أنت وحدك 176
رحلة تحت سماءٍ من حبر
بقلم مريم الحسن
كان الهواءُ يعبَقُ برائحةِ التمرِ الهنديِّ والعُودِ، امتزاجٌ عجيبٌ يألفُهُ قلبُها، يعيدُها إلى أيامٍ خلتْ، كانتْ فيها السعادةُ أبسطَ وأصفى. وقفتْ "لمى" على شرفةِ منزلِها القديمِ، تطلُّ على زقاقٍ ضيقٍ تتراقصُ فيهِ خيوطُ الشمسِ الذهبيةُ بينَ أكوامِ القشِّ وباعةِ البهاراتِ. كانتْ عيناها، بلونِ قهوةٍ محمصةٍ داكنةٍ، تجولانِ ببصرٍ تائهٍ، تبحثانِ عن شيءٍ لا تدركُ كنهَهُ. تلمستْ بحنوٍّ القماشَ الخشنَ لمئزرِها، وعلى طرفِهِ كانتْ قدْ طرزتْ قبلَ سنواتٍ بعيدةٍ نجمةً صغيرةً، رمزًا لحلمٍ لمْ يكتملْ بعد.
اليومُ كانَ مختلفًا. لمْ يكنْ مجردَ يومٍ آخرَ في حياتِها الهادئةِ، بلْ كانَ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ، مرحلةٍ بدأتْ ببصيصِ أملٍ تسللَ إلى قلبِها كغزالةٍ خجولةٍ تتسللُ إلى مرعىً أخضرَ. لقدْ تلقتْ بالأمسِ خطابًا، لمْ يكنْ كأيِّ خطابٍ آخرَ، بلْ كانَ يحملُ في طياتِهِ وعدًا، ووعدًا لا يُستهانُ بهِ. خطابٌ منْ ذلكَ المهندسِ الشابِّ، "يوسف"، الذي التقتهُ صدفةً قبلَ بضعةِ أشهرٍ في سوقِ الخضارِ، حينَ تدافعَ الناسُ واختلطتْ سلالُهمْ، وسقطتْ منْ يدِها سلةُ الزيتونِ لتتناثرَ حباتُها الفضيةُ على الأرضِ.
تذكرتْ يومَها وجهَهُ، تلكَ العينينِ الزرقاوينِ الصافيتينِ كصفاءِ السماءِ في صباحٍ شتويٍّ، ابتسامتَهُ المهذبةَ التي خففتْ منْ احمرارِ وجهِها خجلًا. مدَّ يدَهُ ليساعدَها في جمعِ الزيتونِ المتناثرِ، وكانَ حديثُهما حينها يسيرًا، لكنَّهُ تركَ في نفسِها أثرًا عميقًا. تحدثا عنْ جمالِ الأصالةِ في مدينتِهما القديمةِ، عنْ عبقِ التاريخِ الذي يفوحُ منْ جدرانِ البيوتِ العتيقةِ، وعنْ سعيِهِ لترميمِ بعضِ تلكَ المباني المهملةِ، وإعادةِ الحياةِ إليها.
كانَ "يوسف" شابًا طموحًا، يعملُ بجدٍّ وإخلاصٍ، ولا يخافُ منْ العملِ الشاقِّ. كانتْ كلماته تفيضُ بالحبِّ للأرضِ التي نشأَ فيها، وبالرغبةِ في الحفاظِ على تراثِها. كانَ مختلفًا عنْ الشبابِ الذينَ تعرفُهمْ، الذينَ غالبًا ما يسعون وراءَ المظاهرِ وبريقِ الحياةِ الحديثةِ، ناسينَ جذورَهمْ وأصولَهمْ.
وها هوَ اليومَ، بعدَ فترةٍ منَ الصمتِ، يرسلُ إليها هذهِ الرسالةَ. لمْ يكنِ الخطابُ مباشرًا، بلْ كانَ يحملُ عرضًا لفرصةِ عملٍ في مشروعِ الترميمِ الذي يعملُ عليهِ. كانَ يبحثُ عنْ شخصٍ لديهِ حسٌّ فنيٌّ، وقدرةٌ على فهمِ تفاصيلِ التصميمِ التقليديِّ، وهوَ ما اشتهرتْ بهِ "لمى" في محيطِها. كانتْ موهبتُها في التطريزِ والنقشِ على الخشبِ معروفةً، وقدْ ساعدتْ في تزيينِ العديدِ منَ المنازلِ القديمةِ في حيها.
"هلْ أصدقُ هذا؟" همستْ لنفسِها، وعيناها ترنوانِ إلى الأفقِ البعيدِ. كانتْ تعيشُ حياةً بسيطةً، تتكونُ منْ أعمالِ منزلها، ومساعدةِ والدتِها المريضةِ، وقليلٍ منَ الأعمالِ اليدويةِ التي تدرُّ عليها دخلاً بسيطًا. كانتْ أحلامُها دائمًا تتوقفُ عندَ حدودِ الواقعِ، ولمْ تجرؤْ يومًا على تخيلِ ما هوَ أبعدُ منْ ذلكَ.
فكرةُ العملِ معَ "يوسف" أثارتْ في قلبِها مزيجًا منَ الحماسِ والخوفِ. الحماسُ لأنها ستُعطى فرصةً لاستخدامِ موهبتِها، وللخروجِ منْ روتينِ حياتِها. والخوفُ منْ المجهولِ، ومنْ التفاعلِ المستمرِّ معَ هذا الشابِّ الذي أثارَ فضولَها منْذُ اللقاءِ الأولِ. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ علاقةِ عملٍ، بلْ كانَ هناكَ شيءٌ أعمقُ، شرارةٌ خفيةٌ لا تستطيعُ تفسيرَها.
تذكرتْ كيفَ كانَ ينظرُ إليها حينَ تحدثا، كانتْ عيناهُ تلمعانِ بصدقٍ واهتمامٍ، كأنهُ يرى فيها شيئًا نادرًا. لمْ تكنْ تلكَ النظرةُ نظرةَ إعجابٍ سطحيٍّ، بلْ كانتْ تحملُ شيئًا أعمقَ، احترامًا تقديرًا.
"يجبُ أنْ أكونَ قويةً," قالتْ بصوتٍ مسموعٍ، تنهي رحلةَ تفكيرِها. "عليَّ أنْ أضعَ حدودًا واضحةً، وأنْ أتذكرَ دائمًا أنَّ هذهِ فرصةٌ للعملِ، لا أكثر."
لكنَّ القلبَ لا يسمعُ دائمًا للعقلِ. كانَ هناكَ صوتٌ خافتٌ داخلَها يهمسُ لها بأنَّ هذهِ الفرصةَ قدْ تكونُ بدايةً لشيءٍ جميلٍ، شيءٍ طالما حلمتْ بهِ سرًّا. لمْ تكنْ تبحثُ عنْ مغامراتٍ، بلْ عنْ شريكٍ يشاركُها قيمَها، ويُقدّرُ بساطتَها، ويسيرُ معها في دروبِ الحياةِ على هدىً منْ تعاليمِ دينِها.
ارتدتْ "لمى" عباءتها السوداءَ، وغطتْ شعرَها بالحجابِ الأنيقِ. ثمَّ أخذتْ تطلبُ منْ والدتِها الإذنَ بالخروجِ. كانتْ والدتُها، سيدةٌ فاضلةٌ، تعاني منْ مرضٍ مزمنٍ، وكانتْ "لمى" قلبَ بيتِهمْ وروحَهُ.
"إلى أينَ يا ابنتي؟" سألتِ الأمُّ بصوتٍ واهنٍ، وهيَ تضعُ يدَها على جبينِها.
"سأذهبُ إلى سوقِ الحرفيينِ، لأرى إنْ كانَ بإمكاني بيعُ بعضِ مطرزاتي،" أجابتْ "لمى" وهيَ تحاولُ رسمَ ابتسامةٍ مطمئنةٍ على وجهِها.
"وفقكِ اللهُ يا حبيبتي," قالتِ الأمُّ، ودعتْ لها بالتوفيقِ.
خرجتْ "لمى"، بخطواتٍ ثابتةٍ، نحو سوقِ الحرفيينِ. لكنَّ وجهتَها الحقيقيةَ لمْ تكنْ هناكَ. كانتْ متجهةً نحو مكتبِ "يوسف" الصغيرِ، في قلبِ المدينةِ القديمةِ. كانتْ تحملُ معها في حقيبتِها الصغيرةِ، ليسَ فقطْ عينةً منْ أعمالِها، بلْ قلبًا يخفقُ مزيجًا منَ الأملِ والرهبةِ، يستقبلُ فصلًا جديدًا، لا تدري كيفَ سيكونُ ختامُهُ. كانتْ تعلمُ أنَّ هذهِ الخطوةَ قدْ تغيرُ مجرى حياتِها، وأنَّ "أنت وحدك 176" لمْ يعدْ مجردَ رقمٍ عشوائيٍّ، بلْ قدْ يصبحُ رمزًا لرحلةٍ استثنائيةٍ، ستُكتبُ فصولُها معَ كلِّ خطوةٍ تخطوها.