أنت وحدك 176
خيطُ الأوهامِ ينسجُ سِتارَ الظلمةِ
بقلم مريم الحسن
تركتْ "ليلى" المقهى كالسهمِ، تسابقُ الزمنَ، لا تعرفُ أينَ تتجهُ، وقلبُها المرتعشُ يضخُّ بآلامٍ لا تُطاقُ. كانتْ كلماتُ "عمرٍ" تترددُ في أذنيها كصليلِ السيوفِ، تهزُّ أركانَ ثقتِها، وتمزقُ نسيجَ أحلامِها. "مالكٌ رجلٌ مخادعٌ، لا يريدُ لكِ إلا الأذى." عبارةٌ واحدةٌ كانتْ كافيةً لتحويلَ كلَّ ما شعرتْ بهِ منْ ودٍّ واعتبارٍ إلى غبارٍ متناثرٍ.
وصلتْ إلى منزلِها، ودخلتْ غرفتَها كمنْ يهربُ منْ مطاردةٍ. أغلقتْ البابَ خلفَها، وغاصتْ في فراشِها، تسمحُ للدموعِ بالانهمارِ دونَ توقفٍ. لمْ تعدْ ترغبُ في الكلامِ، أوْ سماعِ أيِّ تفسيرٍ. لقدْ رأتْ بنفسِها، وسمعتْ بأذنيها. لقدْ تأكدتْ منْ كلِّ ما كانتْ تخشى منهُ.
في تلكَ اللحظةِ، كانَ "مالكٌ" في منزِلِهِ، يتحدثُ معَ والديهِ. كانَ قدْ قررَ أخيراً أنْ يصارحَهُما بموضوعِ "ليلى" بشكلٍ رسميٍّ. كانَ يرتدي ثيابَهُ الرسميةَ، ويتصببُ عرقاً بارداً، على الرغمِ منْ جوِّ الغرفةِ المعتدلِ.
"يا أبي، يا أمي." بدأَ بصوتٍ فيهِ بحةٌ. "لقدْ قررتُ أنْ أتزوجَ."
توقفَ والدهُ، السيدُ "سليمانُ"، عنْ قراءةِ جريدتِهِ، ورفعتْ والدتُهُ، السيدةُ فاطمةُ، حاجبيها في دهشةٍ ممزوجةٍ بفضولٍ.
"زواجٌ؟ وهلْ وجدتَ الفتاةَ المناسبةَ يا بني؟" سألَ السيدُ سليمانُ، الذي كانَ معروفاً بشدةِ اهتمامِهِ بالتفاصيلِ.
"نعمْ يا أبي. إنَّها "ليلى". وهيَ فتاةٌ رائعةٌ، ذاتُ أخلاقٍ ودينٍ، وذكاءٍ وفطنةٍ. لقدْ وجدْتُ فيها شريكةَ حياتي." قالَ مالكٌ بثقةٍ، وهوَ ينظرُ إلى والديهِ مباشرةً.
صمتَ السيدُ سليمانُ لبرهةٍ، ثمَّ قالَ بنبرةٍ فيها شيءٌ منَ الحذرِ: "ليلى؟ ولكنْ يا بني، أليستْ منْ أسرةٍ بسيطةٍ؟ هلْ تعتقدُ أنَّها ستكونُ مناسبةً لأسرتِنا؟"
"يا أبي، القيمةُ الحقيقيةُ في المعدنِ الأصيلِ، وفي حسنِ التربيةِ، وليسَ في كثرةِ المالِ أوْ اتساعِ الاسمِ. "ليلى" تمتلكُ كلَّ الصفاتِ التي أريدُها في زوجتي، وستكونُ نعمَ السندِ لي." أجابَ مالكٌ بحزمٍ.
نظرتْ السيدةُ فاطمةُ إلى زوجِها، ثمَّ إلى ابنِها، وقالتْ بصوتٍ هادئٍ: "يا سليمانُ، "مالكٌ" رجلٌ واعٍ، ولنْ يتخذَ قراراً كهذا دونَ تفكيرٍ. دعنا نسمعُ المزيدَ عنْ هذهِ الفتاةِ."
بدأَ مالكٌ بسردِ كلِّ ما يعرفُهُ عنْ "ليلى"، عنْ ذكائِها، عنْ حسنِ تدينِها، عنْ لطفِها، وعنْ قيمِها الأخلاقيةِ. كانَ يتحدثُ بشغفٍ، ويُظهرُ مدى تقديرِهِ لها.
في هذهِ الأثناءِ، كانَ "عمرٌ" يتابعُ تحركاتِ "مالكٍ" عنْ كثبٍ. لقدْ كانَ هدفهُ الرئيسيُّ هوَ إيقاعُ "مالكٍ" في ورطةٍ، وإفسادُ سمعتِهِ. كانَ يعلمُ أنَّ "مالكَ" كانَ يرى في "ليلى" مستقبلَهُ، وأنَّ أيَّ مشكلةٍ في هذهِ العلاقةِ ستؤثرُ عليهِ بشكلٍ مباشرٍ.
توجهَ "عمرٌ" إلى منزلِ عائلةِ "ليلى". لقدْ كانَ يعرفُ أنَّ والدَ "ليلى" رجلٌ طيبٌ، ولكنَّهُ يميلُ إلى تصديقِ كلِّ ما يُقالُ لهُ، خاصةً إذا كانَ ذلكَ يتعلقُ بابنتِهِ.
"السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتهِ." قالَ "عمرٌ" لوالدِ "ليلى"، السيدِ "حسنٍ"، الذي استقبلَهُ بترحيبٍ ظاهريٍّ.
"أهلاً بكَ يا بني. تفضلْ." قالَ السيدُ حسنٌ.
جلسَ "عمرٌ"، وبدأَ حديثَهُ بنبرةٍ تحملُ الشفقةَ والأسفَ. "يا عمَّ حسنٍ، جئتُ إليكَ لأمرٍ جللٍ، ولحمايةِ ابنتِكَ الحبيبةِ "ليلى"."
نظرَ السيدُ حسنٌ إليهِ بقلقٍ. "ما الأمرُ يا بني؟ هلْ حدثَ شيءٌ لـ "ليلى"؟"
"للأسفِ يا عمَّ حسنٍ، إنَّ "ليلى" تقعُ في حبائلِ رجلٍ لا يستحقُّها. إنَّ "مالكَ" الذي تعرفُهُ، ليسَ كما يظهرُ. إنَّهُ رجلٌ لعوبٌ، يلعبُ بمشاعرِ الفتياتِ، ويُسقطُهنَّ في حبائلِ الغرامِ المزيفِ، ثمَّ يتركهُنَّ. لقدْ سمعتُ بأذنيَّ كيفَ يتحدثُ عنها معَ أصدقائِهِ. إنَّهُ لا يرى فيها سوى تسليةٍ، ولنْ يتزوجَها أبداً."
كانتْ كلماتُ "عمرٍ" كالصاعقةِ التي ضربتْ قلبَ السيدِ حسنٍ. لقدْ كانَ يثقُ بـ "ليلى" ثقةً عمياءَ، وكانَ يحلمُ لها بمستقبلٍ مشرقٍ. لمْ يستطعْ استيعابَ ما سمعهُ.
"هلْ أنتَ متأكدٌ مما تقولُ يا بني؟" سألَ بصوتٍ متهدجٍ.
"واللهِ يا عمَّ حسنٍ، أنا لمْ أقلْ إلا الحقَّ. لقدْ رأيتُ كيفَ كانتْ "ليلى" تتحدثُ عنْ "مالكٍ"، وكيفَ كانتْ سعيدةً، ولكنَّها لا تعلمُ أنَّها تسيرُ نحو الهلاكِ. إنَّ "مالكَ" قدْ يكونُ غنياً، ولكنَّهُ رجلٌ بلا أخلاقٍ."
تسللتْ غيمةٌ سوداءُ إلى وجهِ السيدِ حسنٍ. شعرَ بالذعرِ والقلقِ. لقدْ أرادَ لابنتِهِ الأفضلَ، ولمْ يكنْ يتخيلُ أنْ تقعَ في ورطةٍ كهذهِ.
في تلكَ الليلةِ، وبعدَ عودتِهِ منْ بيتِ "ليلى"، كانَ "مالكٌ" يشعرُ بالارتياحِ. لقدْ رأى أنَّ والديهِ تقبلا فكرةَ زواجِهِ بـ "ليلى"، وأنَّهُما على استعدادٍ للقاءٍ رسميٍّ معَ أسرتِها. كانتْ هذهِ الخطوةُ قدْ أزاحتْ عنْ كاهلِهِ حملاً ثقيلاً.
ولكنَّهُ لمْ يكنْ يعلمُ ما كانَ يدورُ في منزلِ "ليلى". لمْ يكنْ يعلمُ أنَّ كلماتِ "عمرٍ" الخبيثةَ قدْ زرعتْ بذورَ الشكِّ والارتيابِ في قلبِ والدِها.
في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ "ليلى" وهيَ تشعرُ بثقلٍ على صدرِها. حاولتْ أنْ تتناسى ما حدثَ بالأمسِ، ولكنَّ الصورَ كانتْ تتكررُ أمامَ عينَيها. اتصلتْ بـ "مالكٍ" على هاتفِهِ، ولكنَّهُ لمْ يُجبْ. شعرتْ بقلقٍ متزايدٍ.
ذهبتْ إلى العملِ، وكانتْ عيناها تبحثانِ عنْ وجهِ "مالكٍ"، لكنَّهُ لمْ يكنْ موجوداً. سألتْ عنهُ، فأخبروها أنَّهُ غائبٌ عنِ العملِ لظرفٍ خاصٍّ. ازدادتْ حيرتُها وقلقُها.
بينما كانتْ "ليلى" غارقةً في أفكارِها، جاءَها اتصالٌ منْ والدتِها. "ليلى، ابنتي، متى ستعودينَ إلى المنزلِ؟ هناكَ أمرٌ مهمٌّ أريدُ أنْ أتحدثَ معَكِ فيهِ." قالتْ والدتُها بنبرةٍ جادةٍ.
شعرتْ "ليلى" بأنَّ هناكَ شيئاً غيرَ طبيعيٍّ. "ما هوَ الأمرُ يا أمي؟" سألتْ بلهفةٍ.
"عندما تعودينَ، سأشرحُ لكِ." أجابتْ والدتُها، ثمَّ أغلقتِ الهاتفَ.
كانَ قلبُ "ليلى" يخفقُ بعنفٍ. شعرتْ بأنَّ هناكَ شيئاً كبيراً على وشكِ أنْ يحدثَ، شيءٌ قدْ يغيرُ مجرى حياتِها إلى الأبدِ. كانتْ غيمةٌ سوداءُ تتجمعُ في الأفقِ، تهددُ بتمزيقِ سماءِ علاقتِها بـ "مالكٍ"، وغمرِها بظلامٍ لمْ تتوقعْهُ.