حب أبدي 177
ظلال الماضي
بقلم سارة العمري
انقضتْ الأيامُ على ليلى كطيفٍ سريعٍ، لكنَّ ثقلَها كانَ أعمقَ من أيِّ وقتٍ مضى. لقد قُبلَ طلبُ خطبتِها من فارس، ابنِ آلِ الفهودِ، ذلكَ البيتُ العريقُ الذي لم يخلُ مجلسٌ من ذكرِ عظمتِهِ وقوتهِ. كانَ الجميعُ في القبيلةِ يرى في هذهِ الخطبةِ زواجاً مباركاً، يجمعُ بينَ أعرقِ البيتينِ، ويُعززُ من مكانتِهمَا بينَ القبائلِ الأخرى. لكنَّ ليلى، في قرارةِ نفسِها، كانتْ تشعرُ بثقلٍ لا يُطاقُ، وكأنَّها تُساقُ إلى مصيرٍ لم تخترهُ.
كانتْ جدتُها، السيدةَ "عفيفةَ"، سيدةً لها في العمرِ باعٌ طويلٌ، ورؤيةٌ لا تخطئُ. كانتْ تراقبُ ابنتَها بنظراتٍ تحملُ مزيجاً من الحزنِ والفهمِ. لقد عاشتْ عفيفةُ ما عاشتْهُ ليلى، واختبرتْ نفسَ الشعورِ بالضيقِ حينَ أُجبرتْ على زواجٍ لم تكنْ تشعرُ فيهِ بالارتياحِ. ورغمَ أنَّها لم تُبدِ أيَّ اعتراضٍ علنيٍّ، إلا أنَّ نظراتِها الحانيةَ، ولمساتِها الهادئةَ على يدِ ليلى، كانتْ تتحدثُ بلغةٍ أعمقَ من أيِّ كلامٍ.
"يا ابنتي،" قالتْ عفيفةُ بصوتٍ هادئٍ، وهيَ تجلسُ بجوارِ ليلى في غرفتِها، تُعدُّ لها طبقاً من التمرِ المعجونِ بالعسلِ، "الحياةُ ليستْ دوماً كما نرسمُها في أحلامِنا. أحياناً، تكونُ القدرةُ على التكيفِ، وعلى إيجادِ الجمالِ فيما هوَ متاحٌ، هيَ أعظمُ مفاتيحِ السعادةِ."
نظرتْ ليلى إلى جدتِها بعينينِ مليئتينِ بالحيرةِ. "ولكن يا جدتي، كيفَ لي أنْ أتكيفَ معَ ما يُنافي قلبي؟ إنَّ خطبتي من السيدِ فارسٍ تبدو لي وكأنَّها نهايةُ أحلامي، لا بدايةُ حياةٍ سعيدةٍ."
تنهدتْ عفيفةُ تنهيدةً عميقةً، تمتلئُ برائحةِ الذكرياتِ. "أتذكرينَ يا ليلى، حينَ كنتُ أحدثُكِ عن السيدِ "نور الدينِ"؟ الرجلِ الذي أحببتُهُ قبلَ زواجي؟"
أومأتْ ليلى برأسِها، وعيناها تتلمعانِ بالفضولِ. كانتْ جدتُها نادراً ما تتحدثُ عن ماضيها العاطفيِّ، وكانَ ذكرُ نور الدينِ دائماً يثيرُ فيها خليطاً من الشوقِ والحزنِ.
"لقد كانَ رجلاً كريماً، عالماً، شاعراً. تشاركنا حبَّ المعرفةِ، وشغفَ الشعرِ. كانَ يرى فيَّ ما لم يرَهُ غيري. ولكنَّ القدرَ كانَ لهُ كلمةٌ أخرى. عائلتي رأتْ فيهِ فقيراً، ولم تكنْ تراهُ جديراً بابنتِهم. فزوجوني من رجلٍ آخرَ، رجلٍ غنيٍّ، ذي جاهٍ، ولكنَّ قلبَهُ كانَ بارداً كالثلجِ."
شعرتْ ليلى بوخزةٍ في قلبِها، وكأنَّ جدتَها تتحدثُ عن قصتِها. "ولكنَّكِ يا جدتي، لم تستسلمي. لقد عشتِ حياتَكِ، وكنتِ أماً وجدةً صالحةً."
ابتسمتْ عفيفةُ ابتسامةً تحملُ بعضَ المرارةِ. "لقد حاولتُ يا ابنتي. لقد سعيتُ لإيجادِ السعادةِ في حياتي الجديدةِ. ولكنَّ ظلَّ نور الدينِ، وظلَّ حلمي الذي لم يتحققْ، كانا يراودانني في كلِّ لحظةٍ. لقد تعلمتُ أنَّ الحبَّ الحقيقيَّ ليسَ مجردَ مشاعرَ عابرةٍ، بل هوَ ارتباطٌ روحيٍّ عميقٍ، وهوَ ما افتقدتُهُ في زواجي. لذلكَ، أقولُ لكِ يا ليلى، إنَّ الحبَّ الذي ينبني على الاحترامِ، والتقديرِ، والمودةِ الصادقةِ، هوَ أساسٌ متينٌ، حتى لو لم يكنْ مليئاً بالشغفِ الأوليِّ الذي نقرأُ عنهُ في القصصِ."
"ولكنَّ السيدَ فارسَ..." بدأتْ ليلى، ولكنَّها توقفتْ. لم تكنْ تعرفُ ما يكفي عن فارسٍ لتُقيمَهُ. كلُّ ما عرفتْهُ هوَ ما سمعتْهُ من الآخرينَ: أنَّهُ رجلٌ ناجحٌ، قويٌّ، لا يعرفُ الهزيمةَ.
في الطرفِ الآخرِ من المدينةِ، كانَ فارسُ يستقبلُ وفداً من قبيلةِ آلِ الزاهدِ، لترتيبِ تفاصيلِ الخطبةِ. كانَ يتحدثُ معَ والدِ ليلى ببرودٍ، يضعُ شروطَهُ، ويُحددُ المهورَ، ويُرتِّبُ موعدَ الاحتفالِ. كانَ كلُّ شيءٍ يتمُّ بمنطقٍ باردٍ، بعيداً عن أيِّ مشاعرَ.
"أتمنى أنْ تكونَ ابنتُكَ سعيدةً بهذا الزواجِ يا شيخَ الزاهدِ،" قالَ فارسُ بابتسامةٍ مصطنعةٍ، "فأنا رجلٌ أُقدِّرُ المرأةَ، وأُحسنُ إليها."
ردَّ الشيخُ الزاهدُ مبتسماً: "ابنتي ليلى، فتاةٌ طيبةٌ، وستكونُ زوجةً وفيةً. هيَ تُقدرُ الرجالَ الأقوياءَ، وتُقدِّرُ الاستقرارَ."
كانَ كلُّ منهما يُحاولُ أنْ يُقنعَ الآخرَ بما يُريدُ أنْ يراهُ، وأنْ يتجاهلَ الحقيقةَ التي قد تكونُ مؤلمةً. فارسُ كانَ يبحثُ عن زواجٍ يُعززُ من نفوذِهِ، ويُقالُ عنه أنَّهُ رجلٌ كاملٌ. وليلى، أو بالأحرى والدُها، كانَ يبحثُ عن زواجٍ يُحافظُ على سمعةِ العائلةِ، ويُؤمِّنُ مستقبلَ ابنتِهِ.
ولكنَّ قلبَ ليلى كانَ يرفضُ الانصياعَ. في تلكَ الليالي، وبينما كانتْ تُشاركُ جدتَها في سردِ قصصِ الماضي، كانتْ تزدادُ تمسكاً بفكرةٍ واحدةٍ: أنَّ الحبَّ ليسَ صفقةً، وأنَّ السعادةَ ليستْ ماديةً. كانتْ تتساءلُ عن مصيرِ السيدِ نور الدينِ، الرجلِ الذي لم تعرفهُ، والذي أصبحَ رمزاً لحلمِها المفقودِ.
في أحدِ الأيامِ، وبينما كانتْ ليلى تُقلِّبُ صندوقَ جدتِها القديمَ، الذي كانَ مليئاً بالأشياءِ العتيقةِ، وجدتْ شيئاً لم تتوقعْهُ. ورقةٌ قديمةٌ، مطويةٌ بعنايةٍ، تحملُ كتابةً بالخطِّ العربيِّ الجميلِ. كانتْ قصيدةً.
"هيَ الشمسُ التي تُنيرُ دربي، والقمرُ الذي يُضيءُ ليلي. هيَ النجمةُ التي أرشدتْ خطايَ، والروحُ التي تملأُ قلبي."
كانتْ القصيدةُ مليئةً بالعشقِ، والشوقِ، والحنينِ. ثمَّ رأتْ اسماً في الأسفلِ: "إلى حبيبتي عفيفةَ، بقلمِ نور الدينِ".
شعرتْ ليلى بدموعٍ تتساقطُ على خديها. لقد فهمتْ الآنَ لماذا كانتْ جدتُها تتألمُ، ولماذا كانتْ تُحذرُها من الاستسلامِ. لقد كانَ حبُّ نور الدينِ لعفيفةَ حباً حقيقياً، حباً تجاوزَ حدودَ الزمانِ والمكانِ.
حملتْ ليلى القصيدةَ، وذهبتْ إلى جدتِها. "يا جدتي،" قالتْ بصوتٍ مرتعشٍ، "هذهِ لكِ. من نور الدينِ."
نظرتْ عفيفةُ إلى الورقةِ، وشعرتْ بيدَيها ترتجفانِ. أمسكتْ بالقصيدةِ، وكأنَّها تُمسكُ بجزءٍ من روحِها. ثمَّ رفعتْ عينيها إلى ليلى، وفي عينيها بريقٌ جديدٌ، بريقٌ من الأملِ.
"لقد كانَ حبهُ لي قوياً يا ليلى. قوياً لدرجةِ أنَّهُ استمرَّ حتى بعدَ رحيلِهِ. وهذا الحُبُّ، هوَ الذي ألهمني لأُقاومَ، ولأُحافظَ على كرامتي، ولأُعلِّمَكِ أنَّ هناكَ ما هوَ أثمنُ من المالِ والجاهِ."
شعرتْ ليلى بقوةٍ جديدةٍ تسري في عروقِها. لقد أدركتْ أنَّ عليها أنْ تُقاتلَ من أجلِ سعادتِها، وأنَّها لن تستسلمَ لحياةٍ لا تُرضيها. لقد كانتْ في مواجهةٍ معَ أقدارٍ ظالمةٍ، ومعَ مفاهيمَ خاطئةٍ عن الحبِّ. ولكنَّها الآنَ، وبعدَ أنْ لمستْ أثرَ حبٍّ حقيقيٍّ، أصبحتْ مستعدةً لخوضِ المعركةِ.
ولكنَّ المعركةَ لم تكنْ سهلةً. فالسيدُ فارسُ، الذي اعتادَ على امتلاكِ كلِّ ما يُريدُ، لن يتخلى عن خطبتِهِ بسهولةٍ. وكانَ والدُها، الذي رأى في هذهِ الخطبةِ فرصةً لتحسينِ مكانةِ العائلةِ، لن يقبلَ أيَّ تراجعٍ.
وفي قلبِ فارسَ، وعلى الرغمِ من كُلِّ ما يبدو عليهِ من ثقةٍ وقوةٍ، كانَ هناكَ شيءٌ يُحركهُ، شيءٌ لم يفهمهُ بعدُ. كانَ يرى في ليلى صورةً مختلفةً عن النساءِ اللواتي عرفهنَّ. كانتْ تملكُ براءةً، وعمقاً، وروحاً لا يمكنُ شراؤها بالمالِ. وكانَ هذا التعقيدُ، هوَ ما جعلَ ليلى تُصبحُ بالنسبةِ لهُ، ليسَ مجردَ صفقةٍ، بل لغزاً يجبُ عليهِ أنْ يكتشفَهُ.