الفصل 16 / 25

أنت وحدك 176

غيمةٌ مفاجئةٌ فوقَ سماءٍ صافيةٍ

بقلم مريم الحسن

كانَ يوماً هادئاً كعادتهِ في حيِّ "مالكٍ" الراقِي، حيثُ تمتزجُ فخامةُ العمارةِ الحديثةِ بلمساتٍ منَ الأصالةِ الشرقيةِ. جلسَ "مالكٌ" في صالةِ منزلِهِ الواسعةِ، يحتسي فنجانَ قهوةٍ، بينما كانتْ والدتُهُ، السيدةُ "فاطمةُ" الملقبةُ بينَ أهلِ البيتِ بـ "أمِّ العزِّ"، تقومُ بترتيبِ بعضِ الأغراضِ. كانتْ سيدةً وقورةً، تكسوها الهيبةُ، وتحملُ في عينَيها حناناً أمومياً دافئاً، لكنَّها كانتْ أيضاً ذاتَ رأيٍ حازمٍ.

"يا مالكُ، لقدْ تحدثتُ معَ عمَّتِكَ "نورةَ" اليومَ. إنَّها سعيدةٌ جداً بخطوبةِ ابنِها "أحمدَ" منْ ابنةِ السيدِ "جابرٍ". تقولُ إنَّها زيجةٌ موفقةٌ جداً، وأنَّ العائلتينِ متقاربتانِ في المستوى والطباعِ." قالتْ السيدةُ فاطمةُ بنبرةٍ فيها شيءٌ منَ الرضا.

رفعَ مالكٌ عينيهِ عنْ الكتابِ الذي كانَ يقرأُ فيهِ. "هذا خبرٌ جيدٌ يا أمي. "أحمدُ" شابٌ طيبٌ، والسيدُ "جابرٌ" منَ الشخصياتِ المحترمةِ."

"نعمْ، ولكنْ ما لفتَ نظري هوَ ما ذكرتْهُ عمَّتُكَ عنْ أسرةِ "جابرٍ". يبدو أنَّ ابنتَهُ، "سارةَ"، تتمتعُ بالكثيرِ منَ الصفاتِ التي نحبُّ أنْ نراها في زوجةِ ابني. مثقفةٌ، هادئةٌ، وذاتُ أخلاقٍ رفيعةٍ. تخيلتُ لوْ أنَّ "أحمدَ" تزوجَ فتاةً منْ أسرةٍ أخرى، ربما لمْ نكنْ لنعرفَ هذهِ التفاصيلَ."

صمتَ مالكٌ لبرهةٍ. كانتْ كلماتُ والدتِهِ تلامسُ أفكاراً كانتْ تدورُ في رأسِهِ منذُ فترةٍ. لقدْ كانَ يفكرُ باستمرارٍ في "ليلى"، وفي مدى ملاءمتِها لهُ، ولكنَّهُ كانَ أيضاً يدركُ حجمَ الاختلافِ الثقافيِّ والاجتماعيِّ بينَ عائلتِهِ وعائلةِ "ليلى" البسيطةِ، وإنْ كانتْ أصيلةً.

"يا أمي، أعتقدُ أنَّ الزواجَ الناجحَ لا يعتمدُ فقطْ على تقاربِ المستوى الاجتماعيِّ أوْ تشابهِ الطباعِ الظاهرةِ. الأهمُّ هوَ الانسجامُ الروحيُّ، والتوافقُ القلبيُّ، والاحترامُ المتبادلُ. وأنْ يجدَ كلٌّ منَ الزوجينِ في الآخرِ شريكَ حياتِهِ الذي يبني معهُ المستقبلَ."

نظرتْ إليهِ السيدةُ فاطمةُ بتمعنٍ. "وهلْ وجدتَ هذا في فتاةٍ معينةٍ يا بني؟" سؤالُها لمْ يكنْ يحملُ اتهاماً، بلْ فضولاً أمومياً مشوباً بالحكمةِ.

تنهدَ مالكٌ، وشعرَ بأنَّ اللحظةَ المناسبةَ قدْ حانتْ. "يا أمي، لقدْ عرفتُ مؤخراً فتاةً، اسمها "ليلى". إنَّها منْ عائلةٍ بسيطةٍ، ولكنَّها ذاتُ أصلٍ طيبٍ، وتربيةٍ حسنةٍ. ذكيةٌ، مثقفةٌ، ورقيقةُ القلبِ. لقدْ وجدْتُ فيها ما كنتُ أبحثُ عنهُ في شريكةِ حياتي."

اتسعتْ عينا السيدةِ فاطمةُ قليلاً، ولمْ تظهرْ عليها علاماتُ المفاجأةِ، بلْ شيءٌ منَ التأملِ. "ليلى؟ هلْ هيَ الفتاةُ التي تحدثتَ عنها قبلَ فترةٍ، والتي كنتَ تساعدُها في بعضِ الأمورِ؟"

"نعمْ يا أمي، هيَ نفسها." أجابَ مالكٌ بصوتٍ يمتزجُ فيهِ الحزمُ بالصدقِ. "لقدْ اكتشفتُ أنها تفوقُ كلَّ توقعاتي. وهيَ أيضاً تتمتعُ بأخلاقٍ إسلاميةٍ رفيعةٍ، وتحترمُ عاداتِنا وتقاليدَنا."

"وهلْ أصبحتَ تفكرُ في الارتباطِ بها بشكلٍ رسميٍّ؟" سألتْ بجديةٍ.

"أنا أفكرُ في الأمرِ بجديةٍ بالغةٍ يا أمي. لقدْ تحدثتُ معَها ومعَ أسرتِها بشكلٍ غيرِ مباشرٍ، وأرى أنَّ هناكَ تقبلاً للفكرةِ. ولكنَّني أريدُ رأيكِ، ورأيَ أبي."

لمْ تجبْ السيدةُ فاطمةُ مباشرةً. وقفتْ وتوجهتْ نحو النافذةِ، تنظرُ إلى الشارعِ الهادئِ. كانَ عقلُها يدورُ في حلقةٍ منَ التفكيرِ. كانتْ تدركُ أنَّ "مالكَ" رجلٌ واعيٌ، ولا يقدمُ على خطوةٍ كهذهِ إلا بعدَ تفكيرٍ عميقٍ. ولكنَّها كانتْ أيضاً تعلمُ أنَّ العاداتِ والتقاليدَ لها دورٌ كبيرٌ في مجتمعِهم.

"يا بني، أنتَ تعلمُ أنَّني أثقُ بحكمِكَ، وأنَّ سعادتَكَ هيَ أسمى أمنياتي. ولكنَّ تكوينَ أسرةٍ هوَ أمرٌ عظيمٌ، ويتطلبُ موافقةَ الجميعِ. والدُكَ، حفظهُ اللهُ، يحبُّ أنْ تكونَ الأمورُ واضحةً، وأنْ يعرفَ كلَّ التفاصيلِ. وقدْ يكونُ لديهِ بعضُ التحفظاتِ الأوليةِ بسببِ الاختلافِ الظاهريِّ بينَ العائلتينِ."

"أعلمُ ذلكَ يا أمي. ولهذا أريدُ أنْ نفتحَ الموضوعَ معهُ ومعكَ. أنا مستعدٌّ لأنْ أكونَ صريحاً معه، وأنْ أشرحَ لهُ كلَّ شيءٍ."

في هذهِ الأثناءِ، كانَ "خالدٌ" ينتظرُ بصبرٍ الفرصةَ المناسبةَ. لقدْ تواصلَ معَ صديقٍ مشتركٍ لهُ ولـ "ليلى"، وطلبَ منهُ ترتيبَ لقاءٍ بينَهُما في مكانٍ عامٍ، ولكنهُ بعيدٌ عنْ الأنظارِ. كانَ يعلمُ أنَّ هذهِ الخطوةَ قدْ تكونُ محفوفةً بالمخاطرِ، ولكنَّهُ كانَ مستعداً للمخاطرةِ بكلِّ شيءٍ.

وصلَ "خالدٌ" إلى المقهى الصغيرِ الهادئِ في حيٍّ آخرَ منَ المدينةِ. جلسَ في زاويةٍ، يرتدي ملابسَ بسيطةً، وعينيهِ تراقبانِ البابَ. كانَ يشعرُ بتوترٍ شديدٍ، لكنَّهُ كانَ يخفيهِ ببراعةٍ. بعدَ دقائقَ، دخلتْ "ليلى" بخطواتٍ مترددةٍ، تبدو عليها علاماتُ الحيرةِ.

"أهلاً بكِ يا ليلى." قالَ "خالدٌ" بصوتٍ هادئٍ، وهوَ يقفُ لتحيتِها.

نظرتْ إليهِ "ليلى" بدهشةٍ، لمْ تكنْ تتوقعُ أنْ يلتقيا بهذهِ الطريقةِ. "أهلاً بكَ يا خالدٌ. ما الذي حدثَ؟"

"أردتُ أنْ أتحدثَ معكِ بصراحةٍ يا ليلى. لقدْ أخطأتُ في حقِّكِ كثيراً في الماضي، وأنا أريدُ أنْ أعتذرَ. وأنْ أقولَ لكِ أنَّني ما زلتُ أحملُ لكِ مشاعرَ..."

قبلَ أنْ يكملَ "خالدٌ" حديثَهُ، دخلَ شخصٌ كانَ "ليلى" قدْ رأتْهُ معَ "مالكٍ" في إحدى المراتِ، وكانَ يبدو عليهِ بعضُ الحقدِ والغيرةِ. كانَ "عمرٌ"، زميلُ "مالكٍ" في العملِ، والذي كانَ يحملُ ضغينةً دفينةً تجاهَهُ، ويعلمُ بوجودِ "ليلى" في حياةِ "مالكٍ".

"ماذا تفعلُ هنا يا "خالدٌ"؟" قالَ "عمرٌ" بنبرةٍ تحملُ استفزازاً واضحاً، متوجهاً نحو "ليلى". "هلْ أتيتَ لتُفسدَ علاقةَ "ليلى" بـ "مالكٍ"؟"

تجمدتْ "ليلى" في مكانِها، ولمْ تفهمْ ما الذي يحدثُ. نظرتْ إلى "خالدٍ" الذي بدتْ على وجهِهِ علاماتُ الدهشةِ والاستياءِ.

"منْ أنتَ لتتحدثَ بهذا الشكلِ؟" ردَّ "خالدٌ" بصوتٍ قويٍّ.

"أنا شخصٌ يعرفُ الحقيقةَ." قالَ "عمرٌ" وهوَ يبتسمُ بسخريةٍ. "وأنا أعلمُ أنَّ "مالكَ" لا يرى فيكِ سوى تسليةٍ مؤقتةٍ."

تجمدَ الدمُ في عروقِ "ليلى". نظرتْ إلى "خالدٍ" ثمَّ إلى "عمرٍ" بتساؤلٍ مرعبٍ. لمْ تستطعْ استيعابَ ما تسمعُ. هلْ كانَ "عمرٌ" يقولُ الحقيقةَ؟ هلْ كانَ "مالكٌ" يلعبُ بها؟

"هذا غيرُ صحيحٍ!" صرخَ "خالدٌ" بغضبٍ.

لكنَّ "عمرٌ" تجاهلَهُ، وتوجهَ إلى "ليلى" مباشرةً: "أنا آسفٌ لأنَّني اضطررتُ لأقولَ لكِ هذا، ولكنَّكِ تستحقينَ معرفةَ الحقيقةِ. "مالكَ" رجلٌ مخادعٌ، ولا يريدُ لكِ إلا الأذى."

انهارتْ "ليلى" داخلياً. شعرتْ بأنَّ الأرضَ تبتلعُها. نظرتْ إلى "خالدٍ" بوجهٍ شاحبٍ، ثمَّ خرجتْ منَ المقهى بخطواتٍ سريعةٍ، وعيناها تترقرقُ بالدموعِ. كانَ قلبُها ينزفُ ألماً، وشعورٌ بالخيانةِ ينهشُ روحَها. لقدْ انقلبَ يومُها الهادئُ إلى عاصفةٍ هوجاءِ، وأصبحتْ في منتصفِ دوامةٍ منَ الشكوكِ والألمِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%