أنت وحدك 176
ظلال الماضي وأشباح اللحظة
بقلم مريم الحسن
كانت تلك الليلة كفيلة بأن ترسم على وجه "فاطمة" خطوطاً لم تكن موجودة في يوم سابق. جلست في غرفتها، التي كانت بالأمس ملاذاً للفرح والأحلام الوردية، لتصبح اليوم سجناً مظلماً تئن جدرانه تحت وطأة الخوف والندم. الشمعة المرتعشة في يدها كانت ترسم على وجهها الظلال الراقصة، أشبه بأشباح الماضي التي بدأت تعود لتطاردها. "أنت وحدك 176" لم تعد مجرد عبارة على ورقة، بل أصبحت واقعاً قاسياً يتجسد أمام عينيها في كل زاوية.
"ماذا فعلت؟" همست لنفسها، وصوتها بالكاد سُمع. كانت الكلمات تتردد في أذنيها كصدى لأصوات متهمة. هل كانت هي حقاً من سمحت لهذا العبث أن يتسلل إلى حياتها؟ هل كانت هي من فتحت الباب لأفكار لم تكن يوماً تفكر بها؟ السهر الطويل، ذلك المدعو "برنامج" كما يسميه أخوها، أصبح هو سيد اللحظة. تحول من مجرد تسلية، إلى إدمان خفي بدأ ينهش روحها. بدأت تفقد شهيتها، تقلل من نومها، وتنسى واجباتها. كانت تجلس أمام الشاشة، عيناها زائغتان، تحدق في الصور المتحركة، في الأصوات السريعة، في العوالم الافتراضية التي أصبحت أكثر واقعية من عالمها الحقيقي.
تذكرت كلمات والدتها الحانية، ونصائحها الغالية. "يا ابنتي، العيون التي تعتاد على النور لا ترى في الظلام إلا ظلاماً." كانت تلك الكلمات بسيطة، لكنها الآن تعود إليها بقوة، وكأنها تحمل مفتاحاً لبوابة أغلقتها بنفسها. حاولت أن تغلق الحاسوب، لكن يدها تجمدت في الهواء. كان هناك شيء يشدها، شيء أقوى من إرادتها. شعور بالوحدة، بالفراغ، بالضياع. يبدو أن هذا البرنامج، هذا العالم الرقمي، قد سدّ الفجوة التي خلقتها مشاعرها المتضاربة.
كانت تفكر في "عمر". كان آخر ما رأته في عينيه قبل أن يذهب إلى عمله هو القلق. كان يحاول جاهداً أن يفهم ما يجري لها، لكنها كانت تختلق الأعذار، وتكذب ببراءة زائفة. "مجرد صداع، يا عمر. أردت فقط أن أرتاح قليلاً." كان يبتلع كلامها، لكن عينيه كانتا تبحثان عن حقيقة أعمق. كان يحبها، وكان يراقبها. ولكن هل كان يراقب إدمانها؟ هل كان يرى أن "فاطمة" التي يعرفها بدأت تتلاشى، وتحل محلها شبيهة زائفة؟
في تلك الليلة، تسللت شادية، أختها الصغرى، إلى غرفتها. كانت الشمعة قد انطفأت، والنور الخافت من نافذة الغرفة يكشف عن وجه فاطمة الشاحب. "فاطمة؟ هل أنتِ نائمة؟" سألت بصوت خافت. لم تجب فاطمة. شعرت فاطمة بوجود أختها، وبقلبها المتألم، لم تستطع أن تخفي دموعها التي بدأت تتساقط بصمت.
اقتربت شادية، وجلست على حافة السرير. "ما بكِ يا فاطمة؟ منذ أيام وأنتِ هكذا. لا تتحدثين، ولا تأكلين، ولا تفعلين شيئاً إلا الجلوس وحيدة." تنهدت فاطمة، وارتعش صوتها وهي تقول: "لا شيء يا شادية. مجرد تعب."
"تعب؟" كررت شادية، ويديها الصغيرتان تمسكان بيد فاطمة. "هذا ليس تعب. هذا شيء آخر. رأيتكِ البارحة. تجلسين لساعات أمام الحاسوب، ولا تفعلين شيئاً سوى النظر. أحياناً تبكين، وأحياناً تبتسمين فجأة. كأنكِ تعيشين في عالم آخر."
ارتجفت فاطمة. أختها الصغيرة، بنقاء قلبها، رأت ما لم يستطع الكبار أن يروه. "لا يا شادية، أنتِ لا تفهمين."
"وما الذي لا أفهمه؟" سألت شادية ببراءة، لكن عينيها كانتا مليئتين بالذكاء. "أنا أفهم أنكِ حزينة. وأفهم أنكِ تخفين شيئاً. أمي تقول دائماً: 'الصدق راحة، والكذب عذاب.' هل أنتِ تتعذبين يا فاطمة؟"
كلمات شادية، كالسهم، اخترقت جدار الصمت الذي بنته فاطمة حول نفسها. بكت بصوت عالٍ، بكاءً حاراً، بكاءً طالما كتمته. احتضنتها شادية، وهي تسمع أنينها، وشعرت بمسؤولية كبيرة. كانت فاطمة، أختها الكبرى، قدوتها. ولم تكن ترغب أبداً أن تراها هكذا.
"ما هو هذا البرنامج الذي يجلس أمامكِ طوال الوقت؟" سألت شادية بلطف. ترددت فاطمة، ثم همست: "مجرد شيء... شيء أفعله لأشعر بالراحة." "بالراحة؟" استغربت شادية. "أمي تصلي لترتاح. أبي يقرأ القرآن ليرتاح. وأنتِ تجلسين أمام هذه الشاشة لتشعري بالراحة؟ هل هذا يرضي الله يا فاطمة؟"
سؤال شادية البسيط، المدعوم بفطرتها السليمة، هزّ كيان فاطمة. هل هذا يرضي الله؟ هل هذا ما علمها إياه دينها؟ هل هذا ما كانت تريد أن تعرضه أمام ربها؟ شعرت بالخجل، بالعار.
"لا يا شادية. هذا لا يرضي الله." اعترفت فاطمة بصوت مخنوق. "إذن، لماذا تفعلينه؟" "لأنني... أشعر بالوحدة." خرج الاعتراف بصعوبة. "أشعر أن لا أحد يفهم ما بداخلي." "لكن أنا أفهمكِ!" قالت شادية بحماس. "وأمي تفهمكِ، وأبي يفهمكِ، وعمر يفهمكِ. نحن عائلتكِ. لماذا لا تتحدثين معنا؟"
كانت هناك لحظة صمت. فاطمة تنظر إلى وجه أختها البريء، وتشعر بثقل المسؤولية. كانت تدرك أن هذا البرنامج لم يكن مجرد تسلية، بل كان هروباً. هروباً من واقع، ومن مشاعر، ومن مسؤوليات. كان إدماناً صامتاً، ينمو في الظلام، ويهدد بتدمير كل شيء جميل في حياتها.
"لقد أخطأت يا شادية. لقد أخطأت كثيراً." قالت فاطمة، والدموع تبلل وجهها. "لقد سمحت لهذا الشيء بأن يسيطر عليّ." "لكن يمكنكِ أن تتوقفي." قالت شادية بثقة. "كل شيء يمكن أن يتوقف إذا أردتِ. هل تريدين أن تتوقفي؟"
نظرت فاطمة إلى شاشات الحاسوب المغلقة، ثم إلى وجه أختها. شعرت بأن هناك بصيص أمل يتسلل إلى قلبها. بصيص أمل صغير، ولكنه كافٍ لتشعل فيه شعلة المقاومة.
"نعم يا شادية. أريد أن أتوقف." قالت بصوت أقوى هذه المرة. "ولكن... لا أعرف كيف." "سنفعلها معاً." قالت شادية بابتسامة مشرقة. "سنبدأ من الغد. سنجلس معاً، ونقرأ. أو نتحدث. أو نرسم. أي شيء، إلا هذه الشاشة. وسأخبر أمي وأبي. سيساعدوننا."
في تلك اللحظة، شعرت فاطمة بشيء يتغير بداخلها. شعرت بأنها ليست وحدها. وأن هناك من يقف معها، يدعمها. وأن "أنت وحدك 176" يمكن أن تتحول إلى "نحن معاً". ولكن الطريق لن يكون سهلاً. فالإدمان، حتى لو كان صامتاً، يترك أثراً عميقاً. وسيتطلب منها جهداً خارقاً، وإيماناً قوياً، وعوناً من أحبائها، لتنتصر على ظلال الماضي وأشباح اللحظة.