الفصل 20 / 25

أنت وحدك 176

مواجهة الحقيقة في قصر العم

بقلم مريم الحسن

كان الهواء في قصر العم سليمان كثيفًا، مشبعًا بالرائحة العتيقة للأخشاب الفاخرة، والعطور الشرقية الهادئة. كان القصر، ببنائه الشامخ وحدائقه الغناء، رمزًا للثراء والنفوذ الذي يتمتع به. في وسط هذا الفخامة، جلس العم سليمان، رجلٌ تجاوز الستين من عمره، ذو لحيةٍ بيضاءَ مشذبةٍ، وعينين تحملان بريقًا من الذكاء والقوة. كان يجلس على كرسيٍّ عظيمٍ، يرتدي ملابسَ فاخرةً، ويحتسي قهوته ببطءٍ، وكأنه يتأمل لوحةً فنيةً.

دخل الشيخ يوسف، والعم صالح، وأحمد، ونور، والسيدة فاطمة. استُقبلوا بترحيبٍ حارٍّ، ولكن ببرودٍ رسميٍّ. كان العم سليمان يدرك أن هذه الزيارة ليست اعتياديةً.

"أهلاً وسهلاً بضيوفنا الكرام،" قال العم سليمان، بصوتٍ عميقٍ، "سعداءٌ جدًا بهذه الزيارة. ما الذي دعاكم لزيارتنا في هذا الوقت؟"

بدأ الشيخ يوسف، الذي كان يتمتع بعلاقةٍ وديةٍ قديمةٍ مع العم سليمان، بالحديث. "يا عم سليمان، نود أن نتحدث معك في أمرٍ هامٍّ. أمرٌ يتعلق بعلاقاتنا العائلية، وبأمورٍ ربما تكون قد مرت دون انتباهٍ."

نظر العم سليمان إلى الشيخ يوسف، ثم إلى العم صالح، ثم إلى أحمد ونور. كانت عيناه تتنقل بين الوجوه، يبحث عن بوادر المشكلة. "تفضلوا، يا شيخ يوسف. قل ما لديك."

تحدث العم صالح، وقد استجمع كل قوته، "يا عم سليمان، نحن نقدر لك مكانتك، ونقدر لك تاريخك. ولكن، ابنتي نور، اكتشفت أمرًا يتعلق بأرضٍ. أرضٍ كان لها تاريخٌ، وحقوقٌ. وقد وجدت وثائقٌ تدل على أن جزءًا كبيرًا من هذه الأرض، والذي هو الآن تحت تصرفكم، لم يكن ملكًا لأحدٍ من عائلتنا، بل كان ملكًا لعائلةٍ أخرى، تم استغلال ظروفها لتنتقل الحقوق."

صمت العم سليمان للحظةٍ، وكأنما الكلمات قد أصابت وتراً حساساً. ثم ابتسم ابتسامةً باهتةً. "أرضٌ؟ حقوقٌ؟ يا عم صالح، هل أنتم تتحدثون عن أرضٍ قديمةٍ؟ لقد مرت سنواتٌ طويلةٌ على هذه الأمور. الحياة تتغير، والأمور تتطور. ما هي هذه الوثائق التي تتحدثون عنها؟"

في هذه اللحظة، تقدمت نور، وبيدها ملفٌ سميكٌ. وضعت الملف على الطاولة أمام العم سليمان، وقالت بصوتٍ ثابتٍ، "هذه يا عمي هي الوثائق. وهي تظهر بوضوحٍ كيف تم الاستيلاء على حقوق عائلةٍ فقدت كل شيءٍ. وكيف أن هذه الأرض، التي كان يجب أن تعود لأصحابها، أصبحت جزءًا من ممتلكاتكم."

فتح العم سليمان الملف، وبدأ يتصفحه ببطءٍ. كانت ملامحه تتغير، من الهدوء إلى شيءٍ من الانزعاج. حاول أن يخفي رد فعله، ولكنه لم يستطع.

"هذه الوثائق…" قال، وهو يتظاهر بالدهشة، "هذه الوثائق قديمةٌ جدًا. ربما تعرضت للتزوير. أو ربما تم تفسيرها بشكلٍ خاطئٍ. لا يمكنكم أن تعتمدوا على مجرد ورقٍ قديمٍ لإثبات قضيةٍ كهذه."

رد أحمد، بثقةٍ وهدوءٍ، "يا عم سليمان، هذه الوثائق ليست مجرد ورقٍ قديمٍ. إنها مكتوبةٌ بخطوطٍ واضحةٍ، وتتضمن شهاداتٍ موثقةً. كما أن نور، خلال بحثها، وجدت أدلةً أخرى تدعم هذه الوثائق، وتؤكد صحتها. إن الحق لا يموت، والظلم لا يدوم."

ارتفعت نبرة العم سليمان قليلًا. "أحمد، أنا أحترم علاقتك بوالدك، وأحترم مكانتك. ولكن، لا تتحدث معي وكأنني شخصٌ غريبٌ. أنا أعرف تاريخ هذه الأرض، وأعرف كيف آلت إلينا. هذه الأمور تتعلق بالماضي، ولا يمكن إعادة فتحها الآن."

"ولكن يا عمي،" قالت نور، بشجاعةٍ، "الماضي عندما يكون ظالمًا، يجب تصحيحه. إن هذه الأرض كانت ملكًا لشخصٍ مظلومٍ، ولم يتم إعطاؤه حقه. إن العدل هو أساس المجتمع. وإذا لم نعد الحق لأصحابه، فإننا نزرع الظلم."

بدا على العم سليمان الغضب. "نور، أنتِ شابةٌ، ولا تدركين تعقيدات الحياة. هذه الأمور ليست بسيطةً كما تظنين. إنها تتعلق بسمعة العائلة، وبمصالح كبيرةٍ. لا يمكننا أن ندمر كل شيءٍ بسبب قضيةٍ قديمةٍ."

قال الشيخ يوسف، بصوتٍ هادئٍ ولكنه حازمٍ، "يا عم سليمان، نحن هنا لسنا لنهدد، بل لنتفاهم. ابنتنا نور، اكتشفت حقيقةً، وهي مؤمنةٌ بها. ونحن، كرجالٍ ونساءٍ يدركون قيمة الحق، نقف معها. إذا كانت هذه الوثائق تثبت شيئًا، فإننا يجب أن ننظر فيه بعينٍ مجردةٍ. وإذا كان هناك ظلمٌ وقع، فيجب تصحيحه."

شعر العم سليمان بأن الأمور بدأت تخرج عن سيطرته. لقد كان يتوقع بعض الاعتراض، ولكنه لم يكن يتوقع هذه الروح الجماعية، وهذه الثبات في الموقف.

"ماذا تريدون بالضبط؟" سأل، وعلامات التحدي باديةٌ على وجهه.

"نريد حقًا،" قال أحمد، بحزمٍ. "نريد أن تعاد الحقوق لأصحابها. نريد أن نصل إلى حلٍ يرضي الله، ويحفظ كرامة الجميع."

"وهل تعتقدون أن هذا سهلٌ؟" سخر العم سليمان. "إنكم تطلبون مني أن أتخلى عن جزءٍ كبيرٍ من ممتلكاتي. هذا جنونٌ."

"ليس جنونًا، بل هو عدلٌ،" قالت نور، بعيونٍ تلمع بالعزيمة. "إن لم يتم ذلك، فإننا سنتجه إلى الجهات المختصة. وسنقدم كل ما لدينا من أدلةٍ. ولن نسكت عن حقٍ ضائعٍ."

كان هذا هو التهديد الذي لم يتوقعه العم سليمان. لم يكن يرغب في أن تصل الأمور إلى هذا الحد. ففضيحةٌ كهذه، أمام الملأ، قد تدمر سمعته التي بناها لعقودٍ.

"إذا كنتم مصرين على هذا،" قال العم سليمان، بصوتٍ مليءٍ بالتهديد، "فكونوا مستعدين للعواقب. لن أسمح لأحدٍ بتهديدي أو ابتزازي."

"نحن لا نبتز، يا عم سليمان،" قال الشيخ يوسف، بثباتٍ. "نحن نطالب بالحق. وإن لم نحصل عليه بالتفاهم، فبالقانون. فالقانون فوق الجميع."

في تلك اللحظة، شعر الجميع بثقل المواجهة. كانت الأجواء مشحونةً بالتوتر، وبالمشاعر المتضاربة. العم سليمان، الذي كان يعتقد أنه يملك كل شيءٍ، وجد نفسه أمام تحدٍّ لم يكن يتوقعه.

"حسناً،" قال العم سليمان، بعد لحظةٍ صمتٍ طويلةٍ، "سأنظر في الأمر. ولكن، لا تتوقعوا مني أن أستسلم بسهولةٍ. لديّ مستشارون، ولديّ محامون. وسأدافع عن حقوقي."

"نحن نعلم ذلك،" قال العم صالح، "ولكن، إحقاق الحق هو الأهم. ونحن نثق بأن العدل سينتصر."

غادروا القصر، تاركين العم سليمان يتأمل الملف، ويفكر في العواقب. لقد كانت معركةٌ شرسةٌ، ولكنها لم تنتهِ بعد. لقد ألقى أحمد ونور، بجرأةٍ وشجاعةٍ، الحقيقة في وجه العم سليمان. وكانت هذه مجرد البداية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%