أنت وحدك 176
خيوطٌ متشابكةٌ منْ ماضٍ وحاضرٍ
بقلم مريم الحسن
تسللَ أولُ خيوطِ شمسِ الصباحِ عبرَ نوافذِ المنزلِ، إيذانًا ببدايةِ يومٍ جديدٍ، يومٍ كانَ يحملُ في طياتِهِ خطوةً عمليةً نحو حلمِ الترميمِ. ارتدتْ "لمى" ملابسَ مريحةً تناسبُ طبيعةَ العملِ في موقعِ بناءٍ، معَ حجابٍ عمليٍّ وأنيقٍ. كانتْ في قلبِها خليطٌ منَ الإثارةِ والقلقِ، فالمواجهةُ الأولى معَ المكانِ الذي ستُعيدُ إليهِ الحياةَ، كانتْ تحملُ أبعادًا أعمقَ مما تتصورُ.
عندَ وصولِها إلى المكتبِ، كانَ "يوسف" ينتظرُها، يمسكُ بيدِهِ خوذةً وخطةَ الموقعِ. ابتسامتُهُ كانتْ أوسعَ منْ ذي قبلَ، مشعّةً بالطاقةِ والتفاؤلِ.
"صباحُ الخيرِ، مهندسةَ لمى," قالَ مازحًا، مشيرًا إلى دورِها الجديدِ.
"صباحُ النورِ، مهندسَ يوسف," ردتْ "لمى"، وهيَ تشعرُ بالارتياحِ لقدرتِهِ على كسرِ الرسمياتِ.
"مستعدةٌ لجولةٍ عبرَ الزمنِ؟" سألَ، وهوَ يضعُ خوذتَهُ.
"بالتأكيدِ."
قادَها "يوسف" إلى الموقعِ، الذي كانَ عبارةً عنْ مجموعةٍ منَ المباني القديمةِ، بعضُها متداعٍ، وبعضُها الآخرُ يحتفظُ ببقايا منْ رونقِهِ الماضي. كانَ المكانُ صامتًا، يخلو منَ الحياةِ، لكنَّ "يوسف" كانَ يراهُ بعينِ الخيالِ، يرى فيهِ الحيويةَ والجمالَ الذي سيعودُ إليهِ.
"هنا،" بدأَ "يوسف" وهوَ يشيرُ إلى أحدِ المباني، "كانَ يومًا سوقًا شعبيًّا نابضًا بالحياةِ. سترينَ في الجدرانِ بقايا منَ النقوشِ القديمةِ، وربما تحتَ هذهِ الطبقاتِ منَ الدهانِ، ستكونُ هناكَ كنوزٌ مخفيةٌ."
تجوّلا بينَ الأزقةِ الضيقةِ، بينَ البيوتِ المتلاصقةِ، و"يوسف" يشرحُ كلَّ زاويةٍ، كلَّ جدارٍ، كلَّ بابٍ. كانَ يتحدثُ عنْ تاريخِ المكانِ، عنْ القصصِ التي سمعَها منْ كبارِ السنِّ، عنْ الأحلامِ التي كانتْ تُنسجُ في هذهِ الأماكنِ.
"هذا المنزلُ بالذاتِ," قالَ وهوَ يشيرُ إلى بيتٍ ذي شرفةٍ خشبيةٍ متصدعةٍ، "كانَ بيتَ عائلةٍ عريقةٍ. سمعتُ أنَّهمْ كانوا يملكونَ مكتبةً غنيةً بالكتبِ النادرةِ، لكنَّ الزمنَ أخذَ كلَّ شيءٍ."
تأملتْ "لمى" المنزلَ، وشعرتْ بصدىً غريبٍ. كانَ هناكَ شيءٌ في هذا المكانِ يلامسُ روحَها. ربما هوَ جمالُ الحزنِ الذي يلفُّ المكانَ، أو ربما هوَ إحساسٌ بالمسؤوليةِ تجاهَ إعادةِ الروحِ إليهِ.
"هلْ لديكَ أيُّ فكرةٍ عنْ طبيعةِ النقوشِ التي كانتْ موجودةً هنا؟" سألتْ.
"هذا هوَ السؤالُ الذي نبحثُ عنْ إجابتِهِ," أجابَ "يوسف". "لهذا السببِ نحتاجُ إلى عينِكِ الخبيرةِ. أريدُ منكِ أنْ تتخيلي كيفَ يمكنُ لهذهِ الجدرانِ أنْ تتحدثَ مرةً أخرى. كيفَ يمكنُ لألوانِكِ ونقوشِكِ أنْ تُعيدَ الحياةَ إلى هذا المكانِ."
أخرجتْ "لمى" دفترَ ملاحظاتِها، وبدأتْ ترسمُ بعضَ الأفكارِ الأوليةِ. كانتْ تتخيلُ ألوانًا دافئةً، نقوشًا مستوحاةً منَ الطبيعةِ، وتفاصيلَ دقيقةً تُضفي لمسةً منَ الفخامةِ والبساطةِ في آنٍ واحدٍ.
"أعتقدُ أنَّنا بحاجةٍ إلى استخدامِ ألوانٍ مستوحاةٍ منَ الطبيعةِ المحليةِ،" قالتْ وهيَ ترسمُ. "مثلَ ألوانِ رمالِ الصحراءِ، وألوانِ غروبِ الشمسِ، وألوانِ الزهورِ البريةِ. وأنْ نحاولَ إعادةَ بعضِ النقوشِ التي كانتْ شائعةً في هذهِ المنطقةِ، معَ لمسةٍ عصريةٍ."
"هذا رائعٌ!" قالَ "يوسف"، وهوَ يراقبُ رسوماتِها. "أرى ما ترينَ. لديكِ رؤيةٌ فريدةٌ. هذهِ هيَ بالضبطِ ما نحتاجُهُ."
بينما هما يتحدثانِ، لاحظتْ "لمى" وجودَ شخصٍ يقفُ بعيدًا، يراقبُهما بصمتٍ. كانَ رجلًا في منتصفِ العمرِ، يرتدي ملابسَ قديمةً، وملامحُ وجهِهِ تعكسُ حزنًا عميقًا.
"منْ هذا؟" سألتْ "لمى".
"هذا الحاجُّ سعيدٌ," أجابَ "يوسف". "كانَ يسكنُ هنا منذُ زمنٍ طويلٍ، وهوَ منْ أشدِّ المعارضينَ لهذا المشروعِ. يعتقدُ أنَّنا نُفسدُ تراثَ المدينةِ."
اقتربَ "يوسف" منْ الحاجِّ سعيدٍ، وقالَ: "مساءَ الخيرِ يا حاجَّ سعيدٍ. هلْ تسمحُ لنا ببعضِ وقتِكَ؟"
نظرَ الحاجُّ سعيدٌ إليهما بنظرةٍ باردةٍ. "ماذا تفعلونَ هنا؟ هلْ جئتمْ لتدمروا ما تبقَّى منْ ذكرياتِنا؟"
"نحنُ هنا لإعادةِ الحياةِ إلى هذا المكانِ، يا حاجَّ سعيدٍ," قالَ "يوسف" بهدوءٍ. "لتذكيرِ الناسِ بأصولِهمْ، وبجمالِ ماضيِهمْ."
"ماضيكمْ ماتَ!" قالَ الحاجُّ سعيدٌ بصوتٍ أجشٍّ. "هذهِ البيوتُ شاهدةٌ على قصصٍ كثيرةٍ، على أفراحٍ وأحزانٍ. وأنتمْ تريدونَ محوها."
"لن نمحوها، بلْ سنحفظُها," قالتْ "لمى" بثقةٍ، وقدمتْ خطوةً للأمامِ. "سنعيدُ لهذهِ الجدرانِ صوتَها، لنرويَ للأجيالِ القادمةِ قصصَكمْ. لكنَّنا نحتاجُ إلى مساعدتِكمْ، نحتاجُ إلى معرفتِكمْ."
نظرتْ "لمى" إلى الحاجِّ سعيدٍ بعينينِ صادقتينِ، وابتسامةٍ هادئةٍ. كانتْ ترى في عينيهِ ألمًا عميقًا، وحبًّا للمكانِ.
"أنا أتذكرُ هذا البيتَ," قالَ الحاجُّ سعيدٌ، مشيرًا إلى المنزلِ ذي الشرفةِ المتصدعةِ، وصوتُهُ يخفتُ. "كانَ بيتَ جدي. كانتْ جدتي تُحبُّ الجلوسَ على الشرفةِ، تسقي الزهورَ، وتُصلّي."
"وها نحنُ سنعيدُ لهُ الحياةَ،" قالتْ "لمى". "سنُعيدُ لهُ رونقَهُ، وسنُعيدُ إليهِ ذكرياتِ جدتِكَ."
ترددَ الحاجُّ سعيدٌ للحظةٍ، ثمَّ قالَ: "إذا كنتمْ حقًّا تريدونَ الحفاظَ على الروحِ، فربما..."
كانتْ هذهِ الكلمةُ كافيةً. شعرَ "يوسف" و"لمى" بأنَّ هناكَ بصيصَ أملٍ. ربما لمْ يكنِ الاختلافُ بينهمْ كبيرًا كما بدا. ربما كانتْ لديهمْ أهدافٌ مشتركةٌ، وإنْ اختلفتِ الطرقُ.
في طريقِ العودةِ، كانَ الصمتُ يسودُ بينَ "يوسف" و"لمى". لكنَّهُ لمْ يكنْ صمتًا سلبيًّا، بلْ كانَ صمتًا تأمليًّا.
"يبدو أنَّ لكلِّ مكانٍ قصتَهُ الخاصةَ، وأنَّ لكلِّ شخصٍ سببًا لشعورِهِ," قالتْ "لمى" كأنَّها تُعلقُ على ما حدثَ.
"بالتأكيدِ," أجابَ "يوسف". "وإنَّ مهمتَنا هيَ أنْ نفهمَ هذهِ القصصَ، وأنْ نُعيدَ بناءَها بشكلٍ يليقُ بها."
"ولكنْ، هلْ نستطيعُ فعلَ ذلكَ؟ هلْ نستطيعُ حقًّا أنْ نُرضيَ الجميعَ؟"
"لن نُرضيَ الجميعَ، لكنَّنا سنبذلُ قصارى جهدِنا. والنتيجةُ هيَ ما سيُشكلُ المستقبلَ."
نظرتْ "لمى" إلى "يوسف". كانتْ ترى في عينيهِ مزيجًا منَ الإصرارِ والشغفِ، لكنَّها رأتْ أيضًا شيئًا آخرَ. رأتْ لمحةً منَ القلقِ، ربما بسببِ الحاجِّ سعيدٍ، أو ربما بسببِ