الفصل 10 / 25

أنت وحدك 176

بين ظلال الذاكرة والأمل

بقلم مريم الحسن

تسللت خيوط الشمس الأولى عبر ستائر نافذة غرفتها، لترسم لوحات ذهبية على جدرانها. استيقظت ليالي على صوت الأذان، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، فالفجر كان دائمًا وقتها المفضل للتأمل والتضرع. أدت صلاتها، ثم جلست على حافة سريرها، تتأمل في رحلة الأيام الأخيرة. لم تكن تتخيل يومًا أنها ستجد نفسها في هذا الموقف، بين قلبٍ يحمل عبء الماضي، وعينين تشعّان ببصيص أملٍ جديد.

كانت مشاعرها تجاه أحمد متنامية، لكنها كانت تخشى أن تكون مجرد رد فعلٍ لغيابٍ طويل، أو محاولةً لملء فراغٍ تركه فراقٌ مؤلم. كانت تعي جيدًا أن العلاقة الحلال تتطلب أسسًا متينة من التفاهم والاحترام المتبادل، لا مجرد انجذابٍ عابر. كان أحمد رجلًا فاضلًا، لطيفًا، وملتزمًا، وكل صفاته كانت تلوح كإشاراتٍ مطمئنة في بحرٍ من التساؤلات.

لكن سرعان ما ألقى بها الواقع في دوامةٍ أخرى. هاتفتها أمها في الصباح، صوتها يحمل قلقًا لم تعهده من قبل. "يا ليالي، هل أنتِ بخير؟ بلغنا عن طريق السيدة فاطمة أن خالدًا قد عاد إلى المدينة."

تجمدت ليالي في مكانها. خالد. الاسم الذي كان يومًا مرادفًا لجنون الحب، ولحظاتٍ ظنت أنها لن تنتهي. ثلاث سنوات مرت منذ رحيله المفاجئ، تاركًا وراءه حطامًا من الوعود وشظايا قلبٍ مكسور. لم تسمع عنه شيئًا طوال هذه المدة، وظنت أن تلك الصفحة قد طُويت إلى الأبد.

"خالد؟ متى؟ وكيف؟" سألت بصوتٍ مرتجف، تحاول السيطرة على موجةٍ من المشاعر المتضاربة.

"لا أعلم التفاصيل يا ابنتي، ولكن الخبر صحيح. إنه في مكتبه الآن، وقد بدأ يعود إلى أعماله." ردت أمها، وصوتها يزداد قلقًا. "أتمنى أن لا يؤثر هذا الخبر عليكِ، وأن تظلي قوية."

أنهت ليالي المكالمة وقلبها يخفق بعنف. كانت تعتقد أنها تجاوزت مرحلة التأثر بخالد، وأن مشاعرها تجاهه أصبحت ذكرى باهتة. لكن عودته المفاجئة هزت أركان عالمها الهادئ. كيف ستلتقي به؟ هل ستتغير مشاعرها؟ وهل ستؤثر عودته على علاقتها المتنامية بأحمد؟

ذهبت إلى عملها في المكتبة، محاولةً استعادة تركيزها، لكن الصور تلاحقها. صور خالد، وذكريات الأيام الخوالي. ضحكاته، نظراته، وشغفه الذي كان يغمرها. ثم، في خضم هذه الذكريات، تتسلل صور أحمد، ابتسامته الهادئة، وكلماته الرزينة، وعينيه اللتين تلمعان بالصدق.

كانت في حيرةٍ شديدة. كيف يمكن لقلبٍ أن يتعامل مع ماضٍ يعود فجأة، وفي نفس الوقت يتعامل مع حاضرٍ ينمو فيه أملٌ جديد؟ هل يجب عليها أن تواجه خالدًا؟ أم تتجاهله؟ وهل يحق لها تجاهله بعد كل ما كان بينهما؟

في فترة استراحتها، خرجت لتتنفس بعض الهواء النقي في الحديقة الخلفية للمكتبة. كانت تجلس على مقعدٍ خشبي قديم، تنظر إلى أوراق الشجر المتساقطة، كل ورقة تذكرها بخطوةٍ نحو الغد. فجأة، سمعت صوتًا مألوفًا خلفها.

"ليالي؟"

استدارت ليالي ببطء، وشعرت وكأن قدميها قد التصقتا بالأرض. كان خالد واقفًا خلفها، يقف شامخًا كما عهدته، لكن عينيه تحملان نظرةً أعمق، وربما بعض الندم. مرّ الزمن، لكنه لم يغير من سحر حضوره شيئًا، بل ربما زاد منه.

"خالد..." تمتمت بصوتٍ بالكاد يُسمع.

ابتسم ابتسامةً خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه. "لم أتوقع أن ألتقي بكِ هكذا. كيف حالك؟"

"بخير، والحمد لله. وأنت؟" سألت، تحاول أن تبدو طبيعية، رغم أن قلبها كان يرقص في صدرها بعنف.

"بخير، الحمد لله. عدت لأستأنف عملي." قال، ثم أضاف بعد لحظة صمتٍ موجعة، "سمعت أنكِ تعملين هنا. أردت أن أطمئن عليكِ."

كانت كلماته تبدو رقيقة، لكنها لم تكن تعرف ما الذي تخفيه. هل عاد ليطلب الصفح؟ أم ليعلن عن ندمه؟ أم ربما... ليعود إلى حياتها؟

"أشكرك على اهتمامك." قالت ليالي، تحاول إنهاء المحادثة بسرعة. كانت بحاجةٍ ماسةٍ للتفكير، وللفصل بين مشاعر الماضي والحاضر.

"هل تسمحين لي ببعض الوقت؟ لدي الكثير لأقوله لكِ، الكثير لأعتذر عنه." قال خالد، وعيناه تبحثان عن شيءٍ في عينيها.

ترددت ليالي. جزءٌ منها كان يشعر بالفضول، ويرغب في فهم ما حدث، والجزء الآخر كان يحذرها بشدة. كانت تعلم أن المواجهة قد تكون مؤلمة، ولكنها أيضًا قد تكون ضرورية.

"لا أعلم إن كان هذا هو الوقت المناسب." قالت ليالي، وهي تشعر بأنها محاصرة.

"أتفهم ذلك. ولكن أرجو أن تعطيني فرصة. ربما في مكانٍ آخر، في وقتٍ آخر." قال خالد، وأخذ خطوةً نحوها.

شعرت ليالي بأنها بحاجةٍ إلى الهروب. "عذرًا، عليّ العودة إلى عملي." قالت، ونهضت بسرعة، تاركةً خالدًا واقفًا في الحديقة، ينظر إليها وقلبه يعتصر.

عادت ليالي إلى مكتبها، وقلبها يعتصر ألمًا وحيرة. لم تكن تعرف ماذا ستفعل. هل تبتعد عن خالد نهائيًا؟ أم تمنحه فرصةً لسماع ما لديه؟ وهل يمكن لعلاقتها بأحمد أن تصمد أمام عودة الماضي؟ الأسئلة تتكاثر، والأجوبة تظل بعيدة المنال. كانت تعلم أن الأيام القادمة ستحمل معها الكثير من التحديات، وأن عليها أن تكون قوية، وأن تتخذ القرارات الصائبة، لا لنفسها فقط، بل لمستقبلها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%