زواج المصلحة 178

قصر الرمال ولغز الباب الموصد

بقلم سارة العمري

كانَ الطريقُ إلى قصرِ الرمالِ شاقًا، لكنَّ ليلى وخالدًا لمْ يسمحا للمشقةِ بأنْ تمنعهما منَ التقدمِ. سارَ خالدٌ في المقدمةِ، كقائدٍ لا يشقُّ لهُ غبارٌ، وليلى خلفهُ، تتبعُ خطواتهِ بثباتٍ، وقلبُها يخفقُ بقوةٍ معَ كلِّ نسمةِ ريحٍ باردةٍ. كانتْ الرمالُ تلعبُ دورَ الشاهدِ الصامتِ على رحلتهما، تحكي قصصَ منْ مرّوا بهذهِ الأرضِ القاسيةِ.

قصرُ الرمالِ، هوَ الاسمُ الذي أطلقَهُ الناسُ على هذهِ البقعةِ النائيةِ منَ الصحراءِ. لمْ يكنْ قصرًا بالمعنى الحرفيِّ للكلمةِ، بلْ كانَ مجردَ بيتٍ كبيرٍ، قديمٍ، بناهُ أحدُ أثرياءِ التجارِ قبلَ عقودٍ، ليجعلَ منهُ استراحةً لهُ ولِقافلتِهِ. لكنَّ الزمنَ والرمالَ قدْ غيّرا معالمَهُ، وجعلاهُ يبدو كأنّهُ قدْ نبتَ منَ الأرضِ نفسها، كالواحةِ الغامضةِ وسطَ صحراءَ متراميةِ الأطرافِ. كانَ المكانُ يحملُ هالةً منَ الغموضِ، ويُحكى عنهُ الكثيرُ منَ الأساطيرِ.

عندما وصلَ خالدٌ وليلى إلى مشارفِ القصرِ، توقفا للحظةٍ. كانَ البيتُ يقفُ شامخًا، لكنَّ بابهُ الرئيسيَّ، الذي كانَ يعلوهُ نقشٌ بارزٌ لِصقرٍ جارحٍ، كانَ موصدًا بإحكامٍ. لمْ يكنْ هناكَ أيُّ أثرٍ للحياةِ، أوْ أيُّ دليلٍ على وجودِ أحدٍ. فقطْ صمتٌ ثقيلٌ، وسكونٌ يخفي تحتَهُ الكثيرَ منَ الأسرارِ.

"ماذا نفعلُ الآن؟" سألتْ ليلى بصوتٍ هامسٍ، وهيَ تنظرُ إلى البابِ المغلقِ.

"علينا أنْ نجدَ طريقةً للدخولِ." أجابَ خالدٌ، وقدْ بدأتْ علاماتُ القلقِ تتزايدُ على وجهِهِ. "ربما هناكَ مدخلٌ خلفيٌ، أوْ نافذةٌ غيرُ محروسةٍ."

بدأَ خالدٌ يتجولُ حولَ القصرِ، يبحثُ عنْ أيِّ ثغرةٍ، وليلى تتبعهُ. كانَ الجوُّ في الخارجِ حارًّا، والشمسُ قدْ بدأتْ تسطعُ بقوةٍ. عيناهُ كانتْ تبحثُ عنْ أيِّ علامةٍ، أيِّ أثرٍ يدلُّ على وجودِ أحمدَ.

بعدَ دقائقَ منَ البحثِ، وجدَ خالدٌ بابًا خلفيًّا صغيرًا، يكادُ يكونُ مخفيًا خلفَ سياجٍ منَ النباتاتِ الصحراويةِ الجافةِ. كانَ البابُ خشبيًّا، وبالٍ، لكنهُ بدا متينًا. حاولَ فتحهُ، لكنهُ وجدَهُ مغلقًا.

"هذا البابُ أيضًا مغلقٌ." قالَ لخالدٍ، وقدْ علا صوتُهُ قليلاً منَ الإحباطِ.

"هلْ جربتَ أنْ تنظرَ منْ خلالِ هذهِ النافذةِ؟" سألتْ ليلى، مشيرةً إلى نافذةٍ صغيرةٍ، عاليةٍ، تكادُ لا تُرى.

نظرَ خالدٌ إلى حيثُ أشارتْ، ثمَّ قالَ: "إنّها عاليةٌ جدًا، ولنْ أستطيعَ رؤيةَ شيءٍ منها."

"ربما يمكنني أنْ أصلَ إليها." قالتْ ليلى، وقدْ لمعتْ في عينيها فكرةٌ.

"لا تفكري في ذلكِ! إنّهُ خطرٌ." قالَ خالدٌ بحزمٍ.

"لكنَّ أحمدَ في خطرٍ، وخالدٌ. يجبُ أنْ نجدَ طريقةً. إنْ كنتَ لنْ تفعلَ، فسأفعلُ أنا." قالتْ ليلى، وذهبتْ نحو النافذةِ.

نظرَ إليها خالدٌ بعينينِ تحملانِ مزيجًا منَ الدهشةِ والانزعاجِ. لمْ يكنْ يتوقعُ منها هذا التصميمَ. كانَ يعتقدُ أنها ستكونُ أكثرَ حذرًا. لكنّها كانتْ أكثرَ شجاعةً مما كانَ يتوقعُ.

"حسناً. ولكنْ بحذرٍ شديدٍ." قالَ خالدٌ، وقبلَ أنْ تتسلقَ ليلى، أحضرَ صندوقًا خشبيًا قديمًا، ووضعهُ تحتَ النافذةِ، لتستخدمهُ كدرجةٍ أولى.

تسلقتْ ليلى الصندوقَ، ثمَّ مدتْ يديها محاولةً الوصولَ إلى حافةِ النافذةِ. كانتْ يدها ترتجفُ قليلاً، لكنها لمْ تفقدْ السيطرةَ. بعدَ جهدٍ، تمكنتْ منْ الإمساكِ بالنافذةِ، ثمَّ رفعتْ نفسَها بحذرٍ.

كانتْ الرؤيةُ منْ داخلِ النافذةِ محدودةً، لكنها استطاعتْ أنْ ترىَ غرفةً مظلمةً، مليئةً بالأثاثِ القديمِ المغطى بالترابِ. كانَ الهواءُ راكدًا، ورائحةُ الغبارِ والعتامةِ تملأُ المكانَ. وبينما كانتْ عيناها تتأقلمانِ معَ الظلامِ، لمحتْ شيئًا على الأرضِ.

"هناكَ شيءٌ على الأرضِ!" نادتْ ليلى بصوتٍ متحمسٍ، ثمَّ حاولتْ أنْ تدفعَ النافذةَ لِتفتحَ. كانتْ ثقيلةً، لكنها كانتْ منَ الخشبِ، وبفضلِ جهدها، استطاعتْ أنْ تفتحَ جزءًا صغيرًا منها.

"ماذا ترينَ؟" سألَ خالدٌ، وقدْ اقتربَ منَ النافذةِ.

"أحمد! إنّهُ أحمد! يبدو أنَّهُ نائمٌ على الأرضِ." قالتْ ليلى، وقدْ غمرتْها موجةٌ منَ الارتياحِ.

"هلْ هوَ بخيرٍ؟" سألَ خالدٌ بقلقٍ.

"لا أعرفُ. وجههُ شاحبٌ. يبدو أنهُ نائمٌ بعمقٍ، أوْ… أوْ فاقدٌ للوعي." قالتْ ليلى، وبدأتْ علاماتُ الخوفِ تعودُ إلى وجهِها.

"يجبُ أنْ ندخلَ فورًا!" قالَ خالدٌ، وبدأَ يبحثُ عنْ حلٍّ.

"هذهِ النافذةُ صغيرةٌ جدًا. لنْ نتمكنَ منَ المرورِ منها." قالتْ ليلى، وقدْ أدركتْ صعوبةَ الوضعِ.

"لديَّ فكرةٌ." قالَ خالدٌ، وقدْ لمعتْ في عينيهِ لمحةٌ منَ التصميمِ. "سأذهبُ لأحضرَ الحبالَ التي معي، ثمَّ سأحاولُ أنْ أتسلقَ السورَ العاليَ منْ الخلفِ، وأحاولُ أنْ أجدَ طريقةً لفتحِ البابِ منَ الداخلِ. أمّا أنتِ، فابقي هنا، ولا تفكري في فعلِ أيِّ شيءٍ آخرَ."

"ولكنْ…" بدأتْ ليلى بالاعتراضِ، لكنَّ خالدًا لمْ ينتظرْ. انطلقَ مسرعًا، تاركًا ليلى وحدها أمامَ النافذةِ، وقلبُها يرتعشُ بينَ الأملِ والخوفِ.

جلستْ ليلى على الأرضِ، متكئةً على جدارِ القصرِ، تحاولُ تهدئةَ أنفاسِها. كانتْ عيناها لا تزالانِ مثبتتينِ على النافذةِ، تراقبُ أحمدَ الذي لا يزالُ نائمًا. شعرتْ باليأسِ يتسللُ إليها، ولكنها سرعانَ ما طردتْهُ. تذكرتْ قولَ والدها: "في أصعبِ الظروفِ، يظهرُ أقوى الرجالِ، وتبرزُ أشدُّ النساءِ."

نظرتْ إلى ميداليةِ المفاتيحِ التي كانتْ لا تزالُ في يدِها. رأتْ حرفَ "أ" الصغيرَ، وتذكرتْ وعدَ أحمدَ بأنَّهُ سيعودُ. تنهدتْ، وشعرَتْ بدفءٍ خفيٍّ ينتشرُ في صدرِها.

بعدَ فترةٍ، سمعتْ ليلى صوتَ خطواتٍ قادمةً. رفعتْ رأسَها، فوجدتْ خالدًا يقفُ أمامَها، وقدْ حملَ معه حبلًا سميكًا، وقارورةَ ماءٍ، وبعضَ الطعامِ.

"لقدْ أحضرتُ ما احتجنا إليهِ." قالَ خالدٌ، ونظرَ إليها بعينينِ مليئتينِ بالشفقةِ. "هلْ أحمدُ بخيرٍ؟"

"لمْ يتغيرْ شيءٌ. لا يزالُ نائمًا." قالتْ ليلى، وصوتُها فيهِ نبرةٌ منَ الحزنِ.

"سأذهبُ الآنَ. حاولي أنْ تأكلي وتشربي شيئًا. سأحاولُ بكلِّ ما أوتيتُ منْ قوةٍ أنْ أدخلَ إلى الداخلِ وأطمئنَّ عليهِ." قالَ خالدٌ، ثمَّ اتجهَ نحو خلفِ القصرِ، ليحاولَ تسلقَ السورِ.

جلستْ ليلى، وأخذتْ تشربُ منَ الماءِ، وتأكلُ قليلاً منَ الطعامِ، لكنَّ عقلَها كانَ مشغولاً بأحمدَ. أغلقتْ عينيها، وحاولتْ أنْ تتخيلَ ما يحدثُ في الداخلِ. هلْ تعرضَ أحمدٌ للخطرِ؟ هلْ كانَ مجردَ إرهاقٍ جعلهُ ينامُ بهذا العمقِ؟

كانتْ الساعةُ تمرُّ ببطءٍ شديدٍ. كلُّ دقيقةٍ كانتْ تبدو كساعةٍ، وكلُّ ساعةٍ كسنةٍ. رفعتْ ليلى رأسَها، ورأتْ خالدًا ينزلُ منَ السورِ، وجههُ متعبٌ، لكنَّ عينيهِ تحملانِ بريقَ أملٍ.

"لقدْ تمكنتُ منَ الدخولِ!" قالَ خالدٌ، والابتسامةُ ترتسمُ على وجهِهِ. "لقدْ وجدتُ البابَ الخلفيَّ مفتوحًا منَ الداخلِ. ويبدو أنَّ أحمدَ لمْ يتعرّضْ لأيِّ أذى. لقدْ كانَ متعبًا جدًا، ثمَّ نامَ نومًا عميقًا."

"الحمدُ للهِ!" قالتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بأنَّها تستطيعُ التنفسَ مرةً أخرى.

"هيا بنا، لنرى أحمدَ." قالَ خالدٌ، وفتحَ البابَ الخلفيَّ، ودخلَ معَ ليلى إلى القصرِ الموحشِ.

عندما دخلَ، وجدتْ ليلى أحمدَ جالسًا على كرسيٍّ قديمٍ، يشربُ كوبَ ماءٍ. بدا متعبًا، لكنَّ عينيهِ كانتْ لامعةً، وابتسامةً خفيفةً ارتسمتْ على وجهِهِ عندما رآها.

"ليلى! خالد! ما الذي تفعلانهِ هنا؟" سألَ أحمدُ، وقدْ بدا متفاجئًا.

"كنا قلقينَ عليكَ يا أحمدُ. لمْ تصلْ في الموعدِ المحددِ." قالتْ ليلى، وقدْ امتلأتْ عيناها بالدموعِ.

"لقدْ تأخرتُ قليلاً. ولكنَّ كلَّ شيءٍ على ما يرامَ. الصفقةُ تمتْ بنجاحٍ، والوثائقُ معي." قالَ أحمدُ، وهوَ يشيرُ إلى حقيبةٍ جلديةٍ بجانبهِ.

"الحمدُ للهِ." قالَ خالدٌ، وقدْ انفرجَ عنهُ الهمُّ. "لقدْ قلقتُ عليكَ كثيرًا."

"كنتُ مشغولًا جدًا. لقدْ واجهتُ بعضَ الصعوباتِ، ثمَّ عدتُ إلى هنا لأرتاحَ قليلاً قبلَ العودةِ إلى المدينةِ. لمْ أتوقعْ أنْ أجدَ أحدًا هنا." قالَ أحمدُ، وهوَ ينظرُ إلى ليلى بعينينِ تحملانِ الكثيرَ منَ الامتنانِ.

"لقدْ جئنا لنطمئنَّ عليكَ." قالتْ ليلى، وشعرتْ بأنَّ قلبَها قدْ عادَ إلى طبيعتِهِ.

"شكرًا لكِ يا ليلى. أنتِ دائمًا تفكرينَ بي." قالَ أحمدُ، وقدْ ارتسمتْ ابتسامةٌ دافئةٌ على وجهِهِ.

نظرتْ ليلى إلى أحمدَ، ورأتْ فيهِ شابًا شجاعًا، قويًّا، رغمَ مظهرِهِ الهادئِ. شعرتْ بفخرٍ كبيرٍ بهِ، وبتعلقٍ أعمقَ منهُ. كانَ هذا اليومُ بدايةً لرحلةٍ جديدةٍ، رحلةٍ تحملُ معها الكثيرَ منَ المفاجآتِ، والكثيرَ منَ المشاعرِ التي بدأتْ تتكشفُ، خيوطًا رفيعةً، لكنها قويةً، تربطُ بينَ قلبيهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%