زواج المصلحة 178
لقاء الغموض وعقد المستقبل
بقلم سارة العمري
بعدَ أنْ تأكدتْ ليلى وخالدٌ منْ سلامةِ أحمدَ، واستعادَ الأخيرُ بعضًا منْ عافيتِهِ، قرروا جميعًا العودةَ إلى المدينةِ. كانتْ الشمسُ قدْ بدأتْ تميلُ نحو الغروبِ، وترسمُ ظلالًا طويلةً على رمالِ الصحراءِ. أثناءَ الطريقِ، كانَ أحمدُ يروي لهمَا تفاصيلَ رحلتِهِ، والصعوباتِ التي واجهها، والرجالَ الذينَ تعاملَ معهم. كانتْ قصصُهُ مليئةً بالحذرِ، والتحدياتِ، والمفاوضاتِ التي تتطلبُ ذكاءً وحنكةً.
"كانَ الأمرُ أصعبَ مما تخيلتُ." قالَ أحمدُ، وهوَ يتأملُ الأفقَ. "الرجالُ الذينَ نتعاملُ معهمْ لديهمْ طرقٌ خاصةٌ، ولا يمكنُكِ أنْ تثقيَ بأحدٍ منهمْ بسهولةٍ. ولكنَّ بفضلِ اللهِ، تمكنتُ منْ إتمامِ الصفقةِ، وبأفضلِ الشروطِ."
"هذا خبرٌ مفرحٌ جدًا يا أحمدُ. لقدْ كنّا قلقينَ جدًا عليكَ." قالتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بأنَّ قلبَها قدْ عادَ إلى طبيعتِهِ.
"أعلمُ ذلكَ. ولذلكَ أشكرُكِ أنتِ وخالدًا على اهتمامِكُما. لقدْ كنتُ أعلمُ أنَّ ليلى لنْ تتخلى عني." قالَ أحمدُ، وهوَ يبتسمُ لها ابتسامةً دافئةً، جعلتْ قلبَ ليلى يرتعشُ.
"واجبٌ أنْ نفعلَ ذلكَ. نحنُ عائلةٌ واحدةٌ." قالَ خالدٌ، وقدْ لاحظَ نظراتِ أحمدَ نحو ليلى.
وصلوا إلى المدينةِ معَ حلولِ الليلِ، وكانَ الشيخُ سليمانُ ينتظرُهمْ في منزلِهِ الكبيرِ. كانَ وجههُ قدْ بدا عليهِ الارتياحُ عندما رأى أحمدَ سالمًا، وقدْ أحضرَ معهَ ما كانَ يتوقعهُ.
"الحمدُ للهِ على سلامتكَ يا بنيَّ." قالَ الشيخُ سليمانُ، وقدْ عناقَ أحمدَ بحرارةٍ. "لقدْ أقلقَتنا غيابكَ."
"لقدْ عدتُ يا أبي، ومعي ما نحتاجُ إليهِ." قالَ أحمدُ، وقدْ قدّمَ لوالدهِ الحقيبةَ الجلديةَ.
فتحَ الشيخُ سليمانُ الحقيبةَ، ورأى الوثائقَ والعقودَ. كانتْ أسعارهَا أعلى مما كانَ يتوقعُ. ابتسمَ ابتسامةً واسعةً، وشعرَ بأنَّ الأملَ قدْ عادَ إلى قلبِهِ.
"هذا رائعٌ يا أحمدُ. لقدْ أثبتَّ أنكَ رجلٌ قدْ يعوَّلُ عليهِ." قالَ الشيخُ سليمانُ، وقدْ بدا عليهِ الفخرُ.
"لمْ أفعلْ ذلكَ وحدي يا أبي. ليلى وخالدٌ كانا معي، وساعداني كثيرًا." قالَ أحمدُ، وقدْ نظرَ نحو ليلى.
"هذا هوَ الواجبُ، يا بنيَّ. وأنتمْ جميعًا أثبتُّم أنَّ هذهِ العائلةَ مترابطةٌ وقويةٌ." قالَ الشيخُ سليمانُ، ثمَّ دعا الجميعَ إلى تناولِ العشاءِ.
في أثناءَ العشاءِ، كانَ أحمدُ يشرحُ تفاصيلَ الصفقةِ، والأشخاصَ الذينَ تعاملَ معهمْ. كانَ كلامهُ متزنًا، وواضحًا، يدلُّ على ذكائهِ وحسنِ تقديرِهِ. كانتْ ليلى تستمعُ إليهِ بإنصاتٍ، وتشعرُ بانجذابٍ عميقٍ نحوهُ. لمْ تكنْ ترى فيهِ مجردَ ابنِ عمٍّ، بلْ رجلاً يحملُ صفاتٍ نادرةً.
بعدَ العشاءِ، طلبَ الشيخُ سليمانُ منْ ليلى أنْ تبقى قليلاً. عندما خلا المكانُ بهما، قالَ لها: "ليلى يا ابنتي، لقدْ رأيتُ في أحمدَ اليومَ شيئًا جديدًا. رأيتُ فيهِ رجلاً بكلِّ معنى الكلمةِ. لقدْ أثبتَ أنَّهُ قادرٌ على تحملِ المسؤوليةِ، وأنَّهُ يستحقُّ أنْ يتولى زمامَ أمورِ العائلةِ في المستقبلِ."
"أنا سعيدةٌ جدًا لسماعِ ذلكَ يا عمي." قالتْ ليلى، وقلبُها يتسارعُ.
"ولذلكَ، أريدُ أنْ أتحدثَ معكِ في أمرٍ هامٍّ. أمرٌ يتعلقُ بمستقبلِكما." قالَ الشيخُ سليمانُ، وبدتْ نظرتهُ تحملُ جديةً. "لقدْ رأيتُ كيفَ يتفهمُ أحمدُكِ، وكيفَ يهتمُّ بكِ. وأعلمُ أنَّكِ كذلكِ. لهذا، أقترحُ أنْ نفكرَ في خطبةٍ رسميةٍ بينَ أحمدَ وبينكِ."
صُدمتْ ليلى. لمْ تتوقعْ ذلكَ أبدًا. كانَ هذا الأمرُ يأتي في وقتٍ كانتْ مشاعرُها تجاهَ أحمدَ قدْ بدأتْ تتشكلُ، لكنها لمْ تكنْ تتجرأُ على الاعترافِ بها، أوْ حتى التفكيرِ في مستقبلٍ كهذا.
"خطبةٌ؟" تمتمتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بالدوارِ.
"نعم، خطبةٌ. لِتكونَ بدايةً لعقدٍ يجمعُ بينَكما، ويعززُ روابطَ العائلةِ. أحمدُ يحتاجُ إلى شريكةٍ مثلكِ، امرأةٌ تفهمُهُ، وتدعمهُ. وأنتِ يا ليلى، تستحقينَ رجلاً يحترمُكِ، ويقدرُكِ." قالَ الشيخُ سليمانُ، وقدْ بدتْ نظرتهُ مليئةً بالأملِ.
"ولكنَّ… ولكنَّ أحمدَ؟ هلْ فكرَ في هذا الأمرِ؟" سألتْ ليلى، وقلبُها يرتجفُ.
"لقدْ تحدثتُ معه. لقدْ وافقَ. بلْ، لقدْ أبدى سعادةً كبيرةً بهذهِ الفكرةِ. لقدْ قالَ لي أنَّهُ يرى فيكِ الشريكةَ المثاليةَ التي يبحثُ عنها." قالَ الشيخُ سليمانُ، وشعرتْ ليلى بأنَّ كلامهُ ينسابُ إليها كالحلمِ.
"حقًا؟" همستْ ليلى، لمْ تصدقْ ما تسمعهُ.
"نعم. لقدْ تحدثنا كثيرًا. وهوَ معجبٌ بكِ جدًا، يا ليلى. لا تخفي مشاعركَ يا ابنتي. أنا أعلمُ أنَّ بينَكُما شيئًا خاصًا. هذهِ فرصةٌ رائعةٌ لِتجعلا هذا الشيئَ رسميًا، و مباركًا." قالَ الشيخُ سليمانُ، وقدْ وضعَ يدهُ على كتفِ ليلى.
شعرتْ ليلى بأنَّها تقفُ على حافةِ عالمٍ جديدٍ. عالمٌ كانَ يبدو بعيدًا، وأصبحَ قريبًا جدًا. عالمٌ يجمعُ بينَ حبٍّ مباركٍ، ورابطةٍ عائليةٍ قويةٍ.
"سوفَ أفكرُ في الأمرِ يا عمي." قالتْ ليلى، وقدْ غمرتْها مشاعرُ متضاربةٌ. الفرحُ، والدهشةُ، والترقبُ، والخوفُ.
"لا تخافي يا ابنتي. هذهِ ليستْ دعوةً للزواجِ فورًا، بلْ مجردَ خطوةٍ أولى. خطوةٌ تمنحُكما الفرصةَ للتعرفِ على بعضِكما البعضِ بشكلٍ أعمقَ، في إطارٍ شرعيٍّ ومحترمٍ." قالَ الشيخُ سليمانُ، وقدْ بدا متفهمًا. "ما رأيكِ؟ هلْ توافقينَ على أنْ نبدأَ إجراءاتِ الخطبةِ؟"
ترددتْ ليلى للحظةٍ، ثمَّ نظرتْ إلى والدها، ورأتْ فيهِ الأملَ، ورأتْ في مستقبلِها معَ أحمدَ لونًا جديدًا منَ السعادةِ.
"نعم يا عمي. أوافقُ." قالتْ ليلى، وقدْ شعرتْ بأنَّ هذهِ الكلمةَ تفتحُ أبوابًا جديدةً في حياتِها.
ابتسمَ الشيخُ سليمانُ ابتسامةَ رضا. "ممتازٌ يا ابنتي. إنَّهُ قرارٌ حكيمٌ. غدًا، سأطلبُ منْ أحمدَ أنْ يأتيَ إلى هنا لنُخططَ لكلِّ شيءٍ."
عندما غادرتْ ليلى مجلسَ والدها، شعرتْ بأنَّ قدميها لا تلامسانِ الأرضَ. كانتْ تتجولُ في أروقةِ المنزلِ، وقلبُها يغني. كانَ المستقبلُ يبدو واضحًا، ومشرقًا، ومليئًا بالوعدِ. لمْ تكنْ تعلمُ أنَّ هذهِ الخطوةَ، التي تبدو كبدايةٍ لمسيرةٍ سعيدةٍ، ستكونُ أيضًا بدايةً لتحدياتٍ لمْ تتخيلها، ولِأسرارٍ دفينةٍ بدأتْ تطفو على السطحِ، في إطارِ هذا الزواجِ الذي بدأَ بمصلحةٍ، لكنهُ يحملُ في طياتِهِ الكثيرَ منَ الحبِّ النقيِّ.