قدر الحب 175
هشاشة الروح
بقلم مريم الحسن
شعرت سارة بضيقٍ يخنق صدرها وهي تستعد للخروج. كان حديث يوسف مع طارق قد ترك لديها شعورًا غير مريح، كأنها استمعت إلى جزءٍ من حوارٍ سريٍ لم يكن من المفترض أن تعرف به. لم تكن تعرف ما الذي دار بينهما بالضبط، ولكن نبرة يوسف المتوترة، وكلمات طارق المبطنة، كلها أشارت إلى أن الأمر أكبر من مجرد لقاءٍ عابر.
حاولت أن تتجاهل ذلك الشعور، وأن تركز على مهامها اليومية. ولكن صورة يوسف وهو شارد الذهن، وصورة طارق بابتسامته الغامضة، ظلتا عالقتين في ذهنها. تذكرت نصيحة والدتها لها: "الزواج هو بناءٌ مشترك، يتطلب الثقة والصراحة. لا تدعي أي شيءٍ يهدم هذا البناء، ولا تدعي الشك يتسلل إلى قلبك."
في السوق، وبينما كانت تتفحص الخضروات والفواكه، لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في يوسف. هل كان يكذب عليها؟ هل كان يعود إلى عادته السيئة؟ كانت تلك الأفكار تزعجها، ولكنها لم تكن تريد أن تستسلم لها. لقد آمنت بيوسف، وآمنت بحبه لها، وآمنت بقوته.
في طريق عودتها، مرت أمام مقهىً صغيرٍ، تتصاعد منه رائحة القهوة القوية. ترددت للحظة، ثم قررت أن تجلس قليلاً، لتستجمع أفكارها. طلبت كوبًا من الشاي، وجلست تراقب المارة، محاولةً أن تجد بعض السكينة.
فجأة، سمعت صوتًا مألوفًا ينادي اسمها. "سارة! ما هذه الصدفة الجميلة؟" التفتت، فرأت فاطمة، صديقة الطفولة، تجلس على طاولةٍ قريبة. ابتسمت سارة، وذهبت لتصافحها.
"فاطمة! كيف حالك؟ لم أرك منذ فترةٍ طويلة." "الحمد لله. وأنتِ؟ تبدين أجمل من أي وقتٍ مضى." جلست سارة مع فاطمة، وتبادلتا أطراف الحديث. تحدثتا عن أحوالهما، عن عائلتيهما، وعن ذكريات الطفولة. كانت فاطمة دائمًا صديقةً وفيةً، تفهمها وتشجعها.
"كيف حال يوسف؟" سألت فاطمة. "أتذكر عندما كنا نراه معًا في الجامعة، كان يبدو وكأنه شابٌ طموحٌ للغاية." "يوسف بخير، الحمد لله." قالت سارة، ولكن كلماتها بدت باهتةً بعض الشيء. "هل كل شيء على ما يرام؟" سألت فاطمة، وقد لاحظت التردد في صوت سارة. "أرى في عينيك بعض الحزن."
ترددت سارة للحظة. كانت تثق بفاطمة، ولكنها لم تكن تعرف كيف تشرح لها الوضع دون أن تبدو مبالغةً أو متهمةً. "الأمر معقدٌ بعض الشيء." "هل هناك مشكلةٌ بينكما؟" "ليس مشكلةً مباشرةً، ولكن... أشعر بأن هناك شيئًا ما يخفيه عني. وأخشى أن يعود إلى ما كان عليه من قبل."
فسرت فاطمة. "هل تقصدين... تلك العادة السيئة؟" أومأت سارة برأسها، وقد اغرورقت عيناها بالدموع. "لقد وعدني بأن يتغير، وأنا أصدقه. ولكني أخشى أن يكون ضعيفًا أمامه." "يا عزيزتي، كلنا نضعف أحيانًا. ولكن المهم هو أن نستمر في المحاولة." قالت فاطمة بحنان، ووضعت يدها على يد سارة. "هل تحدثتِ معه بصراحةٍ حول مخاوفك؟"
"حاولت، ولكنه دائمًا ما يتجنب الحديث عن الأمر. يقول إنها ضغوطات العمل." "هذا ليس جيدًا. الصمت قد يدمر العلاقة. يجب أن يتحدث معكِ، وأن تشارككِ مخاوفه. أنتِ زوجته، وشريكته في الحياة. يجب أن تشعري بأنه يثق بكِ."
"أعرف. ولكني أخاف أن أضغط عليه فيزيد الأمر سوءًا." "لا، ليس ضغطًا. إنه اهتمامٌ وحبٌ. يجب أن تشعريه بأنكِ معه في هذه المعركة، وأنكِ تدعمينه. ربما يكون بحاجةٍ إلى مساعدةٍ خارجية."
"مساعدة خارجية؟ مثل ماذا؟" "مثل طبيبٍ، أو متخصصٍ. أحيانًا، لا تكفي القوة الذاتية وحدها. هناك أمورٌ تتجاوز قدرة الإنسان بمفرده."
فكرت سارة في كلام فاطمة. كانت فكرةً منطقيةً، ولكنها لم تكن تعرف كيف تقترحها على يوسف. كان كبرياؤه يمنعه من الاعتراف بضعفه.
"بالإضافة إلى ذلك،" أكملت فاطمة، "تحدثتِ عن طارق. هل هو صديقٌ جيدٌ حقًا ليوسف؟" "لا أعرف. شعرت بشيءٍ غريبٍ تجاهه اليوم." "لم يعجبني أبدًا. يبدو لي أنه يشجعه على ما هو سيء."
"هذا ما كنت أفكر فيه أيضًا." "يوسف يحتاج إلى أصدقاءٍ صالحين، سارة. أصدقاءٍ يدفعونه إلى الأمام، وليس إلى الوراء. ربما يجب أن تضعيه أمام خياراتٍ واضحة."
بعد فترةٍ قصيرة، ودعت سارة فاطمة، وعادت إلى المنزل، وقد امتلأ قلبها بالأفكار. لم تعد تشعر بالضيق نفسه، بل شعرت بالدافع والقوة. لقد أدركت أنها لا تستطيع البقاء مكتوفة الأيدي، وأن عليها أن تلعب دورها كشريكةٍ داعمةٍ، ولكن أيضًا كشريكةٍ حازمة.
عندما دخلت المنزل، وجدت يوسف جالسًا في غرفة المعيشة، يقلب في أوراقٍ كثيرة. بدا متعبًا، ولكن عيناه كانت أكثر يقظةً مما كان عليه في الصباح.
"أهلًا بكِ، يا حبيبتي. هل استمتعتِ بوقتك؟" سأل، محاولًا أن يبتسم. "نعم، الحمد لله. قابلت فاطمة." "فاطمة؟ يا لها من مفاجأة."
جلست سارة بجواره، وأخذت يده. "يوسف، أريد أن أتحدث معك في شيءٍ مهم." شعر يوسف بتوترٍ مفاجئ. "ما هو؟"
"أنا قلقةٌ عليك. وأخشى أن تعود إلى... الماضي." لم يتكلم يوسف، بل سحب يده ببطء، ونظر إلى الأرض.
"أعرف أنك وعدت نفسك، وأنا أؤمن بك. ولكني أرى أنك تكافح، وأنك لا تتحدث عن الأمر. وهذا يجعلني قلقةً أكثر." "لا شيء يدعو للقلق، سارة." قال بصوتٍ منخفض.
"لا، هناك. كلما رأيتك هكذا، أخشى أن تكون قد ضعفت. وأنا لا أريدك أن تكون وحيدًا في هذه المعركة. أنت زوجي، وأنا شريكتك. أريد أن أقف بجانبك." "ماذا تريدين أن أقول؟ لقد قلت لكِ، لا شيء."
"أريد منك أن تقول لي الحقيقة. أن تشاركني ما تشعر به. هل تشعر بأنك على وشك السقوط؟ هل تشعر بأنك بحاجةٍ إلى مساعدة؟"
نظر يوسف إلى وجه سارة، رأى فيه حبًا لا مشروطًا، ورأى فيه قلقًا صادقًا. لقد أدرك أن إخفاء الأمر لن يفيده، وأن صمت سارة سيظل يخيم بظلاله على علاقتهما.
"سارة، الأمر ليس سهلًا." قال بصوتٍ مختنق. "أعرف أنه ليس سهلًا. ولكننا سنواجهه معًا. أنا معك."
"لقد حاولت الليلة الماضية، ولكن... كان الأمر صعبًا." "هل تقصد...؟" أومأ يوسف برأسه. "نعم."
تنفس سارة الصعداء. لم يكن هذا ما تريده، ولكن كان هذا اعترافًا، وكان بدايةً. "يوسف، ألا تعتقد أننا بحاجةٍ إلى استشارةِ متخصص؟ ربما يمكنه مساعدتنا في إيجاد طرقٍ لمواجهة هذه التحديات."
تردد يوسف. فكرة العلاج لم تكن واردةً في ذهنه. كان يظن أن قوته الذاتية كافية. "أنا... لا أعرف." "فكر في الأمر، حبيبي. أنا مستعدةٌ لفعل أي شيءٍ لمساعدتك. ولأنقذ حياتنا. ولكننا بحاجةٍ إلى أن نكون صادقين مع أنفسنا، ومع بعضنا البعض."
في تلك اللحظة، شعر يوسف بأن شيئًا ما بدأ يتغير بداخله. لم تعد هالة الإدمان هي الوحيدة التي تحيط به. كانت هناك هالةٌ أخرى، هالةٌ من الحب والدعم. لقد أدرك أن سارة لم تكن مجرد زوجةٍ، بل كانت ملاكًا أرسله الله ليحميه.
"ربما... ربما أنتِ على حق." قال يوسف، ونبرة صوته تحمل بعض الأمل. "سأكون بجانبك في كل خطوة." قالت سارة، وعانقته بحرارة.
كانت تلك اللحظة، لحظة الاعتراف، لحظة الضعف الظاهر، هي بداية القوة الحقيقية. لقد أدرك يوسف أن هشاشة روحه لم تكن عيبًا، بل كانت دعوةً للبحث عن الدعم، وعن الحب الذي يكمن في شراكة الحياة.