زواج المصلحة 178
اعترافات مترددة وندم مبكر
بقلم سارة العمري
في الأيام التي تلت لقاءها الغامض في المقهى، عاشت ليلى حالة من الاضطراب الداخلي. كانت كلماتها تدور في رأسها كأعصار، تارةً تشعر بضرورة المواجهة، وتارةً أخرى تخشى عواقب ذلك. هل تواجه نواف مباشرةً؟ أم تبحث عن دليل أقوى؟ هل تثق في كلام الرجل الذي لا تعرفه؟
قررت أن تبدأ بالتحقق. بدأت بالبحث في أوراق والدها القديمة، تلك التي احتفظت بها جدتها بعناية. قضت ساعات طويلة في تفحص وثائق قديمة، رسائل، وفواتير. وجدت بعض الوثائق المتعلقة بصفقات عقارية، ولكن لم يكن هناك أي ذكر واضح لقطعة أرض معينة أو لبيعها لعائلة نواف. ومع ذلك، لاحظت أن والدها كان يحاول جاهدًا حل بعض المشاكل المالية قبل وفاته، وأن هناك بعض الديون التي كانت تلاحقه.
ذهبت ليلى إلى جدتها، السيدة عائشة، وبدأت بالحديث معها بشكل غير مباشر.
"جدتي، هل تتذكرين أي شيء عن ممتلكات أبي؟ هل كان يمتلك أرضًا كبيرة؟" سألت ليلى وهي تحاول أن تبدو طبيعية.
نظرت السيدة عائشة إليها بتعجب. "لماذا تسألين عن هذا الآن يا ابنتي؟ والدك لم يكن يمتلك الكثير، بل كان في فترة من الضائقة المالية قبل أن... قبل أن يرحل. وقد حاولت مساعدته قدر استطاعتي."
"وهل تتذكرين إن كانت هناك أي صفقة بيع كبيرة تمت في تلك الفترة؟ ربما أرض كبيرة؟" سألت ليلى، وشعرت بقلبها يخفق بقوة.
صمتت السيدة عائشة قليلاً، وارتسمت على وجهها علامات الحزن. "أتذكر أن والدك كان يبحث عن حل لبعض المشاكل. وبسبب ضغوط والد نواف، السيد غالب، وبعض الأمور الأخرى، تم بيع بعض الممتلكات لتقليص الديون. ولكن لا أتذكر تفاصيل دقيقة. كان الأمر معقدًا، ولم أرد أن أثقل عليكِ وقتها."
شعرت ليلى بأن جدتها تخفي شيئًا، أو أنها لا تريد أن تتذكر. ولكنها أدركت أن جدتها لم تكن تعرف تفاصيل بيع الأرض التي تحدث عنها الرجل الغامض، أو أنها فضلت تجاهلها.
وفي خضم هذه التساؤلات، قررت ليلى أن تتواصل مع الرجل الغامض مرة أخرى. أرسلت له رسالة نصية قصيرة: "أحتاج لمزيد من المعلومات. من أنت؟ ومن هو الطرف الذي يبحث عن العدالة؟"
بعد يومين، تلقت ردًا: "اسمي هشام. أنا صديق قديم لوالدك. أما الطرف الآخر، فهو والدتك، السيدة هدى. هي من كانت تحاول استعادة حقكم، ولكنها لم تجد القوة الكافية. إنها تثق بكِ، وتعتقد أنكِ قادرة على تحقيق العدالة."
صدمت ليلى. والدتها؟ والدتها التي كانت دائمًا هادئة ومنسحبة، هي من كانت تحاول استعادة الحق؟ وكيف؟
في المساء، ذهبت ليلى لزيارة والدتها. بدت السيدة هدى وكأنها تعاني من ضغوطات كثيرة.
"أمي، هل تعرفين شيئًا عن بيع أرض لنا؟ أرض قد تكون ملكًا لوالدي؟" سألت ليلى مباشرة.
نظرت والدتها إليها بصدمة. "من أخبركِ بهذا؟"
"شخص يدعى هشام. يقول إنه صديق لأبي. وقال إنكِ كنتِ تحاولين استعادة حقوقنا."
تنهدت السيدة هدى بعمق، وبدأت بالبكاء. "نعم يا ابنتي. لقد حاولت. بعد وفاة والدك، اكتشفت أن هناك صفقة مشبوهة تمت لبيع أرض عزيزة لوالدك. كانت تلك الأرض جزءًا من إرثه، ووالد نواف، السيد غالب، كان لديه أطماع فيها. لقد استغل ضعفنا، وحاول أن يجعل الصفقة تتم بأقل قيمة ممكنة، وربما بدون علمكم. لقد عارضت بشدة، ولكن السيد غالب كان رجلًا نافذًا، ووالد نواف، وأغلب الناس في المجتمع كانوا يدعمونه. لم يكن لدي القوة الكافية لمواجهته بمفردي، ولم أرد أن أزعجكِ في وقت عصيب."
"ولماذا لم تخبريني؟" سألت ليلى بحزن.
"كنت أخشى عليكِ. وكنت أخشى أن يتسبب ذلك في مشاكل أكبر. وعندما جاءت فكرة زواجك من نواف، رأيت فيها فرصة. فرصة ربما لتقريب وجهات النظر، أو على الأقل للتفاوض. ولكن يبدو أن الأمور ساءت أكثر."
شعرت ليلى بالذنب. والدتها كانت تعاني وحدها، وتحاول حماية إرث زوجها.
"أمي، الآن أنا أعرف. وسأفعل كل ما في وسعي لاستعادة حقنا. ولكن أحتاج منكِ أن تخبريني بكل التفاصيل. كل شيء." قالت ليلى بحزم.
بدأت السيدة هدى تسرد كل ما تعرفه، عن تاريخ تلك الأرض، وعن قيمة والدها لها، وعن محاولات السيد غالب للسيطرة عليها، وعن خوفها من مواجهة نواف.
في هذه الأثناء، كان نواف يعاني من ضغوط متزايدة في عمله. كان والده، السيد غالب، يضغط عليه باستمرار لإتمام صفقة استثمارية جديدة، صفقة كان نواف يشعر أنها غير آمنة، ولكن والده كان يصر عليها.
"يا بني، هذه الصفقة ستجعلنا نتربع على عرش الاستثمار. لا تفكر كثيرًا، فقط نفذ ما أقوله." قال السيد غالب بنبرة آمرة.
"ولكن يا أبي، هناك مخاطر كبيرة. وأنا لا أرى فيها ضمانات كافية." رد نواف.
"الضمان الوحيد هو ثقتي بنفسي. هل أنتَ تشك في حكمي؟" سأل السيد غالب بغضب.
شعر نواف بأنه محاصر. كان يعرف أن والده غالبًا ما يتصرف بناءً على رغبته دون النظر إلى العواقب.
في المساء، بعد حديثه مع والدته، قررت ليلى أن تواجه نواف. لم يعد بإمكانها الاستمرار في التمثيل. كان عليها أن تعرف موقفه.
"نواف، نحتاج للتحدث." قالت ليلى عندما التقته في قصر جدتها.
"بالتأكيد يا ليلى. ما الأمر؟" قال نواف، ولاحظ نظرتها الجادة.
"هل تعلم شيئًا عن صفقة بيع أرض لوالدك، كانت في الأصل لوالدي؟" سألت ليلى مباشرة.
صمت نواف لحظة. كان يشعر بأن الأرض تميد به. لم يكن يتوقع هذا السؤال.
"هذا... هذا أمر معقد يا ليلى. والدي هو من يدير هذه الأمور." قال نواف بتردد.
"ولكن هل أنتَ تعلم شيئًا؟ هل تعلم أن هذه الصفقة تمت بطريقة غير عادلة؟" استمرت ليلى في سؤالها.
نظر نواف إلى ليلى، ورأى في عينيها الألم والإصرار. شعر بندم مبكر على كل ما كان يحدث.