زواج المصلحة 178
أسرار تتكشف في ليلٍ عاصف
بقلم سارة العمري
كانت ليلةً باردةً، ليست كبرد الشتاء المعتاد، بل بردٌ يتسلل إلى العظام من رطوبةٍ تلفُّ المكان، ورعدٌ بعيدٌ يتوالى كضربات قلبٍ مضطرب. في قصر آل الباز، حيث الستائر المخملية الثقيلة تمنع تسرب الضوء والقلق، كانت الأجواء مشحونةً بالتوتر. أميرة، التي كانت بالأمس قريبةً من قلب زوجها، تشعر الآن بمسافةٍ جليديةٍ تفصل بينهما. كانت تجلس في غرفتها، تتأمل وجهها الشاحب في المرآة، لا تعرف أيَّ طريقٍ تسلك. هل هو شكٌ يساورها؟ أم حقيقةٌ مؤلمةٌ بدأت تلوح في الأفق؟
جاسر، في مكتبه الفخم، كان يتنقل ذهاباً وإياباً كحيوانٍ محبوس. أمامه كومةٌ من الأوراق، وثائقٌ تبدو عاديةً للوهلة الأولى، لكنها تحمل في طياتها ما سيقلب حياته رأساً على عقب. عيناه كانتا تعكسان صراعاً داخلياً عنيفاً. لطالما آمن بأن زواجه من أميرة كان مبنياً على أسسٍ متينة، على وعدٍ بالستر والاحترام المتبادل، حتى وإن بدأ بظروفٍ غير اعتيادية. لكن ما كشفه المحامي الليلة الماضية، من خلال تلك الرسائل القديمة، كان أشبه بصاعقةٍ ضربت سفينةً راسيةً في بحرٍ هادئ.
"لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً!" تمتم لنفسه، وصوته يرتجف. الرسائل كانت بين رجلٍ غامضٍ كان يدّعي حبه لأميرة قبل زواجها، رجلٍ لم تسمع به أميرة قط، أو هكذا ادّعت. تلك الرسائل، والتي وجدت بالصدفة في أرشيف قديم يتعلق بصفقةٍ تجاريةٍ لوالده، كانت مليئةً بالكلمات المعسولة، بالوعود، وبخططٍ لبناء مستقبلٍ معاً. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. كانت هناك إشاراتٌ إلى لقاءاتٍ سرية، إلى هديةٍ ثمينةٍ قدّمتها له، بل وإلى خطةٍ للهروب معاً.
توقف عن المشي، وأغلق عينيه بقوة. هل كانت أميرة قد عاشت قصة حبٍ قبل زواجه بها، قصة حبٍ كانت تنوي فيها التخلي عن كل شيء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف استطاعت أن تخدعه بكل هذا الهدوء؟ هل كان كل ما بينهما محض تمثيل؟ تذكر نظراتها الدافئة، ابتسامتها التي كانت تضيء عالمه، هدوءها الذي كان يبعث الطمأنينة في قلبه. هل كان كل هذا كذباً؟
قرر جاسر أن يواجهها. لم يعد بإمكانه تحمل هذا العبء وحده. فتح باب المكتب، وسار بخطواتٍ ثابتةٍ نحو غرفة نومهما، رغم أنه كان يعلم أن الطريق إلى قلبها، أو بالأحرى إلى حقيقتها، سيكون أصعب بكثير.
في هذه الأثناء، كانت أميرة تتفقد هاتفها، تبحث عن رسالةٍ قد لا تأتي أبداً، أو ربما عن تأكيدٍ لشيءٍ كانت تخشاه. منذ أن بدأت تشعر ببرودٍ مفاجئٍ من جاسر، وبنظراته الثاقبة التي تحمل ألغازاً، عادت إليها ذكرياتٌ دفنتها عميقاً. ذكرياتٌ عن رجلٍ في ماضيها، عن علاقةٍ سريعةٍ انتهت قبل أن تبدأ، عن خوفٍ ورعبٍ جعلها تتعهد لنفسها بأن لا تعود أبداً إلى تلك الحقائق المؤلمة.
دقَّ الباب. رفعت رأسها بفزع، وقلبها يخفق بقوة. كان جاسر واقفاً على العتبة، وجهه خالٍ من أي تعبير، لكن عينيه كانتا تقولان ألف كلمة.
"أميرة، نحتاج أن نتحدث." قال بصوتٍ هادئٍ ولكنه يحمل ثقلاً كبيراً.
جلست أميرة على طرف السرير، تشعر بالبرد يتزايد. "تفضل يا جاسر."
تقدم جاسر وجلس على مقعدٍ قريب، وبدأ بالحديث. لم يتهمه مباشرةً، لكنه بدأ بسرد تفاصيل الرسائل، بالأسئلة عن رجلٍ غامضٍ، وعن ماضٍ كانت أميرة تظن أنها أغلقته إلى الأبد. بدأت علامات الذعر تظهر على وجه أميرة. شحبت يداها، وتجمدت في مكانها.
"من أين لك بهذا؟" سألت بصوتٍ بالكاد مسموع.
"هذا ليس مهماً الآن. المهم هو الحقيقة. هل تعرفين عن هذه الرسائل؟ هل تعرفين عن هذا الرجل؟" سأل جاسر، ونبرته بدأت تتصاعد قليلاً.
نظرت إليه أميرة بعيونٍ دامعة. كانت تعلم أن الكذب لن يفيدها. كان هذا هو الخط الفاصل، نقطة اللاعودة. "نعم، أعرف." قالت بصوتٍ مرتعش.
"ومن هو؟ ولماذا كانت هناك خططٌ للهروب؟" سأل جاسر، وقد بدأ الغضب يطغى على نبرته.
"كان... كان صديقاً قديماً. في فترةٍ كنت فيها ضعيفةً، وضائعةً. هو... هو استغل ضعفي." بدأت أميرة بالتمتمة، وهي تحاول لملمة شتات نفسها.
"استغل ضعفك؟ أم كنتِ تخططين للخيانة؟" قال جاسر، وقد ارتفعت نبرته بشكلٍ ملحوظ. "هل كل هذا الزواج كان مجرد تظاهر؟ هل كنتِ تنتظرين الفرصة للعودة إليه؟"
"لا! أبداً! لم يكن الأمر كذلك!" صرخت أميرة، والدموع تنساب على خديها. "لقد قطعت علاقتي به منذ زمنٍ طويل. كنت أخاف أن أعرف شيئاً كهذا، أخاف أن يؤثر على حياتي، على مستقبلي."
"لكنكِ أخفيتِ الأمر. أخفيتِ عني جزءاً مهماً من ماضيكِ." قال جاسر، وعيناه تلمعان بالخيبة.
"كنتُ خائفةً. خائفةً من ردة فعلك. خائفةً من أن تظن بي سوءاً. لقد كان غلطةً، غلطةً تبتعدت عنها ولم أتفوه بها لأحد." أجابت أميرة، وهي تحاول أن تتحكم في صوتها.
"لكن هذه الرسائل لا تشير إلى غلطةٍ عابرة، بل إلى نيةٍ واضحة." قال جاسر، وبدأ في قلب إحدى الرسائل. "هنا يتحدث عن هديةٍ ثمينةٍ أعطيتها له، وعن رغبتكما في بناء مستقبلٍ بعيداً عن الأنظار. هل هذا كله مجرد خيال؟"
صمتت أميرة، وبدت كمن فقدت الكلام. كانت الحقيقة أشد إيلاماً مما كانت تتخيل. كان جاسر يحمل في يديه الأدلة على ماضيها، ماضٍ لم يكن يتوقع أن يكتشفه بهذه الطريقة.
"يا أميرة، أنا تزوجتكِ لأني رأيت فيكِ الصدق والوفاء. رأيت فيكِ شريكةً لحياتي، أمّاً لأولادي. هل كنتِ تخبرينني بالحقيقة لو لم يتم كشف هذه الرسائل؟" سأل جاسر، ونبرته هادئةٌ الآن، ولكنها تحمل يأساً عميقاً.
"كنتُ سأخبرك. في الوقت المناسب. لم أكن أريد أن أخسرك." قالت أميرة، وهي تنظر إليه بشوقٍ وألم.
"ولكنكِ الآن أمام خيارٍ صعب. إما أن تخبريني كل شيء، كل شيءٍ حقيقي، أو أن نعود إلى حيث بدأنا، كلٌ في عالمه. هذه الرسائل غيرت كل شيء." قال جاسر، وألقى الورقة على الطاولة. "أنا لا أستطيع أن أبني مستقبلاً على أساسٍ من الشك والخداع. أريد الحقيقة كاملة، حتى لو كانت مؤلمة."
نظرت أميرة إلى جاسر، ثم إلى الرسائل المتناثرة على الطاولة. شعرت بأنها في مفترق طرقٍ خطير. لم يعد بالإمكان العودة إلى الوراء. هل تكشف كل شيء، حتى لو كان ذلك يعني تدمير ما بنته مع جاسر؟ أم تظل غامضةً، وتعيش في قلقٍ دائم؟ الرعد دوَّى بقوةٍ في الخارج، وكأن السماء تبكي معها.