الفصل 19 / 25

حب أبدي 177

في دروب الماضي وحكم القدر

بقلم سارة العمري

كانت الليالي بعد تلك الحادثة تزداد سكوناً، ولكن هذا السكون لم يكن سكون الطمأنينة، بل سكون ما قبل العاصفة، سكونٌ يشدّ الأعصاب ويُحكم القبضة على الأنفاس. ليلى، التي اعتادت على النوم الهانئ، أصبحت تتكئ على وسادتها، تتأمل سقف غرفتها، وقلبها يخفق بعنفٍ على إيقاع الأسئلة الحائرة. كل كلمةٍ سمعتها، كل نظرةٍ تبادلتها، كل همسةٍ تسربت إلى مسامعها، كانت تتجمع في عقليتها كقطعٍ مبعثرةٍ من أحجيةٍ معقدة.

لقد واجهت أباها مراتٍ عدة، سألته عن سبب الغضب الذي استبدّ به، وعن السر الذي يبدو أنه يفصل بين عائلتها وعائلة آل الفهيدي. كان الشيخ عبد الرحمن يكتفي بالصمت، أو يراوغ بكلماتٍ مبهمة. "الأمر معقد يا ابنتي،" كان يقول، "وأنتِ لا تزالين صغيرةً على فهم هذه الأمور." هذه الإجابات لم تزدها إلا حيرةً، ولم تطفئ نيران الأسئلة في صدرها.

في المقابل، كان أحمد يبدو كغريبٍ يمرّ بدارهم مرور الكرام. زياراته أصبحت قليلةً جداً، وفي كل مرةٍ يلقاها، كانت لقاءاتهما سريعةً، عابرة، تكاد لا تتعدى التحية الرسمية. في عينيه، كانت ليلى ترى شيئاً غريباً، مزيجاً من الحزن والارتباك، وكأنه يحمل ثقلاً لا يستطيع البوح به. كان يتجنب نظراتها، وكأن هناك جداراً خفياً قد بُني بينهما، جدارٌ من الصمت والغموض.

في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تتفقد بعض الكتب القديمة في خزانة جدتها، عثرت على صندوقٍ خشبيٍّ قديم، مزين بنقوشٍ فارسيةٍ باهتة. فضولها دفعها لفتحه. بداخل الصندوق، وجدت رسائلَ قديمة، بعضها كان موجهًا إلى جدتها، وبعضها الآخر يبدو أنه كان من شخصٍ مجهول. بدأت تقرأ، والكلمات تتدفق من بين يديها كأنها شلالٌ من الماضي. كانت الرسائل تتحدث عن حبٍّ عميق، عن وعودٍ باللقاء، عن شوقٍ لا ينضب. ولكن ما لفت انتباهها حقاً، هو اسمٌ يتكرر في معظم الرسائل: "مها".

من هي مها؟ لم تسمع بهذا الاسم من قبل قط. وبدا أن الرسائل تحمل في طياتها حزناً عميقاً، وحسرةً على فراقٍ مؤلم. بدأت ليلى تشعر بأن هذه الرسائل تحمل مفتاحاً لشيءٍ ما. مفتاحٌ قد يفسر هذا السكون الغريب الذي لفّ عائلتها، وهذا التوتر الظاهر مع عائلة الفهيدي.

في الوقت نفسه، كان السيد مراد يحاول جاداً إعادة الأمور إلى نصابها. كانت العلاقة مع الشيخ عبد الرحمن تمثل له أهميةً كبيرة، ليس فقط على الصعيد الاجتماعي، بل على الصعيد العملي أيضاً. كان يخشى أن تتفاقم الأمور، وأن تؤثر هذه المشكلة على مصالحه ومصالح عائلته.

"لقد ارتكبت خطأً فادحاً يا أحمد،" قال السيد مراد لابنه، بينما كانا يتناولان العشاء في صمتٍ ثقيل. "كان عليك أن تتعامل مع الأمر بحذرٍ أكبر. لم يكن من المفترض أن تعرف عائلة الشيخ عبد الرحمن تفاصيل تتعلق بوالدتك."

تنهد أحمد. "ولكن يا أبي، لقد أصرّ. لقد ضغط عليّ. وبدا أنني إذا لم أجبه، فلن يقبل بأي اعتذار. ظننت أن إخباره بالحقيقة، ولو جزئياً، سيساهم في حل المشكلة."

"حزئياً؟ لقد كشفت عن سرٍّ دفين! سرٌّ كان من المفترض أن يبقى دفينًا. والدتك… لقد تركت خلفها الكثير من المشاكل."

"لا تقل ذلك يا أبي. والدتي… لقد مرت بظروفٍ قاسية."

"ظروف قاسية؟ وهل هذا يبرر ما فعلته؟ لقد تسببت في إحراجٍ كبير لنا، ولعائلة الشيخ عبد الرحمن. علاقتنا بهم… كانت تاريخية. لم يكن من المفترض أن نكشف لهم عن هذا الأمر. لقد كنت أعرف أن الشيخ عبد الرحمن رجلٌ يعتزّ بكرامته كثيراً، وأن هذه الحادثة لن تمرّ مرور الكرام."

"وماذا نفعل الآن؟" سأل أحمد، وهو يشعر بالإحباط.

"علينا أن نحاول إصلاح ما أفسدته. سأذهب إلى الشيخ عبد الرحمن غداً. سأحاول أن أهدّئ من روعه، وأن أقدم له تفسيراً مقنعاً. علينا أن نبين له أننا نعمل على حل هذا الأمر، وأننا لن نسمح بأن تتأثر علاقتنا."

"ولكن… هل تعتقد أنه سيستمع؟"

"علينا أن نجرب، يا أحمد. لم يعد أمامنا خيار آخر. الأمر تجاوز مجرد مشكلةٍ بين شابٍ وفتاة. لقد أصبح مسألةَ شرفٍ وكرامةٍ للعائلتين. والآن، يجب أن نتصرف بحكمةٍ بالغة."

في تلك الليلة، وبينما كانت ليلى تتصفح الرسائل القديمة، لفت انتباهها رسالةٌ تحمل تاريخاً قديماً جداً، وتوقيعاً كان مختلفاً عن البقية. بدت الرسالة وكأنها تحمل اعترافاً، وندماً. وفي نهاية الرسالة، ذكر اسمٌ كان غريباً جداً، لكنه كان مألوفاً بشكلٍ ما. "عبد الرحمن".

تجمدت ليلى في مكانها. عبد الرحمن؟ هل هو والدها؟ ومن هي "مها" إذاً؟ هل كانت هذه الرسائل تتعلق بوالدتها؟ أم بوالدها؟ بدأت الرموز تتجمع في ذهنها، ولكن بطريقةٍ لم تفهمها بعد.

قررت ليلى أن تقوم بما لم يجرؤ عليه أحمد. قررت أن تواجه والدها. في الصباح التالي، ذهبت إلى مكتب الشيخ عبد الرحمن، بينما كان يستعد للخروج.

"يا أبي،" قالت بصوتٍ متلعثم. "لديّ سؤالٌ مهم."

نظر إليها الشيخ عبد الرحمن، وقد ارتسمت على وجهه علامات القلق. "ما هو يا ابنتي؟"

"من هي مها؟"

تجمد الشيخ عبد الرحمن. عيناه اتسعتا قليلاً، ثم عادتا إلى طبيعتهما. "مها؟ لا أتذكر هذا الاسم. ربما تقصدين إحدى قريباتنا؟"

"لا يا أبي. لقد وجدت رسائل قديمة في خزانة جدتي. كانت موجهة إليها، وتحمل توقيع "مها". والرسائل تتحدث عن حبٍّ عميق، وشوقٍ وحسرة. وفي إحدى الرسائل، ذكر اسمك… عبد الرحمن."

صمت الشيخ عبد الرحمن. كان صمته أبلغ من أي كلام. كان يعلم أن الحقيقة قد بدأت تتكشف. بدأت يتذكر الماضي، الماضي الذي حاول طويلاً أن يدفنه.

"هذه قصصٌ قديمة يا ابنتي،" قال أخيراً بصوتٍ بالكاد مسموع. "قصصٌ من زمنٍ مضى."

"ولكن يا أبي، في إحدى الرسائل، كانت هناك إشارةٌ إلى… إلى مشكلةٍ كبيرة. مشكلةٌ تسببت في فراقٍ مؤلم. ومشكلةٌ تخصّ… تخصّ عائلة الفهيدي."

هنا، بدأ يتسلل شيءٌ من الارتعاش إلى يدي الشيخ عبد الرحمن. كان يعلم أن هذه نقطةٌ حساسة، نقطةٌ قد تؤثر على كل شيء.

"ما الذي تريدين قوله بالضبط يا ليلى؟" سأل، وقد استجمع بعض قوته.

"هل… هل كانت هناك علاقةٌ بين جدتي وبين شخصٍ يدعى مها؟ وهل كان لهذه العلاقة علاقةٌ بعائلة الفهيدي؟ وهل… هل كان لها علاقةٌ بأحمد؟"

هذه المرة، لم يستطع الشيخ عبد الرحمن أن يكتم مشاعره. شعر بأن ثقلاً هائلاً قد ألقي على صدره. لقد كان الأمر يتعلق بأمه، جدة ليلى، التي كانت تعرف سرّاً لم تبح به لأحدٍ طوال حياتها. سرٌّ كان مرتبطاً بعائلة الفهيدي، وبامرأةٍ تدعى مها.

"أحمد؟" قال الشيخ عبد الرحمن، وقد بدا الاسم مفاجئاً بالنسبة له. "ما علاقة أحمد بهذه القصص؟"

"لقد… لقد وجد أحمد في رسائل والدته، يا أبي. يبدو أن هناك شيئاً يربط بين العائلتين، شيئاً أقدم من علاقتنا بأحمد."

كانت هذه هي اللحظة. اللحظة التي تحوّل فيها الغموض إلى حقيقةٍ مؤلمة. لقد كان أحمد، في الواقع، يحاول البحث عن ماضيه، عن تاريخ والدته. وكان قد اكتشف أن هذه القصة، وأن هذه المرأة، "مها"، هي المفتاح.

"لقد كان هناك… حادثٌ قديم،" قال الشيخ عبد الرحمن، وقد بدأت عيناه تلمعان بالدموع. "حادثٌ جعل عائلتي، وعائلة الفهيدي، يبتعدان عن بعضهما البعض. حادثٌ يتعلق بامرأةٍ تدعى مها، وبقرارٍ… بقرارٍ مؤلم."

"ما هو هذا القرار يا أبي؟ وما هو الحادث؟" سألت ليلى، وشعرت بأن قلبها يتجمد.

"لقد كانت مها… حبيبة والدتي، في شبابها. ولكن والدتي، وبسبب ظروفٍ قاهرة، اضطرت إلى… إلى الابتعاد عنها. لم يكن الأمر سهلاً، ولم يكن اختياراً. وفي سبيل الحفاظ على سمعة العائلة، وعلى ما كان يُعتبر "صواباً" في ذلك الوقت، اتخذت قراراً… قراراً كاد أن يحطمها."

"ولكن… ما علاقة أحمد بهذا؟"

"لقد كانت والدة أحمد، يا ابنتي… هي ابنة تلك المرأة، مها. لقد كانت مها قد أصبحت أماً، وكان عليها أن تتخلى عن ابنتها. وبسبب الظروف، وبسبب السرية، تم إرسال ابنتها، والدة أحمد، لتربيتها عائلة أخرى. لم تعرف ابنتها أبداً من هي والدتها الحقيقية، ولم تعرف عائلة الفهيدي أبداً ما حدث."

تجمدت ليلى. كل شيءٍ كان يتكشف أمامها. كل شيءٍ كان يأخذ معناه. إنها ليست مجرد قصة حبٍّ قديمة، بل قصةٌ عائليةٌ معقدة، قصةٌ تركت آثارها على أجيالٍ متعاقبة.

"إذاً… إذاً، أحمد هو… هو قريبٌ لنا؟" سألت بصوتٍ خافت، وهو ما زال غير مصدق.

"نعم يا ابنتي. إنه قريبٌ بعيد، ولكن القرابة موجودة. وهذا ما جعل السيد مراد، والد أحمد، يحاول إصلاح الأمر. لقد كان يبحث عن الحقيقة، وعن ماضيه، وعن ماضي عائلته. وعندما اكتشف، اضطر إلى أن يواجه الشيخ عبد الرحمن."

"ولكن… لماذا كل هذا السر؟ ولماذا الغضب؟"

"لأن هذا السر، يا ابنتي، كان يمثل فضيحةً في ذلك الوقت. ولأن الشيخ عبد الرحمن، والدتي، لم يكن يرغب في أن يعرف أحدٌ شيئاً عن هذا الأمر. لقد عاش حياته في محاولةٍ لنسيان الماضي، وللحفاظ على صورةٍ مثالية. وعندما كشف أحمد عن الأمر، شعر بأن كل شيءٍ قد انهار."

شعرت ليلى بأن قدميها بالكاد تحملانها. لقد انهار عالمها. لم تعد ترى أحمد كشابٍّ أحبته، بل كشخصٍ تربطه بها صلةٌ تاريخيةٌ غامضة.

"وماذا عن… عن المشكلة التي حدثت؟ المشكلة التي سببت غضب أبي؟"

"لقد كان ما حدث بينك وبين أحمد، يا ابنتي، سبباً في ان يواجه السيد مراد، والد أحمد، الشيخ عبد الرحمن. ولكنه، بسبب قلقه وحذره، اضطر إلى أن يكشف له عن جزءٍ من الحقيقة، عن سرّ مها. وهذا ما أثار غضب الشيخ عبد الرحمن، لأنه اعتقد أن السيد مراد قد تجاوز حدوده، وأن التدخل في هذه الأمور أصبح غير مقبول."

"إذن… كل ما حدث كان بسبب الماضي؟ بسبب هذا السر؟"

"نعم يا ابنتي. لقد كان الماضي هو السبب. والآن، علينا أن نواجه هذا الماضي، وأن نجد حلاً. لا يمكننا أن نستمر في العيش في الظل."

نظرت ليلى إلى والدها، ورأت في عينيه حزناً عميقاً، وندماً. لقد كان الماضي يحمله، ويحمل عائلته.

"وماذا عن… أحمد؟ هل سيعرف كل شيء؟"

"لقد عرف جزءاً كبيراً، يا ابنتي. والآن، علينا أن نحدد كيف سنمضي قدماً. لم يعد بالإمكان إخفاء الحقيقة. الحقيقة قد انفجرت، وعلينا أن نتعامل مع تداعياتها."

شعرت ليلى بأنها على حافة هاوية. إنها ليست مجرد قصة حبٍّ، بل قصةُ عائلاتٍ، قصةُ أجيالٍ، قصةُ أسرارٍ دفينة.

"إذاً، يا أبي، هل… هل يمكن أن يكون هناك… مستقبلٌ لنا؟ لأنا وأحمد؟"

نظر إليها الشيخ عبد الرحمن، وقد بدت عيناه مليئةً بالأسى. "الأمر معقدٌ جداً يا ابنتي. لقد تغيرت الأمور. ولم يعد الأمر يتعلق بنا وحدنا. يتعلق الأمر بماضي عائلاتنا، وبما سيحدث مستقبلاً."

شعرت ليلى بأن قلبها يغرق. لقد كانت على وشك أن تبدأ رحلةً جديدة، رحلةً لم تتوقعها أبداً، رحلةً ستكشف لها عن أعماق العلاقات الإنسانية، وعن قوة الماضي، وعن حكم القدر.

فصلٌ ينتهي، وبدا المستقبل مظلماً، ولكنه يحمل في طياته وعداً بالوضوح، وإن كان هذا الوضوح مؤلماً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%