الفصل 4 / 25

حب أبدي 177

نيران الهوى المستترة

بقلم سارة العمري

كانت ليالي الأرق قد احتضنتْ عينيْ "أحمد" طويلاً، تنسجُ حولها ظلالاً قاتمةً لخيالاتٍ لا تستقر، وأصواتٍ تتنازعُ في جوفِ صدره. لم تعدْ قهوةُ الصباحِ تُجدي نفعاً في تبديدِ هذا الضبابِ الذي لَفَّ روحه، ولا بسمةُ والدتهِ الحانيةُ قادرةً على اختراقِ حاجزِ الهمِّ الذي باتَ يُخيمُ على ملامحه. كانَ "أحمد" في صراعٍ داخليٍّ مَرير، صراعٌ لم يُعلنْ عنه لأحد، بل كانَ يُكابدُهُ في عزلتهِ، يُصارعُ وحشاً أليماً يتغذى على قوتهِ ويُطفئُ بريقَ عينيه.

في الأيامِ الأولى بعدَ لقائهِ العابرِ بـ "نور"، كانتْ تلكَ الصورةُ النقيةُ لعيونِها السوداءِ الواسعةِ، وابتسامتها التي حملتْ ظلالَ الحياءِ والعفة، تتسللُ إلى أحلامهِ كنسيمٍ عليل، تُعيدُ إليهِ ما كانَ قد فقدهُ من سكينة. كانتْ تُشبهُ في براءتها وصفاءِ روحها قصةَ حبٍّ خفيةٍ، وردةً يانعةً تتفتحُ في صحراءِ الحياةِ القاسية. لكنْ معَ مرورِ الأيام، ومعَ تزايدِ شغفِهِ بذكراها، بدأَ شيءٌ آخرُ يتسللُ إلى عالمهِ الهش.

لم يكنْ "أحمد" رجلاً ضعيفاً، بل كانَ صاحبَ عزيمةٍ قويةٍ وإصرارٍ لا يلين. لطالما تمسكَ بقيمهِ ومبادئهِ، واستقامَ على دروبِ الحقِ والصواب. لكنَّ هذا الشعورَ الجديد، هذا الانجذابَ العميقَ نحو "نور"، كانَ يُحركُ في داخلهِ عواطفَ جياشةً لم يعتدْها، وشوقاً يتأججُ يوماً بعدَ يوم. كانتْ ذكراها تُصبحُ إدماناً صامتاً، تعويذةً تُبعدُهُ عن واقعهِ، وتُغرقُهُ في بحرٍ من الأفكارِ المتلاطمة.

في إحدى الليالي، بينما كانَ يتصفحُ ألبومَ الصورِ القديمة، توقفَ عندَ صورةٍ لـ "نور" وهيَ طفلةٌ صغيرة، تحملُ في يدها وردةً حمراء، وعيناها تبرقانِ بفضولٍ وبراءة. ابتسمَ "أحمد" بحزن، وشعرَ بوخزةٍ حادةٍ في قلبه. هذهِ الطفلةُ البريئة، وهذهِ المرأةُ الشابةُ التي رآها، هلْ كانتا حقاً الشخصَ نفسه؟ لقدْ رأى فيها ما لمْ يرهُ الآخرون، ما لمْ تستطعْ هيَ أنْ تُظهرهُ للعالم. رأى فيها روحاً نقيةً، وقلباً لمْ يُلطخهُ سوادُ الدنيا، وعيناً تبحثُ عنْ نورٍ حقيقي.

لكنَّ الشغفَ، حينَ يتسللُ إلى القلبِ دونَ إذن، يُصبحُ وحشاً مُخيفاً. بدأَ "أحمد" يجدُ نفسهُ يتخلى عنْ عاداتهِ. باتَ يُفضلُ العزلةَ على مجالسةِ الأصدقاء، ويُصلي ساعاتٍ أطولَ، لا طلباً لرضا اللهِ بقدرِ ما كانَ طلباً لتطهيرِ نفسه منْ هذا الحنينِ الذي باتَ يُؤرقه. كانَ يخشى أنْ يُفسرَ هذا الشوقَ بطريقةٍ خاطئة، أنْ يُصبحَ أسيراً لرغباتٍ قدْ تُبعدهُ عنْ دربه.

ذاتَ مساء، أثناءَ زيارتهِ لدارِ جدتهِ، وجدتْهُ والدتهُ يجلسُ وحيداً في الحديقة، يتأملُ القمرَ المنير. اقتربتْ منهُ بهدوءٍ، وجلستْ بجانبه. "ما بكَ يا ولدي؟" سألتْ بصوتٍ مفعمٍ بالحبِ والقلق. "أراكَ شاردَ الذهنِ ومنعزلاً عنْ أهلكَ وأصدقائكَ. هلْ هناكَ ما يُثقلُ كاهلكَ؟" نظرَ "أحمد" إلى وجهِ والدتهِ الحنون، وشعرَ بوخزةٍ أخرى في قلبه. أرادَ أنْ يبوحَ لها، أنْ يضعَ هذا الحملَ الثقيلَ عنها، لكنَّ الكلماتِ خانته. "لا شيءَ يا أمي، مجردُ بعضُ الأفكارِ التي تدورُ في رأسي." أجابَ بصوتٍ مبحوح. تنهدتْ والدتهُ بارتياحٍ جزئي. "تذكرْ يا بني، إنَّ القلبَ إذا امتلأَ بالشوقِ، وأشعلَ نارَ العاطفة، فعليهِ أنْ يُوجهَ هذهِ النيرانَ نحو ما هوَ حلالٌ وطيب. لا تدعْ الأوهامَ تُضللُكَ، ولا تجعلْ منْ خيالكَ سِجناً." كلماتُ والدتهِ كانتْ كنصلٍ حادٍّ اخترقَ ما تبقى منْ درعِ "أحمد" الواهي. لقدْ أدركَ أنَّ هذا التعلقَ الذي يشعرُ بهِ، هذا الحنينَ الذي يستهلكهُ، لمْ يكنْ مجردَ إعجابٍ عابر. لقدْ أصبحَ يشعرُ بالحاجةِ إليها، بالحاجةِ إلى وجودها في حياته، وهذا الشعورُ باتَ يُهددُ استقرارهُ الداخلي.

لمْ يكنْ "أحمد" يعلمُ أنَّ "نور" أيضاً كانتْ تُكابدُ شيئاً مشابهاً. منذُ رؤيتهِ لها في ذلكَ اليومِ في مكتبةِ العلومِ الشرعية، شعرتْ بشيءٍ غريبٍ يخالجُ روحها. كانَ حضورهُ قوياً، ورُغمَ وجاهتهِ المعهودة، كانتْ عيناهُ تحملانِ عمقاً ودِفئاً جعلاها تشعرُ بأمانٍ لمْ تعتدْهُ. لكنَّ "نور" كانتْ أكثرَ حذراً. كانتْ تُدركُ قيمةَ الفتاةِ المسلمة، وضرورةَ المحافظةِ على عرضها وشرفها. كانتْ مُتربيةً على أنَّ القلبَ لا يصحُّ أنْ يُسلمه المرءُ إلا لمنْ كانَ لهُ أهلاً، ولمنْ يأتيهِ عبرَ الطريقِ الشرعي.

في إحدى جلساتِ المطالعةِ المسائية، وبينما كانتْ "نور" تُقلبُ صفحاتِ كتابٍ قديمٍ عنْ سيرةِ الصحابيات، تسللتْ صورةُ "أحمد" إلى ذهنها. ابتسمتْ بخفة، ثمَّ سارعتْ إلى إغلاقِ الكتابِ وكأنها تخشى أنْ تُرى وهيَ تفكرُ فيه. "هذهِ خيانةٌ لقلبي!" همستْ لنفسها بابتسامةٍ مرتسمةٍ على شفتيها. "خيانةٌ لروحي التي وعدتْ نفسها أنْ تبقى نقيةً طاهرة." ثمَّ عادتْ إلى الكتاب، محاولةً التركيزَ على كلماته، لكنَّ صوتَ "أحمد" كانَ يترددُ في أذنيها، وابتسامتهُ كانتْ تُزينُ شاشاتَ عقلها. لقدْ شعرتْ بأنها في نفسِ المعركةِ التي يخوضها "أحمد"، معركةٌ بينَ مشاعرَ بريئةٍ تتسللُ وحاجزٍ منْ المبادئِ والقيمِ يمنعُها منْ التمادي.

لكنَّ الفرقَ كانَ أنَّ "نور" كانتْ تُقاومُ بشدة. كانتْ تُذكرُ نفسها دائماً بقصصِ الحبِ الطاهرِ الذي أثمرَ زواجاً مباركاً، وبأنهُ لا ينبغي الاستسلامَ للخيالِ والوهمِ قبلَ أنْ يأتِ الخطبُ الرسمي. كانتْ تلجأُ إلى الذكرِ والدعاءِ، تطلبُ منَ اللهِ أنْ يُبقي قلبها نقياً، وأنْ يُوجهَ مشاعرها في الاتجاهِ الصحيح.

لكنَّ الأشياءَ لمْ تكنْ بالبساطةِ التي كانتْ ترغبُ بها "نور". لقدْ أصبحتْ تفكرُ في "أحمد" أكثرَ مما ينبغي، وفي كلِ مرةٍ كانَ يُلتقي بها أخواها، كانتْ تشعرُ بشوقٍ غريبٍ لرؤيته، لرؤيةِ تلكَ العينينِ اللتينِ بدا لهما وكأنهما تحملانِ تاريخاً منَ القصصِ الجميلة.

كانَ "أحمد" يُدركُ أنَّ هذهِ المشاعرَ قدْ تُصبحُ سبباً في تعثره. لقدْ حلمَ دوماً بزوجةٍ صالحةٍ، تكونُ لهُ سكنٌ ومودةٌ ورحمة، ولكنْ هلْ هذهِ الرغبةُ التي يشعرُ بها الآنَ هيَ بداياتُ ذلكَ الحلمِ المنشود، أمْ هيَ مجردُ وهمٍ عابرٍ سيُورطهُ في متاهاتٍ لمْ يحسبْ لها حساب؟ لقدْ أصبحَ الوقتُ حاسماً. إما أنْ يُسيطرَ على نفسه، وإما أنْ يدعَ هذا الإدمانَ الصامتَ يُفسدُ عليهِ حياته.

كانَ على وشكِ الانزلاقِ في هاويةٍ مظلمة، وكانَ يحتاجُ إلى بصيصِ نورٍ يُنقذهُ منْ ظلالِ التعلقِ المفرط. ولكنْ هلْ كانَ "نور" هيَ ذلكَ النور؟ أمْ كانتْ هيَ جزءاً منْ هذا الإدمانِ المتزايد؟ لمْ يكنْ يعرفُ الإجابة، لكنَّ قلبهُ كانَ يُصرخُ باسمها.

انتهى الفصلُ بأحمدَ واقفاً أمامَ مرآةٍ، يُحدقُ في وجههِ الشاحبِ، وفي عينيهِ التي بدتْ غريبةً عنه. هلْ هذا هوَ الرجلُ الذي عرفهُ؟ رجلُ القيمِ والمبادئ؟ أمْ أنَّ نارَ الهوى المستترةَ قدْ بدأتْ تُذيبه؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%