قدر الحب 175
نسمات الشك وهمسات الوعد
بقلم مريم الحسن
استقبلتْ ريمٌ صباحَ اليومِ الجديدِ بقلبٍ يعتريهِ شيءٌ من الضباب، على الرغمِ من أنَّ الشمسَ كانتْ قدْ امتدتْ خيوطَها الذهبيةَ لتُداعِبَ أوراقَ الأشجارِ في حديقةِ المنزلِ العائليِّ، وتُشرقَ على ملامحِ وجهِها الهادئةِ وهيَ تستيقظُ منْ غفوةٍ قصيرةٍ لمْ تُطفئْ لهيبَ القلقِ الذي استقرَّ في صدرِها. أمسِ كانَ يومًا طويلًا، محمّلًا بالأحداثِ والمشاعرِ المتضاربةِ. لقاؤها بـ "مهندٍ" في صالةِ الكافتيريا، حديثُهما المختصرُ الذي حملَ في طياتِهِ الكثيرَ منَ المعاني، نظراتُهُ التي بدتْ وكأنَّها تبحثُ عنْ شيءٍ ضائعٍ، كلُّ ذلكَ استقرَّ في ذاكرتِها كصورةٍ حيَّةٍ تُراودُها كلَّما أغمضتْ عينيها.
كانتْ قدْ وعدتْ والدتَها بمساعدتِها في ترتيبِ أمورِ سوقِ "الدبيحاتِ" الذي تنوي والدتُها إقامتهُ قريبًا لتوفيرِ عائدٍ إضافيٍّ للعائلةِ، ولأنَّ الريحانَ بدأَ يزدهرُ في أرضِهم، قررتْ والدتُها أنْ تُشاركِ في سوقِ "الدبيحاتِ" بتشكيلةٍ متنوعةٍ منَ النباتاتِ العطريةِ والزهورِ. دخلتْ ريمٌ المطبخَ فوجدتْ والدتَها، الحاجةُ "فاطمة"، قدْ بدأتْ بالفعلِ في إعدادِ شايِ الصباحِ.
"صباحُ الخيرِ يا أمي،" قالتْ ريمٌ مبتسمةً، محاولةً أنْ تبدوَ طبيعيةً قدرَ الإمكانِ. "صباحُ النورِ يا ابنتي،" ردتْ الحاجةُ فاطمة بصوتٍ دافئٍ، "أتيتِ مبكرًا اليومَ، هلْ أنتِ بخيرٍ؟" "نعم، بخيرٍ والحمدُ للهِ. أردتُ أنْ أستعدَّ للمساعدةِ قبلَ أنْ يزدادَ العملُ."
تناولتا فطورًا بسيطًا، ثمَّ شرعتْ ريمٌ في مساعدةِ والدتِها في فرزِ الأصنافِ التي سيتمُّ بيعُها. كانَ هناكَ أنواعٌ مختلفةٌ منَ الريحانِ، والنعناعِ، والخزامى، والياسمينِ، وبعضُ الزهورِ الموسميةِ التي أضفتْ عبقًا ورائحةً زكيةً على المكانِ. كلَّما مرَّ وقتٌ أطولُ، زادَ شعورُ ريمٍ بأنَّ لقاءَ أمسِ لمْ يكنْ مجردَ مصادفةٍ عابرةٍ. كانتْ تتذكرُ كلماتِ مهندٍ، "أنا آسفٌ على ما حصلَ، لمْ يكنْ ذلكَ مقصودًا." هلْ كانَ يقصدُ ذلكَ الشجارَ الذي وقعَ بينهما قبلَ سنواتٍ، أمْ شيئًا آخرَ؟
في تلكَ الأثناءِ، كانَ "يوسفُ" ابنُ عمِّ ريمٍ، وهوَ شابٌّ طموحٌ يعملُ في مجالِ الاستشاراتِ الماليةِ، قدْ وصلَ إلى المدينةِ بعدَ غيابٍ دامَ لأشهرٍ. كانَ يوسفُ يمثلُ حلمَ العائلةِ الأكبرَ؛ فهوَ الشابُّ المثقفُ، والاجتماعيُّ، والذي يحملُ اسمَ العائلةِ بينَ صفوفِ الأعيانِ. فورَ وصولِهِ، أرسلَ والدُهُ، العمُّ "سليمان"، خبرًا للعائلةِ بأنَّ يوسفَ يرغبُ في زيارةِ والدتِهِ، الحاجةُ فاطمة، وزيارةِ بيتِها.
عندما وصلَ يوسفُ إلى بيتِ عمهِ، استقبلتهُ ريمٌ بابتسامةٍ مهذبةٍ، على الرغمِ منْ شعورِها الداخليِّ بالارتباكِ. كانَ يوسفُ يبدوَ أنيقًا كعادتهِ، يتحدثُ بثقةٍ وتملكٍ، وبداَ وكأنَّهُ يحملُ ثقلَ مسؤولياتٍ كبيرةٍ.
"أهلًا يا ابنةَ العمِّ، كيفَ حالُكِ؟" قالَ يوسفُ وهوَ يُصافحُها بخفةٍ. "أهلًا بكَ يا يوسفُ، الحمدُ للهِ بخيرٍ، كيفَ كانتْ رحلتُك؟" "طويلةٌ ومتعبةٌ، لكنَّها تستحقُّ العناءَ لرؤيتِكِ ورؤيةِ الوالدةِ."
جلسَ يوسفُ معَ عمتِهِ، ودارَ بينهما حديثٌ طويلٌ عنْ أحوالِ العائلةِ، وعنْ مشروعاتِ العمِّ سليمان، وعنْ خططِ يوسفَ المستقبليةِ. لاحظتْ ريمٌ أنَّ يوسفَ يوجهُ لها بعضَ الأسئلةِ بطريقةٍ تبدوَ فضوليةً، تسألُ عنْ اهتماماتِها، وعنْ أصدقائِها، وعنْ ما تشغلُ وقتَها. كانتْ إجاباتُها موجزةً ومتحفظةً، لأنَّها لمْ تكنْ تشعرُ بالراحةِ الكاملةِ في مشاركةِ تفاصيلَ حياتِها الشخصيةِ معه.
خلالَ حديثِهما، رنَّ هاتفُ ريمٍ. كانتْ رسالةٌ منْ "نورة"، صديقةُ طفولتِها وشريكةُ دربِها في رحلةِ البحثِ عنْ الذاتِ. كانتْ نورةُ تعيشُ في مدينةٍ أخرى، لكنَّ علاقتَهما كانتْ قويةً ومتينةً، ولمْ تنقطعْ أخبارُهما.
"ما الأمرُ يا ريمٌ؟" سألتْ والدتُها. "لا شيءَ يا أمي، مجردُ رسالةٍ منْ نورةِ، تسألُ عنْ أحوالي."
ابتسمتْ الحاجةُ فاطمة، "آه، نورةُ! ما زلتما على اتصالٍ؟" "بالطبعِ يا أمي، هيَ أقربُ صديقاتي."
كانتْ رسالةُ نورةِ تحملُ خبرًا مفاجئًا. "لقدْ زرتُ سوقَ "الدبيحاتِ" أمسِ، ورأيتُ شابًّا كانَ يتحدثُ معَ بائعٍ عنْ جودةِ بعضِ الخضرواتِ. عرفتُهُ فورًا! إنهُ مهندٌ. بداَ وكأنَّهُ يتابعُ شيئًا ما في السوقِ. هلْ تعرفينَ سببَ وجودِهِ هناكَ؟"
شعرتْ ريمٌ برجفةٍ تسري في جسدِها. مهندٌ في سوقِ "الدبيحاتِ"؟ هلْ كانَ يبحثُ عنها؟ أمْ كانَ لديهِ سببٌ آخرُ؟ زادتْ أسئلتُها عنْ مهندٍ في قلبِها. تذكرتْ نظراتِهِ أمسِ، وكأنَّهُ كانَ يتوقعُ لقاءً ما.
في المساءِ، وبينما كانتْ ريمٌ تساعدُ والدتَها في إعدادِ قائمةِ المشترياتِ اللازمةِ لسوقِ "الدبيحاتِ"، دخلَ مهندٌ فجأةً إلى الغرفةِ. كانَ يحملُ بينَ يديهِ صينيةً مليئةً بأنواعٍ مختلفةٍ منَ التمورِ الفاخرةِ.
"مساءُ الخيرِ،" قالَ بصوتٍ هادئٍ، "علمتُ أنَّ الحاجةَ فاطمةَ ستُقيمُ سوقًا، فأردتُ أنْ أُشارككم بشيءٍ بسيطٍ." نظرتْ ريمٌ إليهِ بذهولٍ. لمْ تتوقعْ زيارتَهُ، خاصةً بعدَ لقاءِ أمسِ. "يا أهلاً وسهلًا بكَ يا مهندٌ! كمْ أنتَ كريمٌ،" قالتْ الحاجةُ فاطمةُ بترحيبٍ حارٍّ. "تفضَّلْ بالجلوسِ."
جلسَ مهندٌ، وبدأتْ والدةُ ريمٍ تحدثهُ عنْ تفاصيلِ السوقِ، وعنْ الأشياءِ التي تحتاجُها. كانتْ ريمٌ تراقبُهُ منْ بعيدٍ، تحاولُ أنْ تفهمَ ما يدورُ في عقلِهِ. كانَ يتحدثُ معَ والدتِها باحترامٍ ووقارٍ، لكنَّ عينيهِ كانتا تلتقيانِ بعينيها بينَ الحينِ والآخرِ، حاملةً في كلِّ لقاءٍ ألفَ سؤالٍ وسؤالٍ.
"أتمنى أنْ يكونَ السوقُ ناجحًا يا حاجةُ فاطمة،" قالَ مهندٌ وهوَ ينهضُ للانصرافِ. "وإذا احتجتِ أيَّ مساعدةٍ، فلا تترددي في طلبِها." "شكرًا لكَ يا بني، جزاكَ اللهُ خيرًا."
عندما خرجَ مهندٌ، شعرتْ ريمٌ بنبضاتِ قلبِها تتسارعُ. بدتْ الأمورُ تزدادُ تعقيدًا. يوسفُ، ابنُ العمِّ المرتقبُ، والزيارةُ المفاجئةُ لمهندٍ. أيُّ طريقٍ تسلكُ؟ وأيُّ قلبٍ يجبُ أنْ تتبعَ؟ كانتْ نسماتُ الشكِّ قدْ بدأتْ تعصفُ بقلبِها، لكنَّ وعدًا مبهمًا كانَ يلوحُ في الأفقِ، وعدٌ لمْ تفهمْ معناهُ بعدُ.
*
"يوسفُ، ما رأيكَ في هذهِ القطعةِ منَ الأرضِ؟" سألَ العمُّ سليمان، والدُ يوسفَ، وهوَ يُشيرُ إلى خريطةٍ مفصَّلةٍ. "أعتقدُ أنَّها مناسبةٌ لبناءِ مشروعِكِ الجديدِ." كانَ يوسفُ قدْ انتهى للتوِّ منْ لقاءِ عمتِهِ وريمٍ، وقررَ أنْ يقضيَ بقيةَ يومِهِ معَ والدِهِ لمناقشةِ خططِ أعمالِهِ. "تبدوَ واعدةً يا أبي، لكنَّني أرغبُ في استكشافِ خياراتٍ أخرى أيضًا. أحيانًا، المكانُ الذي يبدوَ عاليَ القيمةِ قدْ يكونُ محمّلًا بالمخاطرِ غيرِ المتوقعةِ." "ذلكَ صحيحٌ، لكنَّ الحذرَ الزائدَ قدْ يجعلكَ تفوِّتُ فرصًا ذهبيةً. أنتَ تعرفُ أنَّ سمعةَ عائلتِنا مبنيةٌ على اتخاذِ قراراتٍ جريئةٍ." "وأنا أحترمُ ذلكَ يا أبي، لكني أؤمنُ بأنَّ النجاحَ يتطلبُ توازنًا بينَ الجرأةِ والحكمةِ. وبالنسبةِ لموضوعِ الزواجِ، هلْ لديكَ رأيٌ معينٌ في ابنةِ عمِّي ريمٍ؟" صمتَ العمُّ سليمانُ للحظةٍ، ثمَّ قالَ: "ريمٌ فتاةٌ طيبةٌ، وفاتنةٌ، وهيَ منْ عائلةٍ كريمةٍ. وهيَ خيارٌ مناسبٌ جدًا. لكنَّ القرارَ يعودُ إليكَ. هلْ تشعرُ بأنَّها المرأةُ التي تريدُ أنْ تُكملَ معها حياتَك؟" ابتسمَ يوسفُ ابتسامةً باهتةً، "هيَ بالتأكيدِ فتاةٌ تستحقُّ الاحترامَ، وقدْ تحدثتُ معها اليومَ. تبدوَ متحفظةً بعضَ الشيءِ، لكني أعتقدُ أنَّ طبيعتَها الهادئةَ تحملُ الكثيرَ منَ العمقِ. سأحتاجُ إلى وقتٍ أطولَ لتقييمِ الأمرِ."
نظرَ إلى صورةٍ معلقةٍ على الجدارِ، صورةٌ لعائلتِهِ في إحدى المناسباتِ. رأى فيها وجهَ ريمٍ وهوَ طفلةٌ صغيرةٌ، بجانبِ وجهِها الآنَ. لقدْ تغيرتْ كثيرًا، وأصبحَتْ امرأةً ذاتَ جمالٍ هادئٍ وأناقةٍ طبيعيةٍ. لكنَّ عينيهِ لمْ تفارقْ صورتهُ تلكَ. كانتْ هناكَ صورةٌ أخرى في زاويةٍ أخرى منْ ذاكرتهِ، صورةٌ لفتاةٍ أخرى، ترتسمُ عليها ابتسامةٌ مشرقةٌ، لكنَّها لمْ تكنْ ريمٌ.
"أتمنى أنْ تتخذَ القرارَ الصائبَ يا ولدي،" قالَ العمُّ سليمانُ، "فالزواجُ ليسَ مجردَ عقدٍ، بلْ هوَ ميثاقٌ غليظٌ." "أعلمُ ذلكَ يا أبي، وسأحرصُ على أنْ يكونَ قرارًا نابعًا منْ القلبِ والعقلِ معًا."
خرجَ يوسفُ منْ مكتبِ والدِهِ، وشعرَ بثقلِ المسؤوليةِ. كانتْ ريمٌ خيارًا مثاليًّا على الورقِ، لكنَّ قلبَهُ كانَ لا يزالُ يبحثُ عنْ شيءٍ آخرَ. شيءٌ لمْ يجدْ لهُ اسمًا بعدُ.
*
في تلكَ الليلةِ، جلستْ ريمٌ على شرفةِ غرفتِها، تحتَ ضوءِ القمرِ الخافتِ. كانتْ تمسكُ بهاتفِها، وتتصفحُ صورَ مهندٍ على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ. كانتْ ترى صورهُ معَ أصدقائِهِ، صورهُ في رحلاتِهِ، صورهُ وهوَ يبتسمُ. بدتْ حياتُهُ مليئةً بالمغامراتِ والشغفِ.
"لماذا أتيتَ اليومَ يا مهندٌ؟" همستْ لنفسِها. "هلْ كنتَ تعرفُ بزيارةِ يوسفَ؟ أمْ أنَّها مجردُ مصادفةٍ أخرى؟"
كانتْ قدْ قرأتْ رسالةَ نورةِ عنْ رؤيتِهِ في سوقِ "الدبيحاتِ". هذا يعني أنَّهُ كانَ يتتبعُ أخبارَ عائلتِها. لماذا؟ هلْ كانَ لا يزالُ يحملُ ضغينةً منَ الماضي؟ أمْ أنَّ هناكَ شيئًا آخرَ؟
تذكرتْ كلماتِ جدتِها، "الحبُّ يأتي في أشكالٍ كثيرةٍ، وقدْ يكونُ أحيانًا متخفيًا خلفَ السترِ." هلْ كانَ مهندٌ يخفي شيئًا؟ وهلْ كانتْ مشاعرُها تجاههُ هيَ التي بدأتْ تتفتحُ، أمْ مجردُ فضولٍ؟
نظرتْ إلى السماءِ المرصعةِ بالنجومِ. كانتْ تشعرُ بأنَّ حياتَها أصبحتْ مسرحًا لمسرحيةٍ معقدةٍ، تتداخلُ فيها خطوطُ القدرِ. هلْ كانَ مهندٌ هوَ "قدرُ الحبِّ" الذي تحدثتْ عنهُ جدتُها، أمْ يوسفُ؟
شعرتْ بنسمةِ هواءٍ باردةٍ تداعبُ وجهَها. كانتْ قدْ بدأتْ تشعرُ بشيءٍ غريبٍ تجاهَ مهندٍ، شعورٌ لا يمكنُها تفسيرُهُ. كانَ حضورهُ يتركُ أثرًا عميقًا في نفسِها، حتى وإنْ لمْ يفعلْ شيئًا.
لمْ تكنْ تدري ما سيحملُهُ الغدُ، لكنَّها كانتْ تعلمُ أنَّ قلبَها قدْ بدأَ يتحرَّكُ، وأنَّها لمْ تعدْ تلكَ الفتاةُ التي تعيشُ حياةً هادئةً ومنظمةً. كانتْ نسماتُ الشكِّ قدْ بدأتْ تُلوِّحُ لها، ولكنَّ وعدًا دافئًا، وعدًا لمْ تعرفْ مصدرَهُ بعدُ، كانَ يهمسُ لها بأنَّ القادمَ قدْ يحملُ معهَ نورًا.
* (نهاية الفصل الثامن) *