قدر الحب 175
لقاءاتٌ مُقَدَّرَةٌ وأسرارٌ مُستَيقِظَةٌ
بقلم مريم الحسن
تَجَدَّدَ الضوءُ في صباحِ اليومِ التاسعِ، حامِلًا معهَ نَسائمَ القلقِ الممزوجِ بالأملِ في نفسِ ريمٍ. لمْ تُفارقْها صورَةُ مهندٍ وهوَ يُقدِّمُ التمورَ الفاخرةَ، نَظراتُهُ العميقةُ التي بَدَتْ وكأنَّها تَبحَثُ عنْ إجابةٍ بينَ عينيها. كانَ يومُ الأمسِ قدْ زادَ منْ تعقيدِ الأمورِ؛ فزيارةُ مهندٍ المفاجئةِ، ووجودُ يوسفَ في المدينةِ، كلُّ ذلكَ جَعَلَ قلبَها في حالةِ اضطرابٍ دائمٍ.
استيقظتْ مبكرًا، وذهبتْ لمساعدةِ والدتِها في تحضيراتِ سوقِ "الدبيحاتِ" الأخيرَةِ. كانتْ رائحةُ الزهورِ والأعشابِ العطريةِ تملأُ المكانَ، لكنَّ أنفاسَ ريمٍ كانتْ مُتَثاقِلَةً بِثِقَلِ الأفكارِ.
"يا ابنتي، تبدينَ شاردةَ الذهنِ اليومَ،" قالتْ الحاجةُ فاطمةُ وهيَ تُراقِبُ ابنتَها. "هلْ أنتِ متأكدةٌ أنَّكِ بخيرٍ؟" "نعم، الحمدُ للهِ يا أمي. ربما قلةُ النومِ فقطْ."
وصلَ يوسفُ إلى منزلِ عمتِهِ في وقتِ الظهيرةِ، برفقةِ والدِهِ، العمِّ سليمان. كانَ هدفُ الزيارةِ المعلنُ هوَ تقديمُ الدعمِ الماديِّ والمعنويِّ لسوقِ "الدبيحاتِ"، لكنَّ ريمٌ شعرتْ بأنَّ هناكَ أبعادًا أخرى لهذهِ الزيارةِ.
"أهلاً بكَ يا يوسفُ، أهلاً بالعمِّ سليمان،" رحَّبتْ بهم الحاجةُ فاطمةُ بابتسامةٍ دافئةٍ. "شكرًا لكِ يا فاطمةُ، أردنا أنْ نُشارككم فرحتَكم،" قالَ العمُّ سليمانُ وهوَ يُلقي نظرةً على المنصةِ المجهزةِ.
كانَ يوسفُ يبدوَ أكثرَ ارتياحًا اليومَ، وكانَ يُساعِدُ في ترتيبِ بعضِ الأشياءِ. لاحظتْ ريمٌ أنَّهُ يُحاولُ التقربَ منها، يسألها عنْ رأيها في بعضِ التفاصيلِ، ويُقدِّمُ لها بعضَ النصائحِ.
"هذهِ الزهورُ رائعةٌ يا ريمٌ،" قالَ يوسفُ وهوَ يُشيرُ إلى باقةٍ منَ الوردِ البلديِّ. "هلْ فكرتِ في توسيعِ مشروعِكِ ليشملَ تنسيقَ الزهورِ للمناسباتِ؟" "ربما في المستقبلِ،" أجابتْ ريمٌ بصوتٍ خافتٍ، وقلبُها ما زالَ مُعلقًا بزيارةِ مهندٍ.
في أثناءِ ذلكَ، وبعدَ فترةٍ قصيرةٍ، وصلَ مهندٌ إلى السوقِ. لمْ يكنْ وحدَهُ، بلْ كانَ برفقةِ شقيقتِهِ، "ليلى"، التي كانتْ تعملُ في مجالِ التصميمِ الداخليِّ. كانَ مهندٌ قدْ أخبرَ والدتَها بأنَّ ليلى تأتي لمُناقشةِ فكرةٍ لِتَجديدِ واجهةِ أحدِ المحلاتِ التجاريةِ.
"مساءُ الخيرِ،" قالَ مهندٌ وهوَ يدخلُ المكانَ، حاملًا معهَ هالةً منَ الهدوءِ والثقةِ. "أهلاً بكَ يا مهندٌ، وأهلاً بأختِكَ ليلى،" رحَّبتْ بهم الحاجةُ فاطمةُ.
شعرتْ ريمٌ بقلبِها يَنبضُ بقوةٍ أكبرَ عندَ رؤيةِ مهندٍ. كانتْ نظراتُهُما تتقاطعانِ، وكأنَّهُما يتبادلانِ لغةً خاصةً بهما. كانَ وجودُ يوسفَ ووالدهِ يُضفي جوًّا منَ الرسميةِ، لكنَّ حضورَ مهندٍ كانَ يُفسِدُ هذا الجوَّ بعضَ الشيءِ، ويُضيفُ إليهِ شيئًا منَ التوترِ غيرِ المرئيِّ.
بدأتْ ليلى تتحدثُ معَ الحاجةِ فاطمةُ عنْ فكرةِ تجديدِ الواجهةِ، بينما كانَ مهندٌ يتجولُ في السوقِ، ويُعاينُ البضائعَ. توقفَ عندَ منصةِ ريمٍ، ونظرَ إلى الزهورِ التي كانتْ تبيعُها.
"هذهِ الخزامى جميلةٌ جدًا،" قالَ مهندٌ وهوَ يمسكُ بساقِ إحدى الأزهارِ. "رائحتُها تُنعشُ الروحَ." "شكرًا لكَ،" قالتْ ريمٌ بصوتٍ يكادُ لا يُسمعُ. "لقدْ اهتممتُ بها كثيرًا."
لحظةً صمتٍ مرتْ بينهما، ثقيلةٌ بالكلماتِ غيرِ المنطوقةِ. شعرَ يوسفُ بالغيرةِ عندما رأى هذهِ اللحظةَ. كانتْ نظراتُ مهندٍ تجاهَ ريمٍ تحملُ شيئًا لمْ يستطعْ فهمَهُ.
"ريمٌ، هلْ يمكنُ أنْ تساعديني في نقلِ بعضِ الصناديقِ؟" قالَ يوسفُ بصوتٍ بداَ أقوى منَ اللازمِ. "بالتأكيدِ،" أجابتْ ريمٌ، وشعرتْ بأنَّ الفرصةَ قدْ ضاعتْ.
في المساءِ، وبعدَ انتهاءِ اليومِ الأولِ منَ السوقِ، جلستْ ريمٌ معَ والدتِها لتناولِ العشاءِ.
"اليومَ كانَ مزدحمًا،" قالتْ الحاجةُ فاطمةُ. "لكنَّ مبيعاتِنا كانتْ جيدةً. ما رأيكِ في يوسفَ؟ يبدوَ أنهُ مهتمٌّ بكِ." صمتتْ ريمٌ للحظةٍ، ثمَّ قالتْ: "يوسفُ شابٌّ طيبٌ، ويقدمُ المساعدةَ، لكنَّني لمْ أفكرْ في الأمرِ بعدُ." "ربما يجبُ أنْ تُفكري، فهوخيارٌ جيدٌ منْ جميعِ النواحي."
لمْ تُعطِ ريمٌ ردًّا مباشرًا، لكنَّها شعرتْ بوخزٍ في قلبِها. هلْ كانَ حبُّها لمهندٍ مجردَ وهمٍ؟ أمْ أنَّ يوسفَ هوَ الذي يجبُ أنْ تتزوجهُ؟
في وقتٍ لاحقٍ منَ الليلِ، تلقتْ ريمٌ رسالةً نصيةً على هاتفِها. كانتْ منْ رقمٍ مجهولٍ.
"أعلمُ أنَّكِ تشعرينَ بالحيرةِ، وأنَّ هناكَ أسرارًا لمْ تنكشفْ بعدُ. لا تخافي، أنا هنا. - ص."
شعرتْ ريمٌ ببرودةٍ تسري في عروقِها. منْ هوَ "ص"؟ هلْ هوَ مهندٌ؟ أمْ يوسفُ؟ أمْ شخصٌ آخرُ؟ زادتْ حيرتُها.
*
كانَ مهندٌ يقودُ سيارتَهُ عائدًا إلى منزلِهِ، وشقيقتُهُ ليلى تجلسُ بجانبِهِ. "كانَ سوقَ "الدبيحاتِ" جميلًا،" قالتْ ليلى. "لكنَّني لاحظتُ توترًا بينَ بعضِ الأشخاصِ." "هلْ تقصدينَ يوسفَ؟" سألَ مهندٌ بنبرةٍ هادئةٍ. "نعم، بداَ وكأنَّهُ يُراقبُكِ وانتِ تتحدثينَ معَ ريمٍ." "يوسفُ شخصٌ متملكٌ، وهذا طبيعيٌّ منهُ." "لكنَّني لاحظتُ شيئًا آخرَ. عندما ذهبتُ لأُلقيَ التحيةَ على الحاجةِ فاطمةَ، رأيتُ ريمٌ تتحدثُ معَكِ، وكانتْ نظراتُها إليكَ مختلفةً عنْ نظراتِها إلى يوسفَ." ابتسمَ مهندٌ ابتسامةً خفيفةً. "ريمٌ فتاةٌ طيبةٌ، وأنا أحترمُها كثيرًا." "أتعرفُ، يا أخي، أنَّ هناكَ بعضَ الشائعاتِ عنْ عودتِكَ إلى هذهِ المدينةِ؟ بعضُ الناسِ يقولونَ إنَّكَ عدتَ بسببِها." صمتَ مهندٌ للحظةٍ، وتنهدَ. "الشائعاتُ تتبعُ الأشخاصَ الناجحينَ يا ليلى. أنا عدتُ لمشروعاتي، ولأسبابٍ أخرى." "وأنا أؤمنُ بكَ يا أخي. لكنَّني أشعرُ بأنَّ هناكَ شيئًا بينَكَ وبينَ ريمٍ. شيءٌ أكبرُ منْ مجردِ معرفةٍ قديمةٍ." "الأمورُ معقدةٌ يا ليلى، وليستْ بسيطةً كما تبدوَ. هناكَ أسرارٌ قديمةٌ تنتظرُ أنْ تُكشفَ. وأحيانًا، الظروفُ التي نجدُ أنفسَنا فيها، تُجبرُنا على التصرفِ بطرقٍ لا نتوقعُها."
كانَ يقودُ السيارةَ في ظلمةِ الليلِ، وكلماتُ ليلى تترددُ في أذنيهِ. الأسرارُ القديمةُ. هلْ كانتْ تلكَ الرسالةُ النصيةُ منْهُ؟ لمْ يكنْ يرغبُ في إثارةِ قلقِ ريمٍ، لكنَّهُ شعرَ بأنَّهُ يجبُ أنْ يُحذرَها.
*
في غرفةِ والدِهِ، كانَ يوسفُ يتحدثُ عبرَ الهاتفِ. "نعم، لقدْ رأيتُ مهندٌ يتحدثُ إلى ريمٍ. إنَّهُ قريبٌ منها جدًا. لا أظنُّ أنَّهُ يريدُ فقطْ أنْ يُساعدَها في السوقِ. يبدوَ أنَّ هناكَ علاقةً أعمقَ بينهما." "وهلْ لديكَ دليلٌ على ذلكَ؟" سألَ صوتٌ منَ الطرفِ الآخرِ. "لا، ليسَ لديَّ دليلٌ قاطعٌ، لكنَّ حدسي لا يخونني. أريدُكَ أنْ تبدأَ في البحثِ عنْ أيِّ معلوماتٍ عنْ مهندٍ. عنْ ماضيهِ، عنْ علاقاتِهِ. أريدُ أنْ أعرفَ كلَّ شيءٍ." "سأفعلُ ما بوسعي يا سيدي. لكنْ تذكرْ، ما تزرعهُ اليومَ، تحصدُهُ غدًا. هذهِ الأمورُ قدْ تأتي بنتائجَ عكسيةٍ." "لا تقلقْ عليَّ. أنا مستعدٌّ لأيِّ شيءٍ."
أغلقَ يوسفُ الهاتفَ، ونظرَ إلى صورةٍ لهُ معَ ريمٍ في إحدى المناسباتِ. كانتْ تبدوَ سعيدةً في الصورةِ. هلْ سيفقدُها؟ لنْ يسمحَ بذلكَ. كانَ يشعرُ بأنَّهُ هوَ الرجلُ المناسبُ لها، وأنَّهُ قادرٌ على توفيرِ كلِّ ما تحتاجهُ. لكنَّهُ كانَ يشعرُ أيضًا بأنَّ هناكَ منافسًا قويًّا.
كانَ الليلُ قدْ استقرَّ، لكنَّ الظلمةَ في قلوبِ البعضِ كانتْ قدْ بدأتْ تشتدُّ. أسرارٌ بدأتْ تستيقظُ، ولقاءاتٌ مُقَدَّرَةٌ بدأتْ تُشكِّلُ مساراتٍ جديدةً، لمْ يعرفْ أحدٌ إلى أينَ ستقودُ.
* (نهاية الفصل التاسع) *