أنت وحدك 176
همساتٌ على دروبِ الأمسِ
بقلم مريم الحسن
كانَ المكتبُ أشبهَ بكنزٍ دفينٍ، يقعُ في زاويةٍ هادئةٍ منْ أزقةِ المدينةِ القديمةِ، حيثُ لا تصلُ ضوضاءُ الحداثةِ إلا كصدىً بعيدٍ. بابٌ خشبيٌّ عتيقٌ، نحتتْ عليهِ زخارفُ إسلاميةٌ بديعةٌ، ونافذةٌ صغيرةٌ مطلةٌ على باحةٍ فيها شجرةُ ليمونٍ باسقةٌ. عندَ دخولِ "لمى"، استقبلها عبقُ الخشبِ القديمِ ورائحةُ الورقِ المعتّقِ. كانَ المكانُ يعجُّ بالحياةِ الهادئةِ، بمخطوطاتٍ قديمةٍ، وصورٍ بالأبيضِ والأسودِ تروي قصصَ المدينةِ، وأدواتِ هندسةٍ مرتبةٍ بعنايةٍ.
"أهلاً وسهلاً!"
تسللَ صوتٌ دافئٌ، حملَ دفءَ الشمسِ وصدقَ النوايا. كانَ "يوسف"، واقفًا خلفَ مكتبٍ كبيرٍ منَ الخشبِ الداكنِ، يبتسمُ لها بتلكَ الابتسامةِ المعهودةِ التي أضاءتْ وجهَها ذاتَ مرةٍ. كانَ يرتدي قميصًا بأزرارٍ، مطويَّ الأكمامِ، يكشفُ عنْ ساعدينِ قويينِ، يتناسبانِ معَ شخصيتِهِ العمليةِ.
"أهلاً بكَ أستاذَ يوسف," قالتْ "لمى"، وصوتُها يكادُ لا يُسمعُ منْ شدةِ الخجلِ، وهيَ تضعُ حقيبتَها على الأرضِ.
"لا أستاذَ، بلْ يوسف. تفضلي بالجلوسِ،" قالَ وهوَ يشيرُ إلى كرسيٍّ خشبيٍّ أنيقٍ مقابلَ مكتبِهِ. "كنتُ أتمنى أنْ أسمعَ منكِ منذُ فترةٍ، لكنَّني لمْ أردْ أنْ أُعجّلَ الأمورَ. أنتِ تعلمينَ، الحياةُ لا تسيرُ دائمًا بالسرعةِ التي نريدُها."
شعرتْ "لمى" براحةٍ غريبةٍ تجتاحُها. كانَ حديثُهُ سلسًا، وكأنهُ يعرفُ كيفَ يزيلُ التوترَ منْ حولِهِ. جلستْ، ويدُها الأخرى تفركُ ثوبَها بخفةٍ.
"لقدْ تأثرتُ كثيرًا بخطابِكَ," بدأتْ، وصوتُها بدأَ يكتسبُ بعضَ القوةِ. "لمْ أتوقعْ أبدًا أنْ تتذكرَني، وأنْ تفكرَ فيّ بهذا الشكلِ."
"وكيفَ لي أنْ أنسى؟" قالَ، واقتربَ قليلاً، وعيناهُ تتأملانِها بعمقٍ. "لقدْ كنتِ كالنسمةِ الباردةِ في يومٍ حارٍّ. رؤيتُكِ، حديثُكِ عنْ شغفِكِ بالأصالةِ، كلُّ هذا تركَ انطباعًا قويًّا لديَّ. وأعلمُ أنَّ لديكِ حسًّا فريدًا في هذا المجالِ. مشروعُ ترميمِ الحيِّ القديمِ يحتاجُ إلى أيديٍ أمينةٍ وقلوبٍ محبةٍ، وأنتِ بالتأكيدِ تملكينَ ذلك."
شرحَ لها "يوسف" تفاصيلَ المشروعِ، كانَ مشروعًا ضخمًا يهدفُ إلى استعادةِ رونقِ الحيِّ التاريخيِّ، بما في ذلكَ إعادةُ ترميمِ المنازلِ القديمةِ، وإنشاءُ مساحاتٍ ثقافيةٍ، وتشجيعُ الحرفيينَ المحليينَ. كانتْ رؤيتُهُ واضحةً، وشغفُهُ بالمشروعِ معديًا.
"أنا أؤمنُ بأنَّ تاريخَنا هوَ هويتُنا," قالَ بحماسٍ. "وأنَّ الحفاظَ على هذهِ المباني القديمةِ، وهذهِ الحرفِ الأصيلةِ، هوَ واجبٌ علينا تجاهَ الأجيالِ القادمةِ. أنتِ، بخبرتِكِ في التطريزِ والزخرفةِ، يمكنُكِ أنْ تُعيدي الروحَ إلى هذهِ الجدرانِ، أنْ تجعليها تروي قصصَ الماضي."
أخرجَ "يوسف" منْ درجِ مكتبِهِ مجموعةً منَ الرسوماتِ الأوليةِ، أظهرتْ لهُ كيفَ سيبدو الحيُّ بعدَ الترميمِ. كانتْ رسوماتٍ رائعةً، تجمعُ بينَ الأصالةِ والجمالِ، معَ لمساتٍ عصريةٍ لمْ تفسدِ الروحَ الأصليةَ.
"هذا كلُّهُ مذهلٌ," قالتْ "لمى"، وعيناها تتسعُ دهشةً وإعجابًا. "لمْ أتخيلْ يومًا أنَّ شيئًا كهذا ممكنٌ."
"بالإصرارِ والإيمانِ، كلُّ شيءٍ ممكنٌ," أجابَ "يوسف". "ولهذا السببِ، أريدُكِ أنْ تكوني جزءًا منْ هذا الفريقِ. أريدُكِ أنْ تُعيدي إلى هذهِ الأماكنِ جمالَها الأصليَّ، وأنْ تُضفي عليها لمستَكِ الفريدةَ."
كانَ هذا هوَ العرضُ الذي وصلَها في الخطابِ، لكنَّ سماعَ التفاصيلِ منْهُ مباشرةً، ورؤيةَ شغفِهِ، جعلَ الأمرَ يبدو أكثرَ واقعيةً وإثارةً.
"ماذا عنْ طبيعةِ العملِ؟" سألتْ، وفكرتْ في والدتِها، وفي مسؤولياتِها.
"سيكونُ العملُ بشكلٍ أساسيٍّ في الموقعِ، الإشرافُ على تفاصيلِ الديكورِ الداخليِّ، اختيارُ الألوانِ، تصميمُ النقوشِ، وربما حتىَ المشاركةُ في تدريبِ بعضِ الحرفيينَ الجددِ على التقنياتِ القديمةِ. سيكونُ لديكِ وقتٌ للعملِ منَ المنزلِ أيضًا، خاصةً فيما يتعلقُ بالتصاميمِ المعقدةِ. ونحنُ ندركُ تمامًا مسؤولياتِكِ العائليةَ، وسنكونُ مرنينَ قدرَ الإمكانِ."
تأملتْ "لمى" الكلماتِ. كانَ الأمرُ يبدو مثاليًّا. فرصةٌ لتطبيقِ موهبتِها، فرصةٌ للخروجِ منْ دائرةِ الروتينِ، وفرصةٌ للعملِ معَ شخصٍ يشاركُها قيمَها. لكنَّ قلبَها كانَ لا يزالُ مترددًا. الخوفُ منَ التغييرِ، والخوفُ منَ الارتباطِ بشخصٍ قدْ يتركُ أثرًا عميقًا.
"أنا... أنا بحاجةٍ إلى وقتٍ للتفكيرِ," قالتْ بصراحةٍ. "الأمرُ كبيرٌ، ويحتاجُ إلى دراسةٍ متأنيةٍ."
"بالطبعِ، بالطبعِ," وافقَ "يوسف"، دونَ أيِّ ضغطٍ. "خذي وقتَكِ. لكِنْ أريدُكِ أنْ تعلمي أنَّ هذهِ الفرصةَ متاحةٌ لكِ، وأنَّنا نقدّرُ موهبتَكِ حقًّا. وإذا قررتِ القبولَ، فسأكونُ سعيدًا جدًّا. بلْ أكثرَ منْ سعيدٍ."
نهضتْ "لمى"، وقالتْ: "شكرًا لكَ على وقتِكِ، وعلى هذهِ الفرصةِ الثمينةِ."
"الشكرُ لكِ أنتِ على اهتمامِكِ," ردَّ "يوسف"، وهوَ يرافقُها إلى البابِ. "وأتمنى أنْ أسمعَ منكِ قريبًا."
عندما غادرتْ "لمى" المكتبَ، شعرتْ وكأنَّ الشمسَ أشرقتْ في قلبِها، رغمَ أنَّ المساءَ كانَ يقتربُ. كانتْ الشوارعُ لا تزالُ تعجُّ بالناسِ، لكنَّها بدتْ مختلفةً الآنَ. كأنَّ كلَّ شيءٍ يهمسُ لها ببدايةِ فصلٍ جديدٍ.
توقفتْ عندَ حائطٍ قديمٍ، تطلُّ على منظرٍ بانوراميٍّ للمدينةِ. كانتْ ترى البيوتَ المتراصةَ، والمآذنَ الشامخةَ، وسماءَ المدينةِ الملونةَ. وتساءلتْ في نفسِها: هلْ ستكونُ هذهِ الشوارعُ، وهذهِ البيوتُ، شاهدةً على بدايةِ قصةٍ جديدةٍ؟ قصةٍ تحملُ عنوانَ "أنت وحدك 176"، قصةٌ تبدأُ بخطابٍ، وبمقابلةٍ، وبقلبٍ يتأرجحُ بينَ الخوفِ والأملِ.
"ماذا ستفعلينَ يا لمى؟" سألتْ نفسها. "هلْ ستسمحينَ لقلبِكِ بالنبضِ في إيقاعٍ جديدٍ؟"
لمْ تكنْ تعرفُ الإجابةَ بعدُ. لكنَّ شيئًا واحدًا كانَ مؤكدًا: إنَّ "يوسف" قدْ زرعَ بذرةً في روحِها، بذرةً بدأتْ تنمو، وتتفتحُ، وتُزهرُ.