الفصل 16 / 25

زواج المصلحة 178

كشف الأوراق وارتفاع الموج

بقلم سارة العمري

اجتمع الأهل في منزل آل الصياد، ليس كأي اجتماع عادي، بل كاجتماع طارئ، فرضته ثقالة الأحداث المتسارعة. الأجواء كانت مشوبة بتوتر شديد، بالكاد تستطيع رياح البخور المتصاعدة أن تخفي وقع الصمت المطبق الذي خيّم على المكان. كانت فاطمة تجلس بجوار والدها، وعيناها تتقصى وجه والدتها، التي بدت كالعادة، متحفظة، ولكن نظراتها تحمل قدراً من القلق المخفي.

كانت السيدة آمنة، والدة خالد، قد طلبت هذا الاجتماع بشكل مفاجئ. لم يكن أحد يفهم السبب الحقيقي وراء هذا الاستدعاء المفاجئ، ولكن الجميع كان يشعر بأن أمراً جللاً على وشك الحدوث. كانت السيدة آمنة، المعروفة بصرامتها وهيبتها، قد بدت في الآونة الأخيرة متزايدة في تدخلاتها، خاصة فيما يتعلق بتفاصيل الزواج، ومظاهره، وقائمة المدعوين، والتكاليف.

بدأت السيدة آمنة الحديث بلهجة رسمية، وكأنها تترأس مجلس إدارة شركة لا جمع شمل عائلة. "أيها الحضور الكرام، نعلم جميعاً الغرض من هذا الاجتماع. لقد توصلنا لاتفاق مبدئي على زواج ابني خالد من الآنسة فاطمة. ولكن، قبل أن نخطو أي خطوة رسمية أخرى، هناك أمور جوهرية يجب أن نضعها نصب أعيننا."

كانت فاطمة تستمع بقلب يخفق بعنف. شعرت بأن كل الأبصار موجهة إليها، وبأنها الهدف من كل هذه الجمل. "لقد راعيت في الفترة الماضية، وفي ظل رغبة ابني، تقاليد عائلتنا العريقة. ولكن، يبدو أن هناك بعض التناقضات التي لا يمكننا تجاهلها." استطردت السيدة آمنة، وعيناها مثبتتان على فاطمة. "أعلم أن عائلة الآنسة فاطمة طيبة، ولكننا، عائلة آل الصياد، لنا بصمتنا الخاصة في المجتمع. ولذلك، فإن أي زواج يخرج من هذه العائلة يجب أن يعكس هذه المكانة، وأن يحافظ على سمعتها."

تجرأت والدة فاطمة، السيدة زينب، وقالت بهدوء: "نحن نحترم تقاليدكم يا سيدتي. ولكن، هل المكانة تقاس بالمظاهر فقط؟ أليست الأخلاق والقيم هي الأهم؟" ابتسمت السيدة آمنة بسخرية خفيفة، لم تكن تبدو مجاملة أبداً. "الأخلاق والقيم مهمة، بالطبع. ولكن، العادات والتقاليد، والاحترام الاجتماعي، هي أيضاً أساس بناء الأسرة. أنا لا أريد أن أرى ابني، ولا عائلتي، عرضة للانتقادات أو النظرات التي قد تقلل من شأنهم."

ثم ألقت السيدة آمنة القنبلة التي كانت تحملها. "لهذا السبب، وبناءً على مناقشات أجريتها مع بعض المقربين، رأيت أنه من الضروري أن نضع بعض الشروط، أو لنقل، بعض التعديلات، لضمان سير الأمور بالشكل الذي يرضي الجميع، وخاصة، سيرها بما يليق بعائلة الصياد." كانت فاطمة تشعر بأن الأرض تبتلعها. ما هي هذه الشروط؟ هل هي مجرد طلبات بسيطة، أم أنها ستكون قيوداً تقيد حريتها، أو كرامتها؟

"أولاً،" قالت السيدة آمنة، وتوقفت قليلاً لتزيد من إثارة التشويق، "فيما يتعلق بحفل الزفاف، أريد أن يكون في قاعة فندق 'الملك فهد'، وهي قاعة تليق بمكانتنا. ولدي قائمة بأسماء معينة من المدعوين، لا يمكننا الاستغناء عنهم. كما أريد أن يكون هناك تنسيق خاص للملابس، يعكس الأناقة والرقي." هذه الشروط، وإن بدت مادية، لم تكن هي العقبة الأكبر. كانت فاطمة تعلم أن والدها، وإن كان يفضل البساطة، سيحاول تلبية رغباتهم قدر الإمكان.

"ثانياً،" أكملت السيدة آمنة، وارتفعت نبرتها قليلاً، "وهذا هو الأهم. أريد أن يكون هناك اتفاق واضح حول مستقبل خالد المهني. نعلم أن لديه بعض الطموحات الشخصية، ولكن، يجب أن نراعي أيضاً مصلحة العائلة. أريد أن يركز خالد على العمل في شركتنا، وأن ينسى هذه الأفكار الغريبة التي يحلم بها. كما أنني أرى أنه من الضروري أن تنتقل الآنسة فاطمة للإقامة معنا بعد الزواج، على الأقل في السنة الأولى، لنتعرف عليها جيداً، وليتأقلم مع أجواء عائلتنا."

كان هذا هو الانعطاف الحاد الذي لم تتوقعه فاطمة على الإطلاق. الإقامة مع والدة خالد؟ هذا يعني التخلي عن استقلاليتها، عن حياتها الخاصة، عن مساحتها. هذا يعني أن تصبح تحت المجهر بشكل دائم، وأن تخضع لتقييم مستمر. شعرت بأن حلقها يضيق، وأن الكلمات تتجمد على شفتيها.

كان والدها، السيد أحمد، يبدو عليه الاستياء الشديد، ولكنه حاول التزام الهدوء. "يا سيدتي آمنة، نحن نحترم رغباتكم، ولكن، هذه الشروط… خاصة شرط الإقامة، تبدو صعبة. فاطمة شابة، ولها حياتها، وعليها أن تبدأ حياتها الزوجية في منزلها الخاص."

ضحكت السيدة آمنة بصوت عالٍ، ضحكة لم تكن تحمل أي فرح. "منزلها الخاص؟ هل تعتقد أننا لا نملك بيوتاً تكفي؟ هذه ليست رفاهية، يا سيد أحمد، هذه مسألة تكاتف عائلي. أريد أن تتجاوز هذه الفروقات التي قد تنشأ بين الأزواج في بدايات حياتهم. أريد أن أكون جزءاً من حياتهم، وأن أساعدهم."

في تلك اللحظة، لم تستطع فاطمة السكوت. شعرت بأن كل أحلامها، وكل آمالها، تتكسر أمام عينيها. "عفواً، يا والدة خالد." قالت بصوت مرتجف، ولكنها حاولت أن تمنحه القوة. "أنا أقدر اهتمامك، ولكن، كما قال والدي، أنا شابة، وأحتاج إلى بناء حياتي الخاصة. لا يمكنني أن أعيش تحت وصاية أحد. الزواج هو شراكة، وليس تبعية."

نظرت إليها السيدة آمنة بحدة، وكأنها لم تتوقع منها هذه الجرأة. "شراكة؟ هل تعتقدين أنكِ قادرة على إدارة منزل كبير مثل منزلنا؟ هل لديكِ الخبرة الكافية؟" شعرت فاطمة بالإهانة، ولكنها لم تسمح لدموعها بالهطول. "أنا لست خادمة، يا سيدتي. أنا زوجة، وسأكون شريكة. وسأتعلم، وأبذل جهدي، ولكن في مساحتي الخاصة، ومع زوجي."

استدارت السيدة آمنة نحو ابنها، خالد، الذي كان يجلس صامتاً، بوجه متجهم. "ما رأيك يا خالد؟ هل توافق زوجتك المستقبلية على ما قلته؟ أم أنها ترى أن هذه الأمور لا تعنيها؟" نظر خالد إلى فاطمة، ثم إلى والدته. كان الصراع واضحاً على وجهه. كان يعلم أن والدته تحاول وضع قيود على حياته، وأن فاطمة تقف مدافعاً عن كرامتها. "أمي،" قال بصوت هادئ ولكنه حازم، "فاطمة محقة. الزواج هو شراكة، وهي ستبني حياتها معي. نحن من سيقرر كيف نعيش، وكيف نبني مستقبلنا."

"يعني أنت معها؟" سألت السيدة آمنة، وقد ارتفعت حدة صوتها. "أنت تعارض أمك؟" "لا أعارضكِ، أمي،" أجاب خالد، "ولكنني سأبني حياتي بالطريقة التي أراها صحيحة. فاطمة هي من اختارتها، وهي من أحببتها. ومستقبلنا سيكون لنا وحدنا."

كانت الكلمات أشبه بالصواعق. لقد وصلوا إلى نقطة اللاعودة. النقاش تحول إلى مواجهة. السيدة آمنة، التي اعتادت أن تكون كلمتها هي العليا، وجدت نفسها في موقف لا تحسده عليه. فاطمة، بشجاعتها، كسرت حاجز الصمت، وخالد، بوقوفه إلى جانبها، وضع حداً لتدخلات والدته.

انسحب والد فاطمة، السيد أحمد، بعينين مليئتين بالقلق، ولكنهما تحملان أيضاً قدراً من الرضا عن شجاعة ابنته. لم يستطع أن يتدخل أكثر من ذلك، فقد أصبح الأمر بين خالد ووالدته. خرجت فاطمة من ذلك الاجتماع وقلبها يخفق مزيجاً من الخوف والأمل. لقد كشفت الأوراق، ولكن الأمواج بدأت ترتفع. هل ستنجح هذه العلاقة في تجاوز هذه العاصفة؟ أم أنها ستغرق في بحر من الضغوط العائلية؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%