الفصل 9 / 25

حب أبدي 177

نزيف المشاعر

بقلم سارة العمري

كانتْ أيامُ الخطبةِ تمرُّ ببطءٍ قاتلٍ على ليلى. كلُّ زينةٍ تُضافُ إلى قصرِ والدِها، وكلُّ تهنئةٍ تأتيها من الأقاربِ، كانتْ تُثقلُ من كاهلِها، وتُزيدُ من شعورِها بالعجزِ. كانتْ تتقبلُ كلَّ ذلكَ بابتسامةٍ باهتةٍ، ولكنَّ عينيها كانتا تحملانِ قصصاً أخرى، قصصاً عن روحٍ مُعذبةٍ، تبحثُ عن مخرجٍ.

أما فارسُ، فقد كانَ على الجانبِ الآخرِ، يُحضرُ لزواجٍ أسطوريٍّ. لقد أقامَ ولائمَ فخمةً، وأرسلَ الهدايا الثمينةَ إلى آلِ الزاهدِ، وأصبحَ اسمهُ يترددُ كأبرزِ رجلٍ في المنطقةِ. لم يكنْ يُظهرُ أيَّ ترددٍ، بل كانَ يسيرُ بثقةٍ، وكأنَّهُ يمتلكُ مفاتيحَ السعادةِ. ولكنَّ في سرِّهِ، كانتْ تتراكمُ أسئلةٌ لا تجدُ لها جواباً. لم يكنْ يفهمُ لماذا يشعرُ بتلكَ الغرابةِ تجاهَ ليلى. لم تكنْ امرأةً كغيرِها، لم يكنْ حديثُها عن المالِ أو الجاهِ. كانتْ تتحدثُ بعمقٍ، وببراءةٍ، وكأنَّها تحملُ عالماً خاصاً بها.

في إحدى الليالي، بينما كانَ فارسُ جالساً في مجلسِهِ، يحتسي قهوتهُ الممزوجةَ بالهيلِ، استدعاهُ أحدُ رجالهِ.

"سيدي فارس،" قالَ الرجلُ بخضوعٍ، "وصلتنا أخبارٌ عن أنَّ السيدَ "بدرَ الدينِ" قد عادَ إلى المدينةِ."

تجمَّدتْ القهوةُ في يدِ فارسَ. بدرُ الدينِ. الاسمُ الذي لم يكنْ يسمعُهُ إلا في همساتٍ، وفي قصصٍ قديمةٍ. كانَ بدرُ الدينِ، المنافسَ الأكبرَ لفارسَ في عالمِ التجارةِ، رجلاً ذا نفوذٍ قويٍّ، وحكمةٍ غامضةٍ. لقد كانَ غائباً منذُ سنواتٍ، ويبدو أنَّ عودتَهُ تحملُ معها رياحَ تغييرٍ.

"وهل عرفتَ سببَ عودتهِ؟" سألَ فارسُ، يحاولُ أنْ يُخفيَ اضطرابَهُ.

"لا يا سيدي. لكنَّ الألسنَ تقولُ إنَّهُ يسعى لإعادةِ بناءِ مملكتِهِ التجاريةِ، وأنَّهُ قد يكونُ لديهِ خططٌ جديدةٌ."

شعرَ فارسُ بقشعريرةٍ تسري في جسدِهِ. عودةُ بدرِ الدينِ لم تكنْ مجردَ منافسةٍ تجاريةٍ، بل كانتْ تحملُ معها احتمالَ صراعٍ أعمقَ. كانَ يعلمُ أنَّ بدرَ الدينِ رجلٌ لا يستهانُ بهِ، وأنَّهُ يمتلكُ ذكاءً وقدرةً على التخطيطِ لا مثيلَ لهما.

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ ليلى قد وجدتْ ملاذاً في مكتبةِ جدتِها الصغيرةِ. كانتْ تقضي ساعاتٍ طويلةً بينَ الكتبِ، تبحثُ عن معرفةٍ، عن هروبٍ من واقعِها. كانتْ تقرأُ كتبَ التاريخِ، والفلسفةِ، والشعرِ. وفي أحدِ الأيامِ، وقعَ بصرُها على كتابٍ قديمٍ، ذي غلافٍ جلديٍّ مُهترئٍ، يحملُ عنوانَ "أسرارُ القلبِ".

فتحتْ ليلى الكتابَ، وبدأتْ تقرأُ. كانَ الكتابُ يتحدثُ عن طبيعةِ الحبِّ، وعن التعقيداتِ التي تُحيطُ بهِ. وعن الرجالِ الذينَ يُحاولونَ امتلاكِ القلوبِ، لا كسبِها. ثمَّ وجدتْ فيهِ فصلاً يتحدثُ عن رجالٍ يُحكمونَ بالمالِ والسلطةِ، ولكنَّهم يبحثونَ عن شيءٍ أعمقَ، عن شيءٍ لا يُمكنُ شراؤهُ.

"إنَّ الرجلَ الذي يُبنى مجدُهُ على الرمالِ، سرعانَ ما ينهارُ. والرجلُ الذي يُبنى مجدُهُ على القلبِ، يبقى خالداً."

تذكرتْ ليلى كلماتِ جدتِها، وتذكرتْ قصيدةَ نور الدينِ. وشعرتْ بأنَّ هناكَ خيطاً رفيعاً يربطُ بينَ كلِّ هذهِ الأشياءِ.

بعدَ أيامٍ، وصلَ إلى ليلى خبرٌ لم تتوقعهُ. أخبارٌ عن صراعٍ جديدٍ بدأَ يظهرُ في المدينةِ. صراعٌ بينَ فارسَ وبدرِ الدينِ. بدأتْ تتناقلُ الألسنُ شائعاتٍ عن صفقاتٍ تمَّ فسخُها، وعن شراكاتٍ انهارتْ. وبدأتْ أسعارُ البضائعِ في الأسواقِ تتأثرُ.

شعرَ فارسُ بضغطٍ متزايدٍ. لم يكنْ يتوقعُ أنَّ عودةَ بدرِ الدينِ ستكونُ بهذهِ السرعةِ، وبهذا الشراسةِ. كانَ عليهِ أنْ يُحافظَ على إمبراطوريتِهِ، وعلى سمعتِهِ. وكانَ لابدَّ أنْ يُنهيَ أمرَ الخطبةِ بسرعةٍ، وأنْ ينتقلَ إلى مرحلةٍ أخرى من حياتِهِ.

في إحدى الأمسياتِ، تلقى فارسُ رسالةً من الشيخِ الزاهدِ. رسالةٌ تُعلنُ عن رغبتِهِ في تسريعِ موعدِ الزواجِ. كانَ الشيخُ قلقاً من الاضطراباتِ التي بدأتْ تضربُ المدينةَ، ورأى في زواجِ ابنتهِ من فارسَ، نوعاً من الحمايةِ والاستقرارِ.

قرأَ فارسُ الرسالةَ، وشعرَ بقلبِهِ يزدادُ ثقلاً. لم يكنْ لديهِ الوقتُ الكافيَ لمعرفةِ حقيقةِ ليلى، أو لبناءِ علاقةٍ مبنيةٍ على الصدقِ. ولكنَّهُ كانَ مُجبراً على الاستجابةِ.

"يا والدي،" قالَ فارسُ لوالدِهِ، "لقد تلقيتُ رسالةً من شيخِ آلِ الزاهدِ. يريدونَ تسريعَ موعدِ الزواجِ."

نظرَ إليهِ والدُهُ بعينينِ مليئتينِ بالارتياحِ. "هذا خبرٌ سارٌّ يا بني. كلَّما كانَ الزواجُ أسرعَ، كلَّما كانتْ الأمورُ أكثرَ استقراراً. خاصةً معَ هذهِ الأوضاعِ المتوترةِ."

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ ليلى تشعرُ بأنَّ أيامَها أصبحتْ أكثرَ قتامةً. كانتْ ترى في تسريعِ موعدِ الزواجِ، نهايةً لكلِّ أملٍ. كانتْ تشعرُ بأنَّها تُسلبُ منها كلُّ فرصةٍ للتمردِ، أو للبحثِ عن طريقٍ آخرَ.

"يا جدتي،" قالتْ ليلى وهيَ تُمسكُ بيدِ جدتِها، "إنَّهم يريدونَ تسريعَ الزواجِ. لا أعرفُ ماذا أفعلُ."

احتضنتْ عفيفةُ حفيدتَها بحنانٍ. "لا تقلقي يا حبيبتي. القوةُ تأتي من الداخلِ. لا تدعي الظروفَ تُحبطُكِ. ابحثي عن نورٍ في هذا الظلامِ."

كانتْ كلماتُ جدتِها تُعطي ليلى بعضَ القوةِ، ولكنَّ قلبَها كانَ ما زالَ ممتلئاً بالخوفِ. لقد شعرتْ بأنَّ نزيفَ مشاعرِها قد بدأَ، وأنَّ حياتَها أصبحتْ على وشكِ الانهيارِ.

في الطرفِ الآخرِ، كانَ بدرُ الدينِ يراقبُ الأحداثَ بعينٍ ثاقبةٍ. كانَ يعرفُ أنَّ فارسَ يُعاني من ضغوطٍ، وأنَّ عودةَ ليلى إلى حياتِهِ، قد تكونُ نقطةَ ضعفٍ، أو نقطةَ قوةٍ. كانَ يعرفُ أنَّ فارسَ ليسَ مجردَ تاجرٍ، بل هوَ رجلٌ لهُ طموحاتٌ، ولهُ أعداءٌ.

في قلبِ فارسَ، كانَ هناكَ صراعٌ داخليٌّ. كانَ يشعرُ بأنَّهُ يُساقُ إلى زواجٍ لم يُعدُّ لهُ، زواجٌ لم يُبنَ على أيِّ أساسٍ حقيقيٍّ. وكانَ يعلمُ أنَّ عودةَ بدرِ الدينِ، ستُزيدُ من تعقيداتِ حياتِهِ.

كانَ القدرُ ينسجُ خيوطَ معركةٍ جديدةٍ، معركةٍ لا تتعلقُ بالمالِ والسلطةِ فقط، بل بالقلوبِ، والأرواحِ. وكانتْ ليلى، وفارسُ، وبدرُ الدينِ، همْ أبطالُ هذهِ المعركةِ، كلٌّ في طريقهِ، وكلٌّ بأسبابهِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%