الفصل 20 / 25

زواج المصلحة 178

بين ضباب الماضي وحقيقة الحاضر

بقلم سارة العمري

ارتعشت أميرة، وشعرت ببرودةٍ تسري في عروقها، برودةٍ أشد من برد ليلةٍ شتويةٍ قارس. كلمات جاسر كانت كسهامٍ تخترق قلبها، لا تدع مجالاً للهروب أو للتبرير. لقد وضعت نفسها في موقفٍ لا تحسد عليه، حيث لم يعد الصمت خياراً، والكذب بات مستحيلاً. نظرت إلى وجه جاسر، الذي كان يخفي خلف هدوئه الظاهري عاصفةً من المشاعر المختلطة: خيبة الأمل، الغضب المكبوت، واليأس الذي بدأ يسيطر عليه.

"يا جاسر، صدقني، لم يكن الأمر كما يبدو." قالت أميرة بصوتٍ مرتجف، وهي تحاول جاهدةً أن تتملك أعصابها. "كانت تلك الفترة من حياتي صعبةً جداً. كنتُ وحيدةً، أشعر بالضياع. هذا الرجل، اسمه (لم تذكر اسمه)، كان يظهر لي اهتماماً، ولكنه لم يكن حبّاً حقيقياً. كان مجرد تعلقٍ زائف."

"تعلقٌ زائفٌ يدفعكِ للتخطيط للهرب معه؟" قال جاسر، وبدأت نبرته تتعالى قليلاً. "الرسائل واضحةٌ يا أميرة. تتحدث عن حبٍّ عميق، عن التضحية، عن مستقبلٍ مشترك. كيف تفسرين هذا؟"

"كان يحاول أن يقنعني. كان كلامه معسولاً، ووعده بالجنة. لكنني لم أكن جادةً في كل ما قلته. كان جزءٌ مني لا يزال يبحث عن الأمان، وعن شخصٍ يهتم بي. في النهاية، أدركتُ حجم الخطأ الذي كنتُ على وشك الوقوع فيه. خفتُ منه، وخفتُ من عواقب ما كنتُ أفعله. ولهذا، ابتعدتُ عنه تماماً، وقطعتُ كل علاقةٍ به."

"وماذا عن هذه الهدية الثمينة؟" سأل جاسر، وهو يشير بإصبعه إلى ورقةٍ على الطاولة. "لا تبدو كهديةٍ لشخصٍ لا يعني لكِ شيئاً."

تنهدت أميرة بعمق، وشعرت بثقل الذكريات يطبق على صدرها. "كانت... كانت محاولةً لإرضائه. لقد كان يضغط عليّ كثيراً. أردتُ أن أهدئه، أن أجعله يتوقف عن ملاحقتي. لم يكن الأمر يدل على حبٍّ، بل على خوفٍ ورغبةٍ في إنهاء هذا الأمر."

"إذاً، كل هذا الحبّ، وكل هذه الوعود، كانت مجرد تمثيلٍ منكِ؟" قال جاسر، ونبرته تحمل مرارةً لا تخفى. "هل لي أن أصدق أنكِ لم تكن لديكِ أي مشاعر تجاهه؟"

"كان هناك إعجابٌ في البداية، ربما. ولكنه لم يكن حباً. الحبّ الحقيقي، هو ما شعرتُ به عندما التقيتُ بك يا جاسر. عندما شعرتُ بالأمان، بالاحترام، بالتقدير. أنتَ من علمني معنى الحبّ الحلال، معنى بناء أسرةٍ على أسسٍ سليمة." قالت أميرة، ونظرت إليه بعيونٍ صادقة، وهي تحاول أن تنقل إليه صدق مشاعرها.

"ولكنكِ أخفيتِ عني جانباً من حياتكِ، جانباً قد يلقي بظلاله على ثقتي بكِ." قال جاسر، وهو يعود إلى مقعده، ويبدو عليه الإرهاق. "لماذا لم تخبريني؟ هل لم تثقي بي؟"

"لقد وثقتُ بك، ولكنني خفتُ. خفتُ أن ترى فيَّ مجرد فتاةٍ تهرب من ماضيها، فتاةً لا تصلح لك. لقد كان هذا سرّي، سرٌّ ثقيلٌ أحملته وحدي. ولكنني لم أكن أتوقع أن يتم كشفه بهذه الطريقة." أجابت أميرة، وهي تشعر بأن دموعها تتجمع مرةً أخرى.

"السرّ يخلق الشك، والشك يهدم الثقة. وأنا، يا أميرة، لا أستطيع أن أستمر في علاقةٍ مبنيةٍ على الشك. لقد أردتُ زواجاً مبنياً على الوضوح، على الصدق، على التقوى. هذه الرسائل تثير تساؤلاتٍ كثيرة في ذهني." قال جاسر، ونظر إليها بعمق، وكأنه يحاول قراءة ما تخفيه عيناها.

"أعلم أنني أخطأتُ في عدم إخباركِ. ولكنني لم أكن أخطط لشيءٍ سيء. كنتُ أعيش في خوفٍ دائمٍ من أن يتم كشف أمري. ولذلك، عندما تزوجتك، قررتُ أن أبدأ حياةً جديدة، حياةً نقيةً معك. حاولتُ أن أنسى الماضي، ولكن الماضي عاد ليطاردني." قالت أميرة، وهي تمسك بيد جاسر. "أرجوك يا جاسر، لا تدع هذا الماضي يدمر ما بنيناه. لا تدع هذا الرجل الذي لا يعني لي شيئاً، يدمر حياتنا."

تأمل جاسر يديها المرتعشة، وشعر بأن صراعاً داخلياً يدور في عقله. لقد رأى في عيني أميرة صدقاً، ورأى في كلماتها ندماً حقيقياً. لكن الشك كان قد تسرب إلى قلبه، وأصبح من الصعب انتزاعه.

"لا أعرف ماذا أقول يا أميرة." قال بصوتٍ متعب. "لقد كنتِ صادقةً معي في الكثير من الأمور، ولكن هذا الأمر... هذا الأمر كبيرٌ جداً. كيف يمكنني أن أثق بأنكِ لم تخفي عني أموراً أخرى؟"

"ليس هناك أمورٌ أخرى. هذا هو كل شيء. أقسم لك بالله، هذا هو كل ما في الأمر." قالت أميرة، وعيناها تلمعان بالصدق. "أنا أحبك يا جاسر. أحبك بطريقةٍ لم أكن أعرفها من قبل. وأريد أن أعيش معك، وأن أبني معك مستقبلاً."

"الحبّ وحده لا يكفي أحياناً." قال جاسر، وهو يسحب يده ببطء. "الثقة هي أساس أي علاقةٍ ناجحة. وأنتِ، بمعرفتكِ بهذه الرسائل وعدم إخباركِ إياي، قد هززتِ هذه الثقة."

"ماذا تريد مني أن أفعل؟" سألت أميرة، وشعرت ببرودةٍ مفاجئةٍ تعود لتغطي قلبها.

"أريد الحقيقة كاملة. أريد أن أعرف كل تفاصيل هذه العلاقة، كل تفاصيل هذه الرسائل. لا أريد أن يبقى شيءٌ مخفيٌّ بيننا. إذا كنتِ تريدين مني أن أثق بكِ مرةً أخرى، فيجب أن تكوني صادقةً تماماً." قال جاسر، وعيناه تحدقان بها بجدية.

توقفت أميرة للحظة، تتنفس بعمق. لقد جاءت اللحظة الحاسمة. هل تكشف كل شيء، بكل ما فيه من ألمٍ وذل؟ أم تستمر في الصمت، وتخاطر بخسارة كل شيء؟ نظرت إلى الرسائل المتناثرة على الطاولة، ثم إلى جاسر، وإلى وجهه الذي يحمل خليطاً من الحزن والأمل.

"حسناً." قالت أميرة، وبدأ صوتها بالثبات. "سأخبرك كل شيء. كل كلمةٍ، كل حرف، كل تفصيل. حتى لو كان ذلك يعني أن أكره نفسي."

كانت هذه بداية كشفٍ جديد، رحلةٌ مؤلمةٌ إلى أعماق ماضيها، رحلةٌ ستحدد مصير زواجها، ومستقبلهما معاً. الرعد ما زال يضرب، والسماء لا تزال تبكي، كأنها تشهد على مصيرٍ يتشكل في قلب هذا القصر الكبير.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%