حب أبدي 177
اقتحام الماضي وسباق مع الزمن
بقلم سارة العمري
كانت الشوارع شبه خالية في هذه الساعة المتأخرة من الليل، تخترقها أضواء المصابيح الخافتة، وتلفها سكونٌ يبعث على الرهبة. قاد أحمد سيارته بحذرٍ شديد، بينما كانت سارة تجلس بجانبه، وقلبها يدق بعنفٍ في صدرها. كانت عيناهما تتفقدان الطريق باستمرار، في محاولةٍ للتأكد من أنهما لا يسيران في فخ.
"هل أنتِ متأكدةٌ أن والدتكِ لم تعد تملك المنزل؟" سأل أحمد بصوتٍ خفيض.
"أعتقد ذلك،" أجابت سارة. "لقد باعته قبل سنواتٍ طويلة. ولكن، حتى لو كان مملوكًا لشخصٍ آخر الآن، فإن هذا المنزل القديم… له ذكرياتٌ عميقةٌ لدي. ربما يكون هذا الدولاب لا يزال هناك."
وصلوا إلى حيٍّ هادئٍ ومنعزل. بدت المنازل فيه قديمةً، ولكنها تحمل بصمات الزمن. توقفت سيارة أحمد أمام منزلٍ مهجورٍ بعض الشيء، طلاؤه متقشرٌ، ونوافذه مغطاةٌ بالغبار. كان يبدو وكأنه يحمل في طياته قصصًا من الماضي.
"هذا هو،" قالت سارة بصوتٍ مختنق. "لقد عشتُ طفولتي هنا. والدتي كانت دائمًا تخاف من هذه الغرفة الخلفية، غرفة التخزين. كانت تقول إنها مكانٌ للأشباح."
نزل أحمد وسارة من السيارة. كانت الرياح الباردة تلسع وجوههما. نظر أحمد إلى المنزل بعينٍ فاحصة. "يجب أن نكون حذرين. من يدري من قد يكون في الداخل، أو قد يكون يراقبنا."
فتح أحمد حقيبة أدواته. كان يحمل بعض المعدات اللازمة لدخول الأماكن المغلقة، ولكن بحذرٍ ودون إحداث ضجة. وجد نافذةً خلفيةً تبدو أضعف من البقية. بدأ في محاولة فتحها بلطف.
بعد دقائقٍ معدودة، سمع صوت "كليك" خافت، وانفتحت النافذة. تسللا إلى الداخل، وهما يلتصفان بالظلال. كان المكان مظلمًا ورطبًا. تفوح منه رائحة العفن والغبار.
"هنا،" همست سارة، وهي تشير إلى بابٍ خشبيٍّ صغيرٍ في نهاية الممر. "هذه هي غرفة التخزين."
تقدم أحمد نحو الباب. كان يبدو قديمًا ومتينًا. بحث عن أي أثرٍ للدولاب الذي وصفته سارة. "هل كان الدولاب داخل الغرفة، أم جزءًا من الجدار؟"
"لا أتذكر بالضبط،" قالت سارة. "لكنني متأكدةٌ أنه كان هنا في مكانٍ ما."
بدأ أحمد بالبحث بعناية. كان يلمس الجدران، يبحث عن أي شيءٍ غير طبيعي. وبينما كان يقوم بذلك، سمع صوتًا خافتًا من الخارج. صوت سيارة.
"أحمد!" همست سارة بذعر. "أعتقد أنهم وجدونا."
"اهدئي،" قال أحمد بهدوءٍ مصطنع، رغم شعوره المتزايد بالخطر. "ربما يكونون مجرد عابرين. ولكن، علينا أن نسرع."
استمر أحمد في البحث، وعيناه تتحركان بين الجدران. فجأة، لاحظ شيئًا غريبًا في أحد الجدران. كانت هناك قطعةٌ خشبيةٌ تبدو مختلفةً قليلاً عن البقية. بدأ في الضغط عليها.
"أعتقد أنني وجدته!" قال أحمد.
مع ضغطةٍ إضافية، سمع صوت "طقطقة" خافتة، وانفتحت قطعةٌ من الجدار، كاشفةً عن دولابٍ صغيرٍ مخفيٍّ. كان دولابًا خشبيًا قديمًا، بدا وكأنه جزءٌ من تصميم الجدار نفسه.
"هذا هو!" صاحت سارة. "هذا هو الدولاب الذي تحدث عنه والدي!"
أخرج أحمد المفتاح الصغير من جيبه. كان يتناسب تمامًا مع قفل الدولاب. أدخله، وأداره. سمع صوت "رنة" خافتة، وانفتح الدولاب.
في الداخل، لم تكن هناك كنوزٌ أو مجوهرات. بل كانت هناك أكوامٌ من الأوراق والملفات. كانت هناك مستنداتٌ قديمة، وعقود، وصورٌ. وبينها، وجدوا سجلًا صغيرًا، يبدو أنه دليلٌ شاملٌ لكل شيء.
"هذه هي المستندات،" قالت سارة، وقد غمرتها مشاعرٌ مختلطة. "هذه هي كل الحقيقة."
في تلك اللحظة، سمعوا صوتًا قويًا قادمًا من الباب الأمامي للمنزل. "افتحوا الباب! نحن الشرطة!"
تجمد أحمد وسارة في مكانهما. "شرطة؟" تساءلت سارة. "كيف عرفوا؟"
"لا وقت للتساؤلات،" قال أحمد. "علينا أن نأخذ ما نستطيع، وعلينا أن نخرج من هنا!"
بدأ أحمد بسرعةٍ في جمع المستندات الرئيسية، بينما كانت سارة تحاول تذكر أي شيءٍ آخر قد يكون مهمًا. كانت الأبواب الخلفية للمنزل تفتح، وسمعوا أصواتًا تتردد في الخارج.
"أحمد، هذا ليس جيدًا،" قالت سارة. "ربما لم يكن هؤلاء شرطةً حقيقيين. ربما كانوا من رجال سعيد منصور، متنكرين."
"لا يهم الآن،" قال أحمد. "علينا الخروج."
فتح أحمد النافذة التي دخلا منها، وبدأ يحاول إخراج سارة. ولكن، في تلك اللحظة، دخل رجلٌ ضخمٌ إلى غرفة التخزين. كان يرتدي زيًا رسميًا، ولكن عيناه كانت تحمل بريقًا شريرًا.
"لن يذهب أحدٌ إلى أي مكان،" قال الرجل بصوتٍ أجش.
"من أنت؟" سأل أحمد، وقد وقف أمام سارة لحمايتها.
"اسم لا يهمك. ما يهم هو أن هذه المستندات ملكٌ لسيدنا سعيد منصور."
"هذه المستندات تخص والدي،" قالت سارة بشجاعة. "وهي تخص الحقيقة."
"الحقيقة؟" ضحك الرجل. "الحقيقة هي ما يمليه الأقوياء. الآن، سلموا ما لديكم، وإلا…"
بدأ الرجل يتحرك نحوهم. شعر أحمد بأن قلبه سيخرج من صدره. لم يكن يريد أن يؤذي أحدًا، ولكنه كان مستعدًا للدفاع عن سارة وعن الحقيقة.
وفجأة، سمعوا صوتًا آخر. صوت صفارات إنذارٍ قوية.
"هذا يبدو كأنها الشرطة الحقيقية،" قال أحمد.
"كيف؟" تساءلت سارة.
"ربما كان خالد قد توقع هذا،" قال أحمد. "وقد استعد."
اندفع رجلٌ آخر إلى الغرفة، وهو يصرخ: "قف مكانك! أنت تحت الاعتقال!"
كان هذا الرجل هو طارق، ولكن هذه المرة، كان مع مجموعةٍ من رجال الشرطة الحقيقيين.
"طارق؟" قال الرجل الضخم. "كيف…؟"
"لقد انتهى زمن اللعب، يا منصور،" قال طارق، وقد ابتسم بسخرية. "أحمد قد أخبرنا بكل شيء. لقد كنتُ أراقبك طوال الوقت."
اتضح أن طارق لم يكن مجرد شخصٍ يعمل لصالح سعيد منصور. لقد كان عميلاً سريًا يعمل لصالح الشرطة، وكان ينتظر اللحظة المناسبة للإيقاع بسعيد منصور ورجاله. لقد استخدم أحمد كأداةٍ للكشف عن شبكة سعيد منصور، ولكنه كان ينوي القبض عليهم في النهاية.
اشتدت المواجهة. تمكن أحمد وسارة من الهرب عبر النافذة، بينما كان رجال الشرطة يلقون القبض على رجال سعيد منصور.
ركضا باتجاه سيارة أحمد، وقلوبهما تنبض بالانتصار والخوف. لقد كشفت الحقيقة، ولكنها كانت رحلةً محفوفةً بالمخاطر.
"أحمد، ما حدث؟" سألت سارة وهي تركب السيارة.
"لقد كان كل شيءٌ جزءًا من خطة طارق،" قال أحمد. "لق