زواج المصلحة 178
الفجر الغامض ونداء الواجب
بقلم سارة العمري
كانت رياح الصحراء تئنُّ في أذنيها، حاملةً معها رمالًا خفيفةً تلسعُ وجنتيها المكشوفتين. وقفتْ "ليلى" فوق أعلى ربوةٍ رمليةٍ، ترقُبُ الأفقَ الشاسعَ الذي امتدّ أمامها كبحرٍ لا نهايةَ له. لم يكنْ ذلكَ المشهدُ غريبًا عليها؛ فقدْ نشأتْ بينَ الكثبانِ، وترعرعتْ على إيقاعِ هبوبِ الرياحِ ونداءِ الفجر. لكنَّ هذا الفجرَ كانَ مختلفًا. كانَ يحملُ ثقلًا، وهمًّا أثقلَ منْ حمولاتِ قوافلَ الصحراءِ العابرة.
كانتْ السماءُ لا تزالُ تلفُّها خيوطُ الظلامِ، بينما بدأتْ خيوطُ الشفقِ الأولى تتسللُ منْ خلفِ الأفقِ، ترسمُ بظلالِها المتغيرةِ لوحةً سرياليةً على وجهِ الأرض. صمتٌ مطبقٌ، لا يكسرُهُ سوى أنينُ الريحِ وأزيزُ طائرةٍ بعيدةٍ لا تكادُ تُرى. رفعتْ ليلى يدها تغطي عينيها، ثمَّ شدّتْ حجابَها الذي كانتْ قدْ نسجتْه بيديها منْ أجودِ خيوطِ الحريرِ، وزينتْهُ بنقوشٍ مستوحاةٍ منْ ورائها. كانتْ تفضلُ الألوانَ الهادئةَ، تلكَ التي تتماهى معَ هدوءِ الطبيعةِ، وتعكسُ سكينةَ الروحِ.
صوتٌ خشنٌ، لكنّهُ مألوفٌ، اخترقَ صمتَها: "لمْ يأتِ بعد؟"
التفتتْ ليلى، فوجدتْ "خالدًا"، ابنَ عمِّها، يقفُ على مقربةٍ منها، وقدْ ارتدى جلابيبَ داكنةً، وعصابةً تلفُّ رأسهُ. كانَ وجههُ قدْ بدا متعبًا، وعيناهُ فيهما قلقٌ لمْ تعتدْ رؤيتهُ. خالدٌ، الشابُّ القويُّ، الصلبُ، الذي كانَ دائمًا مصدرَ الأمانِ لعائلتِهِ.
"لا يا خالد. لمْ يصلْ." أجابتْ بصوتٍ هادئٍ، لكنَّ نبرةً خفيةً منَ الأسى تسللتْ إليه.
"هذا ما خشيتُهُ." تنهدَّ خالدٌ، ونظرَ نحو نقطةٍ بعيدةٍ في الأفقِ. "تأخيرُهُ هذا يثيرُ القلقَ. موعدُهُ كانَ معَ بزوغِ الشمس."
"وما الذي نخشاهُ فيهِ؟" سألتْ ليلى، وعيناها مثبتتانِ على وجهِ خالدٍ، محاولةً قراءةَ ما وراءَ صمتِهِ.
"أنتِ تعلمينَ يا ليلى. الصفقةُ حساسةٌ، والأشخاصُ الذينَ نتعاملُ معهمْ ليسوا باللطفِ المتوقعِ. أيُّ تأخيرٍ قدْ يعني وقوعَ مكروهٍ، أوْ فقدانَ فرصةٍ قدْ لا تتكررُ." قالَ خالدٌ، وبدتْ كلماته ثقيلةً كحجارةٍ ترمى في بئرٍ عميقٍ.
كانَ الأبُ، "الشيخَ سليمانَ"، قدْ أرسلَ ابنَهُ الأصغرَ، "أحمدَ"، في رحلةٍ خطيرةٍ إلى الحدودِ الغربيةِ. لمْ تكنْ رحلةً تجاريةً عاديةً، بلْ كانتْ مهمةً تحملُ معها آمالَ العائلةِ وكلَّ ما ادّخرتهُ منْ جهدٍ ومالٍ. كانَ الشيخُ سليمانُ، رجلُ الأعمالِ ذو السمعةِ الطيبةِ، يواجهُ صعوباتٍ كبيرةً مؤخرًا. مشاريعُهُ التي كانتْ تزدهرُ يومًا، بدأتْ تواجهُ تحدياتٍ قاسيةً، ولولا حكمتهُ وعلاقاتهِ الواسعةِ، لكانَ قدْ انهارَ.
أحمدُ، الشابُّ الذي كانَ دائمًا يفضّلُ هدوءَ المكتبةِ والكتبِ على صخبِ السوقِ، قدْ أُجبرَ على خوضِ هذهِ المغامرةِ. كانَ يحملُ معهُ وثائقَ هامةً، وعقدًا سريًا، سيُعيدُ لِعائلةِ الشيخِ سليمانَ ازدهارها، أوْ سيُدخلها في دوامةٍ منَ المشاكلِ التي قدْ لا تخرجُ منها.
"لقدْ وعدَنا بأنَّهُ سيكونُ هنا قبلَ شروقِ الشمس. كانَ يعرفُ أهميةَ هذا اللقاءِ." قالتْ ليلى، وشعورٌ غامضٌ بالضيقِ بدأَ يتسللُ إلى قلبِها. كانتْ ليلى، رغمَ طبيعتها الهادئةِ، تتمتعُ بحدسٍ قويٍّ، ورؤيةٍ ثاقبةٍ للأمورِ. كانتْ علاقتها بأحمدَ مختلفةً عنْ علاقتها بباقي أفرادِ العائلة. كانتْ صداقةً عميقةً، تتجاوزُ حدودَ القرابةِ. كانا يتشاركانِ الأحلامَ، ويتناقشانِ الأفكارَ، ويتعزّيانِ في المصاعبِ.
"الوعدُ شيءٌ، والواقعُ شيءٌ آخرُ." تمتمَ خالدٌ، ومسحَ جبينَهُ بظهرِ يده. "أخشى أنْ يكونَ قدْ وقعَ في فخٍّ."
"لا تقلْ هذا يا خالد! أحمدُ قويٌّ، ويعرفُ كيفَ يتصرّفُ." ردّتْ ليلى بسرعةٍ، صوتُها يحملُ نبرةَ دفاعٍ واضحة.
"قوتهُ في عقلهِ، لا في عضلاتهِ. والرجالُ الذينَ نتعاملُ معهمْ لا يهابونَ العقلَ بقدرِ ما يهابونَ السلاحَ." قالَ خالدٌ، وقسوةُ كلماته تضربُ في قلبِ ليلى كالصاعقة.
ارتعشَ جسدُ ليلى قليلاً، لكنها حافظتْ على رباطةِ جأشِها. "علينا أنْ نثقَ بأحمدَ. وأنْ ننتظرَ."
"والى متى؟ الشمسُ بدأتْ ترتفعُ. إنْ لمْ يصلْ خلالَ الساعةِ القادمةِ، سنضطرُّ إلى اتخاذِ إجراءاتٍ أخرى. لا يمكنُنا المخاطرةَ بسمعةِ العائلةِ، أوْ خسارةِ كلِّ شيءٍ." قالَ خالدٌ، ونظرَ إليها بنظرةٍ تحملُ مزيجًا منَ الرفقةِ والتحدي.
أشاحتْ ليلى بوجهِها عنهُ، وعادتْ ترقبُ الأفقَ. لمْ يكنْ مجردُ واجبٍ يملي عليها هذا الانتظار. كانَ هناكَ شيءٌ أعمقُ، شيءٌ في أعماقِ روحِها، يدفعُها إلى التمسكِ بالأملِ، والرفضِ اليائسِ للتفكيرِ في الأسوأ. كانَ أحمدُ بالنسبةِ لها أكثرَ منْ مجردِ قريب. كانَ صديقَ الروحِ، ورفيقَ الدربِ، وربما… ربما أكثرَ منْ ذلكَ بكثيرٍ.
بدأَ قرصُ الشمسِ يطلُّ بخجلٍ منْ خلفِ خطِّ الأفقِ، ناثرًا خيوطَ ذهبٍ ملتهبةٍ على رمالِ الصحراءِ. تحوّلتْ السماءُ إلى لوحةٍ فنيةٍ بديعةٍ، تتدرجُ فيها الألوانُ منَ الأزرقِ الداكنِ إلى الورديِّ والأرجوانيِّ، ثمَّ إلى البرتقاليِّ اللاذعِ. كانَ المشهدُ مهيبًا، لكنَّ قلبَ ليلى لمْ يجدْ فيهِ أيَّ جمالٍ. كانَ القلقُ يتصاعدُ، يتحوّلُ إلى خوفٍ باردٍ يتسللُ إلى عظامِها.
"ليلى." نادى خالدٌ بصوتٍ حازمٍ. "لقدْ فاتَ الأوانُ. يجبُ أنْ نتحرّكَ."
نظرتْ إليهِ ليلى، وقدْ اتسعتْ عيناها بدهشةٍ ممزوجةٍ برفضٍ. "نتحرّكَ؟ إلى أين؟"
"سنذهبُ إلى حيثُ يُفترضُ أنْ يلتقيَ أحمدُ. ربما وجدَ طريقةً لتجنبِ ما قدْ حدثَ، أوْ ربما… ربما يحتاجُ إلى المساعدةِ." قالَ خالدٌ، وصوتُهُ يحملُ نبرةَ تصميمٍ. "أمّا أنتِ، فعليكِ أنْ تعوديَ إلى المنزلِ. لا فائدةَ منْ وجودِكِ هنا. الأمرُ خطيرٌ."
"لنْ أعودَ!" قالتْ ليلى بحزمٍ، وتراجعتْ خطوةً إلى الوراءِ، مواجهةً إياه. "لنْ أدعَ أحمدَ يواجهُ أيَّ خطرٍ بمفردِهِ. أنا جزءٌ منْ هذهِ العائلةِ، وهذهِ المهمةُ تخصُّنا جميعًا."
نظرتْ إليها عينا خالدٍ، ولمْ يرَ فيهما إلاَّ إصرارًا عنيدًا. تنهدَّ مرةً أخرى، وابتسمَ ابتسامةً خفيفةً، تكادُ لا تظهرُ. "ماذا عسايَ أنْ أفعلَ معَكِ يا ليلى؟ أنتِ حقًا مزعجةٌ، ولكنّكِ عنيدةٌ كالصخرِ. حسناً، إنْ أصررتِ، فسوفَ ترافقينني. لكنْ بشرطٍ واحدٍ. أنْ تطيعي كلَّ أوامري، وأنْ تلتزمي الصمتَ تمامًا."
ابتسمتْ ليلى ابتسامةَ امتنانٍ، ثمَّ هزّتْ رأسَها بالموافقة. "ما تشاءُ يا خالد."
ركبَ خالدٌ جملهُ، ثمَّ مدَّ يدهُ نحو ليلى، لمساعدتها على الركوبِ. وبينما كانتْ تستعدُّ للانطلاقِ، لمحَتْ شيئًا صغيرًا يلمعُ على الرمالِ، على مقربةٍ منْ المكانِ الذي كانتْ تقفُ فيهِ. انحنتْ بسرعةٍ، والتقطتهُ. كانَ ميداليةَ مفاتيحٍ فضيةً، مزينةً بحرفِ "أ" صغيرٍ، منحوتٌ ببراعةٍ. عرفتْ فورًا أنها تخصُّ أحمد.
"هذا…" بدأتْ تقولُ، لكنَّ خالدًا قاطعها. "هيا بنا. الوقتُ ليسَ في صالحِنا."
ضمّتْ ليلى الميداليةَ إلى صدرِها، وشعرتْ ببرودةِ المعدنِ تنتقلُ إلى يدِها، ثمَّ إلى قلبِها. كانَ ذلكَ دليلًا. دليلًا على أنَّ أحمدَ كانَ هنا. وأنَّ شيئًا ما قدْ حدثَ.
انطلقَ خالدٌ، تلتهُ ليلى، وظلُّهما الطويلُ يمتدُّ على الرمالِ الذهبيةِ معَ شروقِ الشمسِ، نحو المجهولِ، وقلوبهما تخفقُ بخوفٍ وأملٍ، في رحلةٍ بدأتْ بغموضٍ، ولمْ تعرفْ بعدُ ما تخبئُ لها الأيام.