حب أبدي 177
إدمان الأوهام
بقلم سارة العمري
كانت نفحاتُ العطرِ تمتزجُ برائحةِ البخورِ العتيقِ في مجلسِ آلِ الزاهدِ، ليخلقَ هالةً من السكينةِ الممزوجةِ بالوقارِ. جلستْ ليلى، ابنةُ شيخِ القبيلةِ، في زاويتِها المعهودةِ، تتقنُ فنَّ الإنصاتِ، وعيناها تترقرقانِ بلمعةٍ آسرةٍ وهي تستمعُ لحديثِ والدِها مع ضيفٍ غريبٍ، ذي هندامٍ أنيقٍ وملامحَ لا تخلو من القوةِ. كان الضيفُ حديثَ المدينةِ، واسمُهُ "فارس"، تاجرٌ شابٌّ ذاع صيتُهُ في الآفاقِ، وأخبارُ نجاحاتِهِ تتناقلُها الألسنُ بتقديرٍ وإعجابٍ.
لم تكن ليلى غريبةً عن اسمهِ، فقد سمعتْ عنه من نساءِ الحيِّ، وكيف أنَّهُ يمتلكُ من الثروةِ ما لا يُحصى، ومن الحكمةِ ما يُلفتُ الأنظارَ. لكنَّ ما لم تكن تتوقعهُ هو أنَّ هذا الحديثَ سيتجاوزُ حدودَ الثناءِ العامِّ ليبلغَ مسامعَ والدِها، الذي كان يبحثُ عن زوجٍ مناسبٍ لابنتِهِ، ذي جاهٍ ومالٍ ومركزٍ مرموقٍ.
"ولكن يا أبي،" قالت ليلى بصوتٍ خفيضٍ، لم يكن فيهِ أدنى أثرٍ للتمردِ، بل مجردُ رجاءٍ رقيقٍ، "أنا لم أرَ السيدَ فارسَ قطُّ، ولا أعرفُ عن أخلاقِهِ أو دينهِ سوى ما سمعتُ من أخبارِ الدنيا. وأنا... أريدُ أن أعرفَ، قبلَ أيِّ قرارٍ."
ابتسمَ الشيخُ الزاهدُ ابتسامةً تحملُ الكثيرَ من حنانِ الأبوةِ، ولكنهُ لم يخفِ فيها شيئاً من حزمِ القائدِ. "ابنتي العزيزةُ، لقد سألتُ عنه، وكانَ كلُّ ما سمعتُهُ يثلجُ الصدرَ. رجلٌ كريمٌ، مطيعٌ لوالديهِ، يخشى اللهَ في سرِّهِ وعلانيتِهِ. وماذا تريدينَ أكثرَ من ذلكَ؟ الزواجُ ليسَ مجردَ لقاءٍ بينَ روحينِ، بل هو بناءُ مستقبلٍ، وتأمينُ حياةٍ كريمةٍ. والسيدُ فارسُ يمتلكُ ما يؤمِّنُ لكِ ذلكَ وأكثر."
شعرتْ ليلى بقلبِها يخفقُ بخفةٍ، وكأنَّهُ طائرٌ أسيرٌ يحاولُ الفرارَ. لم يكن رفضُها وليدَ تعنتٍ أو عنادٍ، بل كانَ صدىً لصوتٍ داخليٍّ أعمقَ، صوتٌ ينبضُ برغبةٍ خفيةٍ لم تعترفْ بها بعدُ حتى لنفسِها. كانتْ تحملُ في قلبِها صورةً لرجلٍ آخرَ، رجلٌ لم تعرفهُ إلا من خلالِ كلماتِ جدتِها، ورسائلِها القديمةِ. رجلٌ عاشَ في زمنٍ مضى، ولكنَّ أسطورتَهُ كانتْ قد نقشتْ في روحِها.
"ولكن يا أبي،" حاولتْ مرةً أخرى، "أنا... أنا أحلمُ برجلٍ... برجلٍ يشاركني شغفي بالشعرِ، وبدراسةِ العلومِ القديمةِ. برجلٍ لا يهتمُّ بالدنيا بقدرِ اهتمامِهِ بالحقِّ والفضيلةِ. هل السيدُ فارسُ كذلكَ؟"
ضحكَ الشيخُ ضحكةً مقتضبةً، وقالَ: "يا ليلى، أنتِ تعيشينَ في عالمٍ من الأحلامِ. الحياةُ الواقعيةُ تتطلبُ رجلاً قوياً، قادراً على حملِ المسؤوليةِ، وليسَ شاعراً يقضي وقتَهُ في نظمِ القصائدِ. أما الشغفُ، فمن حقِّكِ أنْ تمارسي شغفكِ في وقتِ فراغِكِ، ولكنَّ الزواجَ يعني التزاماً، وتضحياتٍ."
صمتتْ ليلى. أدركتْ أنَّ جدالَها مع والدِها لا طائلَ منهُ. لقد اتخذَ قرارَهُ، ولم يبقَ إلا أنْ ترضخَ لهُ. ولكنَّ قلبَها كانَ يعتصرُ ألماً. شعورٌ بالظلمِ، وبأنَّها تُجبرُ على التخلي عن أحلامِها، وعن صوتِها الداخليِّ.
في تلكَ الليلةِ، لم تستطعْ ليلى النومَ. كانتْ تتنقلُ بينَ أحلامِها وخيالاتِها، وبينَ الواقعِ المريرِ الذي يفرضُ نفسهُ عليها. تذكرتْ رسائلَ جدتِها، التي كانتْ تتحدثُ فيها عن رجلٍ نبيلٍ، كانَ جارَ العائلةِ قديماً، وأنَّهُ كانَ يتشاركُ مع جدتِها حبَّ المعرفةِ والحكمةِ. كانَ يتحدثُ عن الحبِّ كشيءٍ مقدسٍ، لا يفسدُهُ إلا الجشعُ والزيفُ.
"هل حقاً لا يوجدُ في هذا الزمانِ رجلٌ كهذا؟" تساءلتْ في نفسِها، وصوتُ اليأسِ بدأَ يتسللُ إلى روحِها. "هل أصبحَ المالُ والسلطانُ هما المعيارُ الوحيدُ لتقديرِ الرجلِ؟"
تسللَ ضوءُ القمرِ الباهتُ إلى غرفتِها، يلقي بظلالٍ طويلةٍ على الجدرانِ. وقفتْ أمامَ نافذتِها، تنظرُ إلى السماءِ المرصعةِ بالنجومِ، وكأنَّها تبحثُ عن إجابةٍ لسؤالٍ قديمٍ قدمَ الزمانِ. شعورٌ بالضياعِ، وبالوحدةِ، بدأَ يلتهمُ كيانَها.
في الجانبِ الآخرِ من المدينةِ، كانَ فارسُ يجلسُ في مجلسِهِ الفخمِ، يرتدي ثياباً مطرزةً بالذهبِ، ويحيطُ بهِ خدمُهُ وحاشيتُهُ. كانَ يبدو واثقاً من نفسِهِ، ويسيطرُ على كلِّ ما حولهُ. ولكنَّ في عينيهِ، كانَ هناكَ فراغٌ، وفقدانٌ لمعنى ما. كانَ يبحثُ عن شيءٍ، عن شيءٍ لا يملكهُ المالُ، ولا تستطيعُ السلطةُ أنْ تمنحَهُ إياه.
لقد حققَ فارسُ الكثيرَ من النجاحاتِ، وسيطرَ على طرقِ التجارةِ، وأصبحَ اسمهُ يترددُ في كلِّ مكانٍ. ولكنَّهُ كانَ يشعرُ بوحدةٍ قاتلةٍ، وبفراغٍ روحيٍّ عميقٍ. كانَ يشعرُ بأنَّهُ يملكُ كلَّ شيءٍ، ولكنهُ لا يملكُ شيئاً ذا قيمةٍ حقيقيةٍ.
كانَ فارسُ يعلمُ بخطبةِ ليلى، وبأنَّ والدَها قد وافقَ عليهِ. كانتْ بالنسبةِ لهُ صفقةً ناجحةً، وزواجاً سيُعززُ من مكانتِهِ الاجتماعيةِ. ولكنَّهُ لم يشعرْ بأيِّ حماسٍ، أو رغبةٍ حقيقيةٍ. لقد اعتادَ على النظرِ إلى العلاقاتِ من منظورٍ نفعيٍّ، بعيداً عن أيِّ مشاعرَ أو ارتباطاتٍ عاطفيةٍ.
في تلكَ الليلةِ، وبينما كانَ فارسُ يحتسي شرابَهُ الفاخرَ، راودتهُ صورةٌ لم تكنْ تخطرُ لهُ ببالٍ. صورةٌ لفتاةٍ، بعينينِ واسعتينِ، ونظرةٍ حالمةٍ. لم يكنْ يعرفُ من هيَ، ولكنَّها كانتْ قد تركتْ في نفسِهِ أثراً غريباً. صورةٌ لا تتماشى معَ مفهومِهِ عن النساءِ، اللواتي كنَّ يلتمسنَ مالَهُ وجاهَهُ.
"من تكونُ هذهِ الفتاةُ؟" تساءلَ في نفسِهِ، بينما كانَ العطرُ يملأُ أنفاسَهُ، والبخورُ يتصاعدُ في غرفتِهِ. "ولماذا تترددُ صورتُها في ذهني؟"
لم يكنْ يعرفُ أنَّ هذهِ الصورةَ هيَ صورةُ ليلى، التي كانتْ في نفسِ اللحظةِ، تبكي بصمتٍ، وتدعو ربَّها أنْ يُلهمَها الصبرَ، وأنْ يُبعدَ عنها شرَّ الدنيا. كانَ كلاهما عالقينِ في شبكةِ أقدارٍ، لم يدركا بعدُ مدى تعقيدِها.
في مجلسِ آلِ الزاهدِ، كانَ الشيخُ يبتسمُ وهوَ يفكرُ في نجاحِ صفقتِهِ، وفي تأمينِ مستقبلِ ابنتِهِ. لم يدركَ أنَّهُ في سعيهِ لضمانِ سعادةٍ ماديةٍ، كانَ يُهددُ سعادةً روحيةً أعمقَ. كانَ إدمانُهُ على الرغبةِ في القوةِ والجاهِ، يجعلهُ غافلاً عن تضحياتِ القلبِ، وعن ثمنِ الإجبارِ.
بينما كانتْ ليلى تغرقُ في بحرٍ من الأوهامِ، كانَ فارسُ يشعرُ بفراغٍ يزدادُ عمقاً، يبحثُ عن معنىً للحياةِ لا يجدهُ في بريقِ الذهبِ. كانَ كلاهما ضحايا لمفاهيمَ خاطئةٍ عن الحبِّ، وعن السعادةِ، وعن معنى الحياةِ. وكانَ القدرُ ينسجُ خيوطَ لقائِهما، لقاءٌ سيُغيرُ حياتَهمَا إلى الأبدِ، سواءٌ أكانَ ذلكَ للتغييرِ نحو الأفضلِ، أم نحو المجهولِ.