الفصل 1 / 25

حب أبدي 177

ريحٌ تعصفُ بقلبِ الصحراء

بقلم سارة العمري

تسللت خيوطُ الفجرِ الأولى، باهتةً كأنها تترددُ في عوالمِ الوجود، لترسمَ على رمالِ الصحراءِ الذهبيةِ لوحةً متجددةً كلَّ صباح. في تلكَ اللحظةِ الساحرة، حيثُ يتمازجُ السكونُ العميقُ معَ هديرِ الريحِ الخافت، كانت "ليلى" تقفُ على شرفةِ قصرِ جدها المهيب، متنفسةً عبقَ الترابِ المبللِ بندى الصباح، وعينانِ تلمعانِ ببريقِ حلمٍ بعيد، وقلبٌ يخفقُ بصوتٍ لا يسمعهُ إلا هي.

كانت "ليلى" فتاةً لم تتجاوزَ العشرين، تجمعُ بينَ رقةِ الزهورِ وعنادِ الصخور، تتجلى فيها صلابةُ الأجدادِ وعنفوانُ الشباب. شعرُها الأسودُ الداكنُ، الذي تنسدلُ خصلاتهُ على كتفيها كشلالٍ ليلي، كانَ يراقصُ نسيمَ الصباحِ العليل. كانت ترتدي ثوبًا فضفاضًا بلونِ السماءِ الصافية، يتماشى معَ هيبةِ المكانِ وهدوءِ روحها.

لكنَّ هذا الهدوءَ لم يكنْ ليخفيَ الاضطرابَ الذي كانَ يعتريها. كانت تنتظرُ. تنتظرُ بخوفٍ وشوقٍ ممزوجين، تنتظرُ خبرًا سيُغيرُ مسارَ حياتها. فقدْ اجتمعَ شيوخُ القبيلةِ في ديوانِ جدها، "الشيخِ سليمان"، صاحبِ الكلمةِ الفصلِ والحكمةِ الرصينة، ليبحثوا في أمرٍ جللٍ يتعلقُ بمستقبلِ "آلِ القاسم" العريق.

أغلقت "ليلى" عينيها، مستحضرةً تفاصيلَ تلكَ الليلةِ الماضية. صوتُ جدها الرخيم، ووجهُه الذي يعكسُ عبءَ السنينِ ووقارَ الأيام، وكلماتُه التي انبعثتْ منْ صدرٍ يعتصرهُ الألمُ والفخر: "يا ابنتي، إنَّ اسمَ عائلتِنا لم يُلطخْ قط. لقدْ أقمنا شراكاتٍ مجيدة، وحمينا أرضَنا، وحفظنا ماءَ وجهِنا. والآن، أمامَنا تحدٍّ كبير. إنَّ "خالدَ بنَ سعدٍ" قدْ طلبَ يدكِ رسمياً. إنهُ رجلٌ شهمٌ، ذو نسبٍ وجاهٍ، وقدْ يجمعُ بينَ بيتنا وبيتهِ علاقةً قويةً تعودُ بالخيرِ على الجميع."

كانت "ليلى" تعلمُ أنَّ هذا الزواجَ ليسَ مجردَ اختيارٍ شخصي، بلْ هوَ ارتباطٌ بينَ قبيلتينِ لهما تاريخٌ طويلٌ منَ التحالفاتِ والصراعات. "خالدُ بنُ سعدٍ"، الشابُ الذي لمْ ترهُ إلا مراتٍ قليلة، كانَ رمزًا للقوةِ والهيمنةِ في القبيلةِ المجاورة. شابٌ جميلُ الطلعة، قويُّ البنية، يمتلكُ عينينِ حادتينِ تحملانِ بريقَ السلطة.

شعرت "ليلى" ببرودةٍ تسري في عروقها. لمْ تكنْ تكرهُ "خالدَ"، ولكنَّ فكرةَ أنْ يقترنَ مصيرها بمصيرِ رجلٍ لا تعرفهُ حقَّ المعرفة، وأنْ تُصبحَ زوجةً لرجلٍ قدْ لا تشاركهُ شيئًا سوى اسمِ العائلة، كانتْ ثقيلةً على قلبها. قلبٌ كانَ ينبضُ بحبٍّ آخر، حبٍّ لمْ يُولدْ بعد، حبٍّ كانَ ينمو في زوايا روحها كزهرةٍ بريةٍ تتحدى قسوةَ المناخ.

فجأةً، انفتحَ بابُ الشرفةِ ببطء، ودخلَ منها "فهد"، شقيقها الأكبر، شابٌ في منتصفِ العشرين، ذو ملامحَ حادةٍ وعينينِ بنيتينِ نافذتين. كانَ يرتدي جلبابًا عربيًا أصيلًا، ويعتمرُ عمامةً بيضاءَ ملفوفةً بإتقان. كانَ وجهه يعكسُ قلقًا خفيًا، وابتسامةٌ باهتةٌ ارتسمتْ على شفتيهِ عندما لمحَ "ليلى".

"صباحُ الخيرِ يا أختي الجميلة،" قالَ بصوتٍ أجشٍ بعضَ الشيء. "ما الذي أتيتِ بهِ إلى هنا بهذهِ الباكورة؟ هلْ تستقبلينَ الشمسَ وحدكِ؟"

اقتربَ منها، ووضعَ يدهُ على كتفها بحنانٍ أخوي. "هلْ سمعتِ شيئًا؟" سألَ بصوتٍ خافت.

هزت "ليلى" رأسها، وعيناها تتجهانُ نحو الأفقِ البعيد، حيثُ تلوحُ أطلالُ قلعةٍ قديمةٍ في ضبابِ الصباح. "لا شيءٌ بعد. ولكنَّ الصمتَ أشدُّ وطأةً منْ أيِّ كلام."

تنهد "فهد"، وبدا عليهِ الإرهاق. "أتمنى لو أنَّ الأمرَ يتوقفُ عندَ الحدود. ولكنَّ الأعرافَ أقوى منْ رغباتنا."

"هلْ الأمرُ هكذا دائمًا يا فهد؟" سألت "ليلى"، وصوتها يحملُ نبرةً منْ الأسى. "هلْ نحنُ مجردُ بيادقَ في لعبةِ مصائرٍ لا نملكُ زمامها؟"

"هكذا هيَ الحياةُ يا ليلى. وخاصةً حياةُ أمراءِ الصحراء. ولكنَّ جدكَ حكيمٌ، وسيختارُ الأفضل."

"وماذا لو كانَ الأفضلُ ليسَ ما تريدهُ قلوبنا؟"

نظرَ "فهد" إليها طويلاً، وكأنهُ يقرأُ ما يدورُ في عقلها. "هنا يكمنُ التحدي، يا صغيرتي. هنا يكمنُ اختبارُ الإيمانِ والصبر."

انقطعتْ كلماتهُم بصوتِ خطواتٍ سريعةٍ تقترب. ثمَّ ظهرَ "سلطان"، الساعدُ الأيمنُ لجدها، رجلٌ صامتٌ قليلُ الكلام، ولكنهُ مخلصٌ ووفيٌّ. وجههُ البسيطُ يكشفُ عنْ ذكاءٍ حاد، وعيناهُ اللامعتانِ تلاحقانِ كلَّ شيء.

"سموَّ الشيخِ سليمان يطلبُ حضورَكِما،" قالَ بصوتٍ هادئٍ ومباشر. "القرارُ قدْ اتُخِذ."

شعرت "ليلى" بارتعاشةٍ مفاجئة. أمسكتْ بذراعِ "فهد" بقوة، وكأنها تبحثُ عنْ ملجأ. نظرَ إليها "فهد" بعينينِ تشجعانِها، ثمَّ توجها معًا نحو قاعةِ الديوانِ الكبيرة، حيثُ تنتظرُ القراراتُ مصائرَهم.

دخلت "ليلى" القاعةَ، وشعرتْ بأنَّ الهواءَ فيها ثقيلٌ ومشبعٌ بالترقب. كانتْ الشمسُ قدْ بدأتْ ترسلُ أشعتها الذهبيةَ عبرَ النوافذِ العالية، لتُضيءَ جدرانَ القاعةِ المزينةَ بالنقوشِ العربيةِ الأصيلة. جلسَ "الشيخُ سليمان" على كرسيٍّ فخمٍ، يعلوه تاجٌ مصقولٌ يعكسُ نورَ الشمس. بدا وجهُه أكثرَ شحوبًا منْ المعتاد، ولكنَّ عينيهِ كانتا لا تزالانِ تحملانِ بريقَ القوةِ والحكمة.

وقفَ الرجالُ الشيوخُ، وهمْ يمثلونِ أركانَ القبيلة، يحيطونَ بالشيخِ كالهالة. ثمَّ تقدمَ "خالدُ بنُ سعدٍ"، واقفًا على يسارِ الشيخ، يبدو واثقًا منْ نفسه، وينظرُ نحو "ليلى" بنظرةٍ لا تخلو منْ الفضول.

"بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم،" بدأ "الشيخُ سليمان" بصوتٍ جهوريٍّ يترددُ في أرجاءِ القاعة. "يا أبناءَ عمي، ويا أهلَ الديار. لقدْ اجتمعنا اليومَ لنتدارسَ أمرًا عظيمًا، أمرًا يتعلقُ بمستقبلِ أجيالنا. وقدْ أتممنا الاستخارةَ، وتشاورنا معَ أهلِ الرأي. وقدرُ اللهِ ما شاءَ فعل."

توقفَ قليلاً، ثمَّ أكملَ: "لقدْ قبلنا عرضَ آلِ سعدٍ. سوفَ يتمُّ زواجُ "ليلى" منْ "خالدٍ". إنَّ هذا الزواجَ ليسَ مجردَ رباطٍ بينَ شابٍ وفتاة، بلْ هوَ وثيقةُ حبٍّ وتعاونٍ بينَ قبيلتينِ عظيمتين، وثيقةٌ تضمنُ لنا الأمانَ والقوةَ في زمنٍ تشتدُّ فيهِ المحن."

شعرت "ليلى" وكأنَّ الأرضَ تميدُ بها. نظرتْ إلى "خالدٍ"، الذي كانَ ينظرُ إليها بابتسامةٍ خفيفةٍ تحملُ في طياتها وعدًا غامضًا. ثمَّ رفعتْ بصرها نحو جدها، الذي بدا عليهِ الأسفُ وعدمُ الرضا.

"ولكنَّ الشروطَ واضحة،" استطردَ الشيخُ بجدية. "يجبُ أنْ يتمَّ الزواجُ خلالَ ثلاثةِ أشهر. وفي هذهِ الفترة، يجبُ على "خالدٍ" أنْ يُثبتَ جدارتَه، وأنْ يُظهرَ أخلاقهُ الكريمة. كما يجبُ على "ليلى" أنْ تُبديَ حسنَ الطاعةِ والأخلاق. ولأنَّ قلوبَ الشبابِ قدْ تتغيرُ، ولأنَّ الحبَّ الحقيقيَّ ينمو بالمعرفةِ والاحترام، فإنَّنا سنمنحُهما فرصةً للتلاقي، تحتَ رقابةٍ صارمةٍ وحفظٍ للعاداتِ والتقاليد."

هذهِ الجملةُ الأخيرةُ كانتْ بمثابةِ بصيصِ نورٍ في قلبِ "ليلى". فرصةٌ للتلاقي؟ لمعرفةِ هذا الرجلِ الذي سيُصبحُ زوجها؟ ربما لمْ يكنْ الأمرُ ميؤوسًا منهُ تمامًا.

"والآن،" قالَ الشيخُ سليمان، وقدْ استجمعَ قوته، "ليتقدمْ "خالدٌ" ليُبايعَ "ليلى" على سنةِ اللهِ ورسولهِ. ولتُقدمْ "ليلى" عنْ علمِ ورضا."

تقدمَ "خالدُ" بخطواتٍ واثقة، وحيا "ليلى" بكلماتٍ رنانةٍ وصادقة، تعاهدها فيها بالوفاءِ والحماية. نظرت "ليلى" في عينيه، وحاولتْ أنْ تقرأَ ما وراءَ تلكَ النظرةِ الواثقة. هلْ كانَ هناكَ شيءٌ حقيقيٌّ خلفَ هذا العرضِ الرسمي؟

"هلْ أنتِ راضيةٌ يا ابنتي؟" سألَها الشيخُ سليمان، وقدْ اتجهَ ببصرهِ نحوها.

صمتت "ليلى" للحظة، ثمَّ استجمعتْ قواها، ونطقتْ بصوتٍ هادئٍ ولكنهُ ثابت: "رضيتُ، يا جدي، امتثالاً لأمرِ اللهِ ثمَّ أمرِكم."

شعرتْ بصدى كلماتها يترددُ في أرجاءِ القاعة، وأحستْ بأنَّ حياتها قدْ اتخذتْ منحىً جديدًا، منحىً لمْ تخترهُ بنفسها، ولكنها ستسعى جاهدةً لتُزيّنَهُ بألوانِ الأملِ والرضا.

انتهى الاجتماعُ، وبدأتْ همساتُ التهاني تتناقلُ بينَ الحاضرين. خرجت "ليلى" منْ القاعة، تحملُ في قلبها ثقلَ القرار، ولكنَّها أيضًا تحملُ أملًا خفيًا في أنَّ هذهِ البدايةَ الجديدة، قدْ تحملُ في طياتها ما لمْ تتوقعه.

في الخارج، كانت الشمسُ قدْ اكتستْ لونَ الذهبِ الخالص، ونسيمُ الصحراءِ حملَ معهً رائحةَ الياسمينِ والأمل. وقفت "ليلى" وحدها على الشرفةِ مرةً أخرى، تنظرُ إلى الأفقِ الشاسع. لمْ تعدْ الفتاةَ التي كانتْ بالأمس. لقدْ أصبحتْ خطيبةً، وزوجةً في المستقبلِ القريب. ولكنَّها شعرتْ بقوةٍ جديدةٍ تنبعثُ منْ داخلها، قوةُ امرأةٍ على وشكِ خوضِ معركةٍ حياتها. ولمْ تكنْ تدري أنَّ هذهِ المعركةَ ستكونُ أكثرَ تعقيدًا وعمقًا مما تتخيل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%