حب أبدي 177
أسرارٌ في عيونٍ باكية
بقلم سارة العمري
كانَ "أحمد" يُكابدُ صراعاً داخلياً رهيباً. كلُّما حاولَ تجاهلَ "نور"، أوْ تقليلَ التفكيرِ فيها، كانتْ صورتها تطفو على السطحِ كمرساةٍ تُثبتُ سفينةَ قلبهِ في بحرٍ مضطرب. لقدْ أدركَ أنَّ ما كانَ يشعرُ بهِ يتجاوزُ مجردَ الإعجاب. كانَ نوعاً منَ التعلقِ العميق، بلْ ربما كانَ إدماناً صامتاً يُستهلكُ روحهُ ببطء.
في إحدى الليالي، وبعدَ ساعاتٍ طوالٍ قضاها في تأملٍ عميقٍ، قررَ "أحمد" أنْ يُصارحَ أقربَ أصدقائهِ، "علي". كانَ "علي" رجلاً حكيماً، صاحبَ رأيٍ سديد، ومنَ القلةِ الذينَ كانَ "أحمد" يثقُ بهم ثقةً عمياء. اجتمعا في مقهى هادئٍ بعيدٍ عنْ صخبِ المدينة، وطلبا كوبينِ منَ الشايِ الأخضر. بدأَ "أحمد" الحديثَ بتردد، يُحاولُ جاهداً أنْ يُرتّبَ أفكارهُ المتناثرة. "يا علي، لقدْ أصبحتْ حياتي مُعقدةً أكثرَ منْ اللازم." بدأَ "أحمد" وهوَ يُقلبُ كوبَ الشايِ بينَ أصابعه. "أشعرُ بأنني أُصارعُ شيئاً لا أفهمه، أوْ ربما أفهمه ولكني أخشى الاعترافَ به." نظرَ "علي" إليهِ بعينينِ تحملانِ كلَ الاستعدادِ للاستماع. "تكلمْ يا صديقي. لستَ وحدكَ." "منذُ أنْ رأيتُ تلكَ الفتاةَ، "نور"، أشعرُ بأنَّ هناكَ شيئاً قدْ تغيرَ في داخلي. ذكراها لا تُفارقني، وأشتاقُ لرؤيتها بشوقٍ لا أستطيعُ وصفهُ. أخشى أنْ يكونَ هذا مجردُ تعلقٍ دنيويٍّ يُلهيني عنْ ديني، أوْ أنْ يكونَ بدايةَ شيءٍ قدْ يُورطني." صمتَ "أحمد" برهةً، ثمَّ أضافَ بصوتٍ يكادُ يكونُ همساً. "لقدْ رأيتُ فيها ما لمْ أرَ في غيرها، نقاءً وطهارةً. ولكنْ هذا الشعورُ أصبحَ يُسيطرُ عليَّ، ويُصبحُ سبباً لأرقِ ليالي، ولشاردِ ذهني."
استمعَ "علي" بصبرٍ، ولمْ يقاطعْ "أحمد" أبداً. ثمَّ عندما انتهى، أخذَ نفساً عميقاً. "يا أحمد، إنَّ مشاعرَ الحبِ والتعلقِ ليستْ شيئاً يُلامُ عليهِ الإنسان، خاصةً حينَ تكونُ خالصةً ونقية. ولكنَّ القضيةَ ليستْ في الشعورِ بحدّ ذاته، بلْ في كيفيةِ التعاملِ معهُ. لقدْ سمعتُ الكثيرَ عنْ "نور"، وعنْ عائلتها. إنها فتاةٌ طيبةٌ، وعاداتها حميدة. ولكنْ، ألا ترى أنَّ هذا التعلقَ إنْ استمرَّ بهذهِ الشدة، دونَ ضوابطَ شرعية، قدْ يُصبحُ إلهاءً لكَ عنْ واجباتكَ؟" "هذا ما أخشاهُ يا علي." أجابَ "أحمد" بصدق. "أخشى أنْ أُصبحَ أسيراً لهذهِ المشاعر، وأنْ تُفسدَ عليَّ ديني ودنياي." "إذن، فالحلُّ واضحٌ يا صديقي." قالَ "علي" بهدوء. "إنْ كانتْ هذهِ المشاعرُ صادقةً، وإنْ كنتَ ترى فيها زوجةً صالحةً، فعليك أنْ تسلكَ الطريقَ الشرعي. اطلبْ يدها منْ وليّها. ليتعلقَ الأمرُ بالزواجِ الشرعي، فتُصبحُ هذهِ المشاعرُ مباركةً ومُرضيةً لله. أما إنْ كنتَ تتجاهلُ هذا الأمرَ وتُبقي الأمورَ في دائرةِ الخيالِ والتعلقِ، فقدْ تُصبحُ كمنْ يُدمنُ شيئاً مُخدراً، يُوهمُهُ بالسعادةِ ولكنهُ يُدمرهُ منَ الداخل."
كلماتُ "علي" كانتْ كمنارةٍ في بحرٍ مُظلم. لقدْ فتحتْ لهُ باباً لمْ يكنْ يرى وجودهُ. ولكنْ، هلْ الأمرُ بهذهِ البساطة؟ هلْ ستُقبلُ عائلةُ "نور" بطلبه؟ وهلْ "نور" نفسها ستقبلُ به؟ "ولكنْ، كيفَ السبيلُ إلى ذلك؟" سألَ "أحمد". "لمْ ألتقِ بوالدها أوْ أخيها. كلُّ ما أعرفه عنها هوَ ما سمعتُهُ منْ إخوتي، وما رأيتُهُ في تلكَ اللحظاتِ العابرة." "الحلالُ لا يحتاجُ إلى تعقيداتٍ غيرَ شرعية." أجابَ "علي" بحكمة. "تحدثْ معَ إخوتكَ، واطلبْ منهمْ أنْ يتكلموا معَ وليّها. اجعلْ الأمورَ تسيرُ بوضوحٍ وشفافية. إنْ كانَ هناكَ نصيبٌ، فسيكون. وإنْ لمْ يكنْ، فالحمدُ للهِ على كلِ حال. ولكنْ، لا تتركْ هذهِ المشاعرَ تتفاقمُ وتُصبحُ عبئاً ثقيلاً عليك."
بعدَ لقائهِ بـ "علي"، شعرَ "أحمد" بارتياحٍ نسبي. لقدْ وجدَ طريقاً للخروجِ منْ هذا النفقِ المظلم. لكنْ، معَ هذهِ الراحةِ، بدأتْ تظهرُ ملامحُ القلقِ والخوف. ماذا لوْ رفضتْ عائلةُ "نور"؟ ماذا لوْ كانَ هذا التعلقُ مجردَ وهمٍ عابرٍ، وأنَّ "نور" ليستْ هيَ الشخصَ الذي تخيله؟
في هذهِ الأثناء، كانتْ "نور" تُعاني منْ قلقٍ مشابه. بعدَ اللقاءِ الثاني الذي جمعها بـ "أحمد" في ندوةٍ ثقافيةٍ، أصبحتْ ترى في عينيهِ نظراتٍ أعمقَ وأكثرَ تعبيراً. كانتْ ترى في عينيهِ حيرةً وشوقاً، ورغبةً دفينةً في التواصل. لمْ تعدْ قادرةً على تجاهلِ هذا الشعور.
في ليلةٍ منَ الليالي، وبعدَ أنْ استأذنتْ والدتها، جلستْ "نور" في غرفتها، تُقلبُ أوراقَ مصحفٍ صغيرٍ كانتْ تُفضله. دموعٌ كانتْ تتساقطُ بصمتٍ على صفحاتِ الكتابِ المقدس. "يا ربّي، هلْ هذا ابتلاءٌ؟" همستْ بصوتٍ خافتٍ. "هلْ أنتَ تختبرُ صبري؟" تذكرتْ كيفَ أنَّ إخوتها كانوا يتحدثونَ عنْ "أحمد" وعنْ أخلاقهِ الحسنةِ وعنْ مكانتهِ. لقدْ كانتْ تسمعُ عنهُ، ولكنْ رؤيتهُ كانتْ تُحدثُ شيئاً مختلفاً. شعرتْ بأنها تُشبهُ تلكَ الفتاةَ التي كانتْ تُحبُّ شاباً منْ بعيد، تتمنى لهُ الخيرَ، ولكنها تخشى أنْ يُصبحَ هذا الحبُّ سبباً في فتنتها.
"لقدْ رأيتُ في عينيهِ صدقاً." قالتْ لنفسها. "ولكنْ، كيفَ لي أنْ أتأكدَ؟ وكيفَ لي أنْ أُبقي قلبي طاهراً، وقلبي يُرفرفُ كلما رأيته؟" بدأتْ "نور" تشعرُ بثقلٍ كبيرٍ على صدرها. كانَ عليها أنْ تتخذَ قراراً. إما أنْ تستسلمَ لهذهِ المشاعرَ وتُحاولَ البحثَ عنْ طريقٍ شرعي، أوْ أنْ تُجاهدَ نفسها وتُبعدَ الأفكارَ التي تُشوشُ على سلامها.
ذاتَ يوم، بينما كانتْ تُساعدُ والدتها في ترتيبِ بعضِ الملابسِ القديمة، وقعَ بصرها على صندوقٍ صغيرٍ خشبي. فتحتهُ، فوجدتْ بداخلهِ صوراً قديمةً لوالدتها وهيَ شابة. ابتسمتْ وهيَ ترى جمالَ شبابِ والدتها، وقوةَ نظراتها. ثمَّ وجدتْ رسالةً قديمةً، بخطِ والدها. قرأتها "نور" بعينينِ تملأهما الدموع. كانتْ كلماتُ حبٍّ صادق، ووعدٌ بالحياةِ الطيبة. "يا ابنتي،" كانتْ الكلماتُ تقول. "إنَّ الحبَ الحلالَ هوَ كالوردةِ التي تُسقى بالماءِ والعناية، فتنمو وتُزهرُ بأجملِ الألوان. أما الحبُّ الذي يُسقى بالوهمِ والسراب، فهوَ كالسرابِ الذي يتبددُ معَ أولِ شعاعِ شمس." بكتْ "نور" بقوة. لقدْ شعرتْ بأنَّ والدها كانَ يُخاطبها منْ خلالِ هذهِ الرسالة. أدركتْ أنها لا تستطيعُ أنْ تبقى في حالةِ الترددِ هذه. لقدْ حانَ الوقتُ لاتخاذِ خطوة.
ولكنْ، قبلَ أنْ تتمكنَ منْ اتخاذِ أيِّ خطوة، حدثَ أمرٌ لمْ يكنْ في الحسبان. رأتْ "نور" "أحمد" عنْ قربٍ، في حدثٍ اجتماعيٍّ كبيرٍ حضرهُ أخواها. لمْ تكنْ قدْ رأتهُ في مثلِ هذهِ الأجواءِ منْ قبل. لقدْ كانَ مُحاطاً ببعضِ الأصدقاء، وكانَ يتبادلُ معهمُ الأحاديثَ بطلاقةٍ وثقة. ثمَّ، وفي لحظةٍ عابرة، التقتْ عيناهُ بعينيها. في تلكَ اللحظة، لمْ تستطعْ "نور" أنْ تُخفيَ ما شعرتْ به. لقدْ كانَ هناكَ شيءٌ في عينيهِ، شيءٌ عميقٌ وحزينٌ، ولكنهُ يحملُ أيضاً أملاً وصدقاً. ثمَّ، وبعدَ لحظاتٍ قليلة، اقتربَ منها "أحمد" ومعهُ أحدُ إخوتها. "مساءُ الخير،" قالَ "أحمد" بصوتٍ هادئٍ ونبرةٍ فيها شيءٌ منَ الخجلِ والارتباك. "مساءُ النور،" أجابتْ "نور" بصوتٍ مُرتعشٍ قليلاً. وقفتْ "نور" وشعرتْ بأنَّ العالمَ قدْ توقفَ للحظة. لقدْ أدركتْ أنَّ معركتها معَ مشاعرها لمْ تكنْ قدْ انتهتْ بعد، بلْ ربما كانتْ قدْ بدأتْ للتو.