا شيء مهم، يا سارة. مجرد ضغوطات العمل." كذب، والكذبة مرّت ثقيلةً على لسانه. شعرت سارة بخيبة أملٍ خفيفة، لكنها لم تظهرها. كانت تعلم أن يوسف رجلٌ قوي، ويحب أن يكون كذلك. "حسنًا، إذا احتجت إلى أي شيء، أو أردت التحدث، فأنا هنا دائمًا."
أومأ يوسف برأسه، وقد امتزج الامتنان بالذنب في عينيه. كانت سارة ملاكه الحارس، ولم يكن يدرك كيف استطاع أن يضعف أمام إغراءات وهمية، تاركًا ملاكه ينتظر.
وبينما كانا يتناولان طعام الإفطار، طرق الباب. كان طارق، صديق يوسف القديم، وشريكه في رحلة العذاب تلك. لم يكن يوسف قد رآه منذ فترة، وكان وجوده المفاجئ يثير قلقه.
فتح يوسف الباب، وظهر طارق بابتسامته العريضة، تلك الابتسامة التي لطالما كانت تخفي وراءها صراعًا مشابهًا. "صباح الخير يا صديقي! كيف حالك؟"
"أهلاً طارق. تفضل بالدخول." استقبل يوسف طارق بترددٍ واضح. دخل طارق، وبمجرد أن لمح سارة، ألقى عليها السلام بحرارةٍ مصطنعة. "صباح النور يا سارة. ما شاء الله، أجمل صباحٍ برؤيتك." ابتسمت سارة بتهذيب، ثم شعرت ببرودةٍ مفاجئةٍ تنتشر في الغرفة. كان هناك شيءٌ في نظرات طارق، شيءٌ لم يرق لها.
"ماذا أتى بك في هذا الوقت؟" سأل يوسف، بينما كان يقدم لطارق فنجان قهوة. "جئت لأراك. أشتاق إليك. لقد مر وقتٌ طويلٌ منذ آخر مرةٍ تحدثنا فيها بصدق." نظرت سارة إلى يوسف. كان يبدو شاردًا، وكأن كلمات طارق قد أيقظت فيه شيئًا ما.
"هل أنت بخير حقًا يا يوسف؟" سأل طارق، بنبرةٍ بدت وكأنها تحمل قلقًا حقيقيًا، ولكن سارة لم تكن مقتنعة. "نعم، بخير. لماذا تسأل؟" "لا أعرف. أرى في عينيك شيئًا. هل عادت تلك الأيام؟"
احمرّ وجه يوسف. كان طارق يتحدث بلغةٍ يفهمها هو فقط، لغةٌ لم ترد سارة أن تسمع بها أبدًا. "لا، ليست تلك الأيام. لقد تغيرت." قال يوسف بحزمٍ ظاهر، لكنه لم يكن مقنعًا حتى لنفسه.
"تغيرت؟" ضحك طارق ضحكةً خفيفة. "كلنا نحاول التغيير يا يوسف. ولكن أحيانًا، يعود الماضي ليطاردنا. لقد أرسلت إليك بعض الرسائل الليلة الماضية، ولكنك لم ترد. كنت قلقًا عليك."
تجمد يوسف في مكانه. هل كان طارق يشير إلى الرسائل التي تلقاها هو؟ شعر ببرودةٍ تسري في عروقه. كانت تلك الرسائل هي الشاهد على ضعفه، على فشله في الوفاء بوعده.
"لم أرَ هاتفي." قال يوسف بصوتٍ متلعثم. "حسنًا. ربما يجب أن نذهب في رحلةٍ قصيرةٍ، لنستعيد نشاطنا. بعيدًا عن كل شيء. بعيدًا عن ضغوطات الحياة، وعن... الالتزامات." قال طارق، بنظرةٍ ماكرةٍ نحو سارة.
شعرت سارة بأنها متطفلة. كانت هناك أسرارٌ بين الرجلين، أسرارٌ لا تود الخوض فيها. "أعتقد أنني يجب أن أذهب إلى السوق. سأترككما تتحدثان." قالت، متجهةً نحو الباب.
"لا، لا تذهبي، سارة." قال يوسف بسرعة، وكأنما يريد أن يمنعها من المغادرة. "لا بأس يا يوسف. سأتحدث مع طارق، ثم نذهب لتناول القهوة في مكانٍ آخر."
أدرك يوسف أن وجود سارة قد بدأ يشكل حرجًا لطارق، وربما يشكل خطرًا على ما كان يخطط له. "ربما يكون طارق على حق. ربما نحتاج إلى وقتٍ لأنفسنا." قال، متمنيًا لو أن الأرض تنشق وتبتلعه.
"هذا جيد. سأعد لكما بعض الطعام الخفيف، ثم تذهبان." قالت سارة، بنبرةٍ تحمل بعض الحزن، ولكنها حافظت على هدوئها.
بعد أن غادرت سارة، استدار يوسف نحو طارق، وجهه متجهم. "ماذا كنت تقصد بـ "تلك الأيام"؟" "كنت أقصد... الأوقات الجميلة التي كنا نقضيها معًا. الأوقات التي كنا فيها أحرارًا." قال طارق، وعيناه تلمعان بفكرةٍ ما.
"أنا رجلٌ متزوجٌ الآن، يا طارق. ولدي أسرة." قال يوسف بحزم. "أعرف ذلك، يا صديقي. ولكن حتى المتزوجين يحتاجون إلى بعض التنفس. لقد رأيت تلك الرسائل التي أرسلتها إليك. إنها تثير القلق. هل تعود إلى هذا الطريق؟"
"لقد وعدت نفسي بأنني لن أعود." "الوعد جميل، ولكن الواقع أقوى. العالم الافتراضي يمنحنا ما نفتقده في الواقع. القوة، الإثارة، التقدير. هل أنت حقًا سعيدٌ بحياتك الآن؟ هل تشعر بأنك تحقق ذاتك؟"
بدأت كلمات طارق، كالدواء المر، تتغلغل في روحه. كانت تغذّي الشكوك التي كان يحاول قمعها. كان يوسف يعلم أن طارق كان يشير إلى الإدمان، إلى تلك الغواية التي هددت حياته.
"الحياة ليست مجرد إثارةٍ لحظية، يا طارق. إنها بناءٌ، وصبرٌ، والتزام." "وهل هذا البناء لا يتطلب بعض الاستراحات؟ بعض اللحظات التي نستعيد فيها أنفسنا؟" سأل طارق، وقد بدأ وجهه يكشف عن جوانب أخرى، جوانب تتجاوز الصداقة.
"أتفهم أنك تحاول مساعدتي، ولكنني لا أحتاج إلى تلك المساعدة." قال يوسف، وهو يشعر بالخطر يتزايد. "أنا فقط أحاول أن أذكرك بما كنت عليه. بأنك لست مجرد زوجٍ وأبٍ. أنت رجلٌ له رغباته، وله أحلامه."
في تلك اللحظة، أدرك يوسف أن طارق لم يكن مجرد صديقٍ يحاول مساعدته. كان يحاول إعادته إلى دائرة الإدمان، إلى عالم الوهم الذي كان يخشى الغرق فيه مرة أخرى. كانت كلمات طارق، وإن بدت تحمل بعض الحقيقة، إلا أنها كانت تمثل غوايةً خبيثةً، محاولةً لإعادة إشعال نارٍ كان يحاول إخمادها.
"شكرًا لك، يا طارق. ولكنني سعيدٌ بحياتي كما هي. وأنا لن أعود." قال يوسف، بصوتٍ لم يعد يرتجف. كان يشعر بضعفٍ، ولكنه كان يشعر أيضًا بقوةٍ تتسلل إليه، قوةٌ مستمدةٌ من حبه لسارة، ومن إصراره على التغيير.
نظر طارق إلى يوسف، وقد خفتت ابتسامته. "حسنًا. إذا كنت متأكدًا. ولكن تذكر، الباب مفتوحٌ دائمًا." ثم نهض طارق، وألقى نظرةً أخيرةً على يوسف، نظرةً تحمل مزيجًا من الحزن والانتهازية.
وبينما كان يوسف يقف وحيدًا في الغرفة، بعد أن غادر طارق، كان يشعر بعبءٍ جديدٍ يضاف إلى أعبائه. لم يكن الإدمان هو التهديد الوحيد، بل كان هناك أيضًا أولئك الذين يحاولون إعادته إلى الماضي. لقد فهم الآن أن معركته لن تكون سهلة، وأن عليه أن يكون يقظًا دائمًا، ليس فقط لشيطانه الداخلي، بل أيضًا لأولئك الذين قد يحاولون استغلال ضعفه.