زواج المصلحة 178

الشدائد في سجن الذكريات

بقلم سارة العمري

كانت ليلةً بهيجة، تحمل في طياتها وعدًا بالغد المشرق. في قصر الشيخ فهد، علت أصوات الضحكات والمداعبات، وهمسات الابتهاج. لكن خلف هذا الستار الزاهي، كانت روحُ سارةَ تتأرجحُ بينَ عالمين. عالمٌ يعيشُ فيهِ قلبُها، وهو عالمُ الشيخِ بدر، وعالمٌ آخرُ فرضتهُ عليها الأقدارُ، وهو عالمُ الشيخِ فهد.

لم يكن الشيخ فهد رجلًا قاسيًا، بل كانَ كريمًا، نبيلَ الخصالِ، وفيًّا لعهوده. ولكنهُ لم يكنِ الحلمَ الذي داعبَ خيالَ سارةَ يومًا. لقد استثمرَ في زواجهما، آملًا في رباطٍ يجمعُ بينَ عائلتين عريقتين، وفي مستقبلٍ يضمنُ لهُ وريثًا يحملُ اسمهُ. كانتَ سارةُ ترى في عينيهِ صدقَ النوايا، وطيبةَ القلبِ، ولكنهُ لم يكنِ الشغفَ الذي يترددُ صداهُ في روحها.

تسللَ فهدُ إلى الغرفةِ، ورائحةُ العودِ تفوحُ منهُ، وعيناهُ تلمعانِ بالحبِ الممزوجِ بالاحترامِ. ألقى عليها تحيةَ المساءِ، وابتسامةٌ هادئةٌ ترتسمُ على شفتيهِ. "مساءُ الخيرِ يا سارة. هل استرحتِ؟" ردت سارةُ بصوتٍ يكادُ لا يُسمعُ، وعيناها مثبتتانِ على حافةِ النافذةِ، حيثُ القمرُ يسكبُ ضوءهُ الفضيَّ على حديقةٍ غارقةٍ في سكونِ الليلِ. "نعم، حمدًا لله."

شعرَ فهدُ ببرودٍ خفيٍّ يلفُّ الأجواءَ. كانَ يعرفُ أنَّ سارةَ لم تتخلَّ عن آمالها القديمةِ بعد. كانتْ قضيةُ الشيخِ بدرٍ لا تزالُ تلتهمُ تفكيرها، وتشكلُ حاجزًا صامتًا بينهما. لم يكنِ الأمرُ يتعلقُ بقلبٍ أحبَّتهُ سارةُ، بل كانَ يتعلقُ بفتىً عرفتهُ في صغرها، وكانَ وعدٌ قديمٌ قد تشابكَتْ خيوطُه في ذاكرتها.

اقتربَ منها، وجلسَ بجانبها على حافةِ السريرِ. أمسكَ بيدها بلطفٍ، وشعرَ ببرودتها. "سارة، هل تشعرينَ بالضيقِ؟" نظرتْ إليهِ، وفي عينيها لمعةُ دمعٍ تكادُ تنهمرُ. "لا يا شيخ فهد. أنا فقط... أشتاقُ لوحدتي." كانتْ هذهِ الكلمةُ كالصاعقةِ. وحدةٌ؟ وهيَ تعيشُ في قصرٍ يعجُّ بالخدمِ والحشمِ؟

تنهدَ فهدُ بعمقٍ. كانَ يعلمُ أنَّ الحصارَ الذي فرضتهُ سارةُ على قلبها لن يُكسرَ بسهولةٍ. كانتْ ذكرى بدرٍ كشبحٍ يطاردها، وكقيودٍ تكبلُ روحها. لقد كانَ بدرٌ صديقَ طفولتهِ، ورفيقَ صباهُ، ولم يخطرْ ببالهِ يومًا أنَّ حبهُ لسارةَ سيشكلُ هذا الجدارَ العازلَ بينها وبينَ زوجها.

"يا سارة، أنا زوجكِ. وأنا أريدُ أن تكوني سعيدةً. ولكنَّ السعادةَ لا تأتي بالفرارِ من الواقعِ. لابدَّ لنا أن نواجهَ أقدارنا معًا." كانَ صوتُهُ يحملُ نبرةَ حزنٍ عميقٍ، ممزوجةً بالإصرارِ. كانَ يؤمنُ بأنَّ الزواجَ ميثاقٌ مقدسٌ، وأنَّ عليهِ واجبًا تجاهَ هذهِ المرأةِ التي أصبحتْ شريكةَ حياتهِ.

"أعلمُ يا شيخ فهد. وأنا أقدرُ طيبتكَ. ولكنَّ قلبي... قلبي يشعرُ بفراغٍ." كانتْ كلماتها تبدو كسيفٍ يمزقُ أوصالهُ. فراغٌ؟ وهيَ تعيشُ في قمةِ الثراءِ والرفاهيةِ؟

"الفراغُ ليسَ دائمًا ماديًا يا سارة. أحيانًا يكونُ فراغًا في الروحِ، فراغًا يملؤه الشوقُ لما مضى، أو لما لم يكن." قالَ فهدُ بصوتٍ هادئٍ، ولكنهُ كانَ يخفي خلفهُ عاصفةً من المشاعرِ. كانَ يشعرُ بأنَّهُ يلعبُ دورَ البطولةِ في مسرحيةٍ لم يكتبْ لها نهايةً سعيدةً.

"وماذا عنْ بدرٍ؟" سألتْ سارةُ فجأةً، وكأنَّ اسمها قد تسللَ من بينَ ثنايا صمتها. ارتعشَ جسدُ فهدٍ للحظةٍ. كانَ يعلمُ أنَّ هذا السؤالَ سيأتي، ولكنهُ كانَ يخشى مواجهتهُ. "بدرٌ... بدرٌ رجلٌ طيبٌ. وأنا أحترمهُ. ولكنَّ القدرَ شاءَ أن يكونَ بيننا فرقٌ كبيرٌ. لقد كانَ اختيارهُ للحياةِ مختلفًا عن اختياركِ."

"ولكنَّني أحببتُه!" صرختْ سارةُ، وعيناها تتوهجانِ بالغضبِ واليأسِ. كانَ هذا هوَ الاعترافُ الذي كانَ فهدُ يتجنبُ سماعهُ. "أحببتِ طيفًا يا سارة. طيفًا رسمتهُ الأيامُ الخوالي. أما أنا، فأنا واقعٌ أمامكِ. زوجكِ. وشريكُ حياتكِ."

كانَ الصمتُ يطبقُ على الغرفةِ. سادَ سكونٌ ثقيلٌ، لا يكسرهُ سوى صوتُ أنفاسهما المتلاحقةِ. كانتْ سارةُ تشعرُ بالذنبِ الشديدِ. كيفَ يمكنُ لها أن تؤذيَ رجلًا بهذهِ الطيبةِ؟ وكيفَ يمكنُ لها أن تعيشَ معَ هذا الفراغِ الذي يلتهمُ قلبها؟

"يا سارة، أنا لا أريدُ أن أرى دمعةً على خدكِ. ولكنَّني لا أستطيعُ أن أجبرَ قلبكِ على حبٍّ لم يبنِ على أساسٍ متينٍ. ما رأيكِ لو حاولنا بناءَ هذا الحبِّ معًا؟ خطوةً بخطوةٍ. يومًا بيومٍ. أنا مستعدٌ لبذلِ قصارى جهدي."

مدَّ فهدُ يدهُ نحوها، وفيها خاتمٌ ذهبيٌّ بسيطٌ. "هذا الخاتمُ ليسَ مجردَ قطعةٍ من المعدنِ، بل هوَ وعدٌ بالوفاءِ، وعهدٌ بالحبِّ. أريدكِ أن تقبليهِ، ليسَ تكريمًا لي، بل تكريمًا لهذا الزواجِ الذي يربطنا."

نظرتْ سارةُ إلى الخاتمِ، ثمَّ إلى وجهِ فهدٍ. رأتْ فيهِ صدقًا لا يُصدقُ، وتعبًا عميقًا، ورغبةً صادقةً في بناءِ حياةٍ جديدةٍ. شعرتْ بنارٍ تلفُّ ضميرها. كيفَ يمكنُ لها أن ترفضَ يدَ العونِ التي تُمدُّ إليها؟ وكيفَ يمكنُ لها أن تصرَّ على حلمٍ قد يكونُ وهمًا؟

ترددتْ سارةُ. كانتْ تشعرُ بأنَّها في مفترقِ طرقٍ. إما أن تستمرَّ في البحثِ عن شبحِ الماضي، أو أن تستسلمَ لواقعٍ جديدٍ، تحاولُ فيهِ إيجادَ السعادةِ معَ رجلٍ يستحقُّ الحبَّ.

"أنا..." بدأتْ سارةُ، صوتها يرتعشُ. "أنا... أقبلُ، يا شيخ فهد."

وضعَ فهدٌ الخاتمَ في إصبعها، وشعرَ ببرودةِ جلدها تحتَ لمسةِ أصابعه. كانتْ هذهِ الخطوةُ الأولى، خطوةٌ صغيرةٌ نحو مستقبلٍ غامضٍ، مستقبلٍ قد يخبئُ لها مفاجآتٍ لم تكنْ تتوقعها.

بينما كانَ فهدُ يشعرُ ببعضِ الارتياحِ، كانتْ روحُ سارةَ لا تزالُ تتأرجحُ. هل اتخذتِ القرارَ الصحيحَ؟ هل سيمكنُ لها أن تنسى بدرًا، وتفتحَ قلبها لزوجها؟ كانتْ هذهِ مجردُ بدايةِ رحلةٍ شاقةٍ، رحلةٌ مليئةٌ بالصراعاتِ الداخليةِ، وبشدائدِ الماضي التي لا تزالُ تلقي بظلالها على حاضرها.

* في مكانٍ آخرَ، وبينَ أزقةِ المدينةِ القديمةِ، كانَ شابٌ وسيسمُعُ بخيالهِ، يتجوَّلُ في أسواقِها المزدحمةِ. كانَ يرتدي ملابسَ بسيطةً، ولكنَّ عيونهُ كانتْ تحملُ بريقًا مختلفًا. كانَ بدرٌ.

كانَ يشعرُ بضيقٍ شديدٍ. لم يكنْ غضبهُ موجهًا نحو سارةَ، بل نحو الظروفِ التي فرقتْ بينهما. لقد كانتْ خطةُ والدهِ، وقراراتُ الأعيانِ، هيَ التي صنعتْ هذا الجدارَ الفاصلَ.

"أينَ أنتِ يا سارة؟" تمتمَ بدرٌ بصوتٍ خافتٍ، والذكرياتُ تتصارعُ في صدرهِ. "هل نسيتِ الوعدَ الذي قطعناهُ؟ هل نسيتِ عهدَ الطفولةِ؟"

كانَ يسيرُ دونَ وجهةٍ محددةٍ، عقلُه مشغولٌ بتفاصيلِ الماضي. كانَ يتذكرُ ضحكاتِها، ومزاحها، ووعودَ الحبِّ التي تبادلاها تحتَ ظلالِ شجرِ النخيلِ.

وفجأةً، لمحَ شبحًا مألوفًا. كانتْ والدةُ سارةَ، السيدةُ فاطمة، تمشي بصحبةِ رجلٍ غريبٍ. كانَ الرجلُ يرتدي ملابسَ فخمةً، ويتحدثُ بصوتٍ عالٍ.

تجمدَ بدرٌ في مكانهِ. من هذا الرجلُ؟ وما علاقتُهُ بالسيدةِ فاطمة؟ شعرَ بنبضاتِ قلبِهِ تتسارعُ. كانَ لديهِ شعورٌ غريبٌ، شعورٌ بالخطرِ يحدقُ بمن يحبُ.

لقد كانَ ماضيهُ معَ سارةَ مليئًا بالتحدياتِ، ولكنَّ ماضيهُ معَ عائلتِها كانَ مليئًا بالأسرارِ. هل كانتْ هناكَ خيوطٌ مخفيةٌ تربطُ والدةَ سارةَ بهذا الرجلِ الغريبِ؟ وهل كانَ لهذا اللقاءِ علاقةٌ بقراراتٍ اتخذتْ في غيابهِ؟

تساءلَ بدرٌ في ذهنهِ. هل كانَ زواجُ سارةَ من الشيخِ فهدٍ قرارًا من طرفٍ واحدٍ؟ أم أنَّ هناكَ قوىً أخرى لعبتْ دورًا في هذهِ الصفقةِ؟

لم يستطعْ بدرٌ أن يقتربَ أكثرَ. لقد كانَ يشعرُ بأنَّهُ مراقبٌ. كانَ عليهِ أن يتصرفَ بحذرٍ. كانَ عليهِ أن يكشفَ الحقيقةَ، مهما كانَ الثمنُ.

كانتْ ليلةً تحملُ في طياتها أسرارًا، وأحداثًا ستغيرُ مجرى حياتهم. لقد بدأتْ الصراعاتُ تتصاعدُ، والظلالُ تتكشفُ. والشبحُ الذي يطاردُ سارةَ، بدأَ يلوحُ في الأفقِ، كإنذارٍ مبكرٍ لشدائدَ قادمةٍ.

*

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%