زواج المصلحة 178
لقاءات مبهمة وخطوات مترددة
بقلم سارة العمري
توالت الأيام، حاملةً معها أجندة مزدحمة بالمواعيد والترتيبات. كان نواف وليلى يجتمعان بشكل شبه يومي، إما لمناقشة تفاصيل الزفاف، أو لمجرد تبادل الحديث في أجواء لا تزال تحمل شيئًا من التكلف. كان نواف يحاول جاهدًا كسر الحاجز الذي يفصل بينهما، يبتسم لها، يتحدث عن اهتماماته، ويعرض عليها المساعدة في أي شيء تحتاجه. كانت ليلى ترد بابتسامة مجاملة، وتجيب على أسئلته بأدب، لكنها كانت تشعر بثقل تلك المكالمة الغامضة التي تلقتها.
كانت تحاول أن تتجاهل الأمر، أن ترسّخ قناعة راسخة بأنها ربما كانت مجرد مزحة سخيفة أو محاولة للتشويش. ولكن في أعماقها، كان هناك صوت خفي يهمس لها باليقظة، صوت يذكرها بأن الأمور ليست دائمًا كما تبدو.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تتفقد بعض فساتين الزفاف مع والدتها، تلقت رسالة نصية على هاتفها. لم يكن لديها رقم المرسل، ولكن الرسالة كانت تحمل كلمات مفاجئة: "الليلة، عند الساعة العاشرة، في المقهى القديم في شارع النخيل. إذا أردتِ معرفة الحقيقة، فكوني هناك وحدك."
شعر قلب ليلى بالتوتر. هل هي نفس الشخص الذي اتصل بها؟ هل هذا هو "الأمر الهام" الذي ذكره؟ ترددت كثيرًا. الذهاب وحدها قد يكون خطيرًا، ولكن تجاهل الرسالة يعني ترك الغموض يحيط بمستقبلها. بعد تفكير عميق، قررت أن تذهب. حاولت أن تجد تفسيرًا منطقيًا، ربما شخص يعرف شيئًا عن تاريخ عائلتها، أو عن نواف.
أخبرت جدتها أنها ستخرج مع صديقة، وارتدت ثيابًا بسيطة، ثم توجهت إلى المقهى القديم. كانت الأجواء في المقهى هادئة، تفوح منه رائحة القهوة العربية الأصيلة، وتضاء بأنوار خافتة. جلست على طاولة في زاوية بعيدة، تنتظر.
بعد دقائق، تقدم منها رجل يرتدي قبعة أنيقة، ويحمل في يده صحيفة مطوية. جلس على الطاولة المقابلة لها، ونظر إليها بنظرة فاحصة.
"هل أنتِ ليلى؟" سأل بصوت منخفض.
"نعم. ومن أنت؟" أجابت ليلى بثبات.
"أنا صديق قديم لعائلتك. شخص يعرف الكثير عن تاريخ هذا الزواج." قال الرجل وهو يرفع صحيفته قليلاً، ثم وضعها جانبًا. "أنتِ لستِ الوحيدة التي تشعر بأن هناك شيئًا غريبًا."
"ماذا تقصد؟" سألت ليلى بلهجة حذرة.
"هذا الزواج، يا ليلى، ليس مجرد زواج مصلحة عائلي كما يبدو. هناك أسباب أعمق، وأهداف خفية، لم يتم إخبارك بها." قال الرجل وهو يرتشف من فنجان قهوته.
"أسباب خفية؟ أي أسباب؟"
"العائلتان، عائلة والدك وعائلة نواف، تربطهما صفقات تجارية قديمة، ولكن هناك صفقة حديثة، صفقة تتعلق بأرض كانت ملكًا لوالدك، والتي تم بيعها لعائلة نواف بطريقة ملتوية. بيع لم يتم فيه ذكر اسمك أو موافقتك، بل تم استغلال ضعف العائلة بعد وفاة والدك."
صدمت ليلى. والدها؟ أرض؟ صفقات؟ لم تكن تعلم شيئًا عن هذا الأمر. كانت تعتقد أن عائلتها تعاني من ضائقة مالية بسيطة بعد وفاة والدها، وأن جدتها وافقت على الزواج لتأمين مستقبلها.
"لكن جدتي لم تخبرني بشيء كهذا. والدي لم يكن لديه الكثير من الأراضي." قالت ليلى وهي تشعر بالارتباك.
"والدك كان لديه قطعة أرض نادرة، لها قيمة استراتيجية كبيرة. والصفقة تمت بسرعة، وبشكل سري، بعد وفاته. ثم جاءت فكرة هذا الزواج لتكون بمثابة غطاء، لإغلاق هذا الملف تمامًا، ولضمان عدم إثارة أي شكوك."
"وهل نواف يعلم بكل هذا؟" سألت ليلى بصوت مرتجف.
"نواف شاب طموح، ولكنه ليس دائمًا على دراية كاملة بكل التفاصيل التي يدبرها والده. ولكن والده، السيد غالب، هو المحرك الأساسي لكل هذه الأمور. هو من رأى في زواجك بابًا لتثبيت ملكيته للأرض، ولإرضاء عائلة والدك وربما إخراس أي صوت قد يعارض. ولكن هناك طرف آخر، لا يزال يبحث عن العدالة، وهذا الطرف هو من أرسل لي ليخبرك."
"من هو هذا الطرف؟"
"شخص يحب والدك، ويريد أن يحمي إرثه. وهو يخشى أن تذهب هذه الأرض، وبالتالي جزء من تاريخ عائلتك، إلى غير مستحقيها."
كانت كلمات الرجل تطرق أوتارًا حساسة في قلب ليلى. شعرت بالغضب، بالخيانة، وبالحزن. كيف يمكن لعائلتها أن تخفي عنها أمرًا كهذا؟ وكيف يمكن لعائلة نواف أن تستغل ضعفهم بهذا الشكل؟
"وماذا تريد مني؟" سألت ليلى، وقد بدأت تتخذ قرارًا.
"أن تفهمي الحقيقة كاملة. وأن تتخذي القرار الصحيح. هذا الزواج قد يكون في ظاهره زواج مصلحة، ولكنه مبني على أساس غير سليم. لديكِ الحق في معرفة كل شيء، وفي اتخاذ الخطوة التي تخدم مصلحتك، ومصلحة إرث والدك."
استيقظ نواف في صباح اليوم التالي على أخبار غير سارة. كان هناك بعض المشاكل في أحد مشاريع الشركة، ومشادات بين الموظفين. بالإضافة إلى ذلك، وصله خبر عن تأجيل مفاوضات هامة كان يعلق عليها آمالاً كبيرة. شعر بالإحباط. كان يرى في هذا الزواج، وبناء أسرة مستقرة، بداية جديدة له، ولكنه وجد نفسه غارقًا في مشاكل العمل.
عندما ذهب للقاء ليلى في قصر جدتها، وجدها شاردة الذهن، وهالات سوداء واضحة حول عينيها.
"صباح الخير يا ليلى. ما بكِ؟ تبدين متعبة." قال نواف وهو يجلس بجانبها.
"صباح النور يا نواف. لا شيء، ربما قلة نوم." أجابت ليلى ببرود.
لم يكن نواف مقتنعًا، لكنه لم يضغط عليها. لاحظ أنها أصبحت أكثر تحفظًا، وأقل استعدادًا للحديث عن تفاصيل الزفاف. كان يشعر أن هناك شيئًا يتغير، شيئًا يبتعد به عنها.
"هل أنتِ متأكدة أن كل شيء على ما يرام؟" سأل مرة أخرى.
"نعم، أنا بخير. ربما نحتاج فقط لبعض الوقت لنعتاد على بعضنا البعض." قالت ليلى، بينما كان عقلها يعود إلى الرجل الغامض والكلمات التي قالها. هل تتحدث مع نواف؟ هل تصدق ما قيل لها؟ هل هو حقًا لا يعلم شيئًا؟
كانت الحقيقة المؤلمة تلوح في الأفق، وكان عليها أن تجد طريقها وسط هذه الشبكة المعقدة من الأكاذيب والمصالح.