زواج المصلحة 178
أشباح الماضي ووعود المستقبل
بقلم سارة العمري
كانَ نورُ الصباحِ يتسللُ خجولًا عبرَ ستائرَ القصرِ الفاخرِ، ليرسمَ خطوطًا ذهبيةً على الأرضيةِ الرخاميةِ. استيقظتْ سارةُ على صوتِ الخدمِ الذينَ بدأوا تحضيراتِ يومٍ جديدٍ. كانتْ ليلةُ الأمسِ ثقيلةً، محمَّلةً بقراراتٍ مصيريةٍ، وبمشاعرَ متضاربةٍ.
نظرتْ إلى يدها، وإلى الخاتمِ الذي وضعهُ فهدٌ بالأمسِ. كانَ ثقيلًا، لا يخصُّها. كانَ رمزًا لواقعٍ فرضَ عليها، واقعٍ حاولتْ جاهدةً الهربَ منهُ. تنهدتْ بعمقٍ، وشعرتْ بأنَّها غرقتْ أكثرَ في دوامةِ حياتها.
نهضتْ من فراشها، وارتدتْ ملابسَ فضفاضةً، كأنَّها تحاولُ الاختباءَ من نظراتِ العالمِ. اتجهتْ نحو المرآةِ، ورأتْ وجهًا شاحبًا، وعينينِ تحملانِ بقايا دموعِ الأمسِ.
"ماذا فعلتُ؟" همستْ لنفسها، والصوتُ بالكادِ مسموعٌ. "هل حقًا بدأتُ بتقبلِ هذا الزواجِ؟ أم أنَّني فقط استسلمتُ لضغوطِ الواقعِ؟"
كانتْ تعيشُ في صراعٍ دائمٍ. عقلُها يدركُ أنَّ فهدًا رجلٌ طيبٌ، وأنَّ الزواجَ منهُ قد يكونُ طريقًا نحو الاستقرارِ. ولكنَّ قلبها ظلَّ أسيرًا لوعدٍ قديمٍ، لشوقٍ لا ينتهي.
نزلتْ سارةُ إلى قاعةِ الطعامِ، حيثُ كانَ فهدٌ ينتظرها. كانَ قد أعدَّ لها إفطارًا شهيًا، ودعَاها للجلوسِ.
"صباحُ الخيرِ يا سارة." قالَ فهدٌ بابتسامةٍ دافئةٍ. "كيفَ حالكِ اليومَ؟ هل نمتِ جيدًا؟"
ابتسمتْ سارةُ ابتسامةً باهتةً. "صباحُ النورِ يا شيخ فهد. أنا بخيرٍ، الحمدُ لله."
بدأَ فهدٌ يتحدثُ عن خططِ اليومِ، وعنِ الأعمالِ التي ينتظرها. كانَ يحاولُ كسرَ الحاجزِ الذي يفصلُ بينهما، ويفتحُ قنواتٍ للحوارِ.
"اليومَ، سنذهبُ لزيارةِ جدتكِ، أليسَ كذلك؟" سألَ فهدٌ، وعيناهُ تتجهانِ نحوها. "أردتُ أن أؤكدَ لكِ، أنَّني أرغبُ في بناءِ علاقةٍ طيبةٍ معَ عائلتكِ. خاصةً معَ جدتكِ، التي سمعتُ الكثيرَ عنْ حكمتها."
فرحتْ سارةُ بهذا الاقتراحِ. كانتْ جدتُها، السيدةَ عائشةَ، الملجأَ الوحيدَ لها في هذهِ الأوقاتِ الصعبةِ. كانتْ جدتُها دائمًا خيرَ مستشارٍ، ومرشدٍ.
"نعم، بالتأكيدِ. جدتي ستسعدُ بزيارتكَ." قالتْ سارةُ، وشعورٌ غريبٌ يراودها. هل ستتمكنُ من إقناعِ جدتها بأنَّ هذا الزواجَ هوَ الحلُّ؟ أم أنَّ جدتها ستشكُ في نواياها؟
* في غضونِ ذلكَ، كانَ بدرٌ يشعرُ بضيقٍ متزايدٍ. لم يستطعْ أن ينسى ما رآه بالأمسِ. السيدةُ فاطمةُ معَ رجلٍ غريبٍ. من هوَ؟ وماذا كانَ يفعلُ معَ والدةِ سارةَ؟
قررَ بدرٌ أن يتبعَ هذا الرجلَ. كانَ لديهِ شعورٌ بأنَّ هناكَ سرًا دفينًا، سرًا قد يغيرُ مسارَ حياةِ سارةَ.
قادَ بدرٌ سيارتَهُ القديمةَ، وتتبعَ سيارةَ الرجلِ الغريبِ. كانتْ السيارةُ تتجهُ نحو منطقةٍ راقيةٍ، بعيدةً عنْ ضواحي المدينةِ.
وصلَ الرجلُ إلى فيلاٍ فخمةٍ، ووقفَ أمامَ بابها. نزلَ بدرٌ من سيارتِهِ، وتوارى خلفَ أحدِ الأشجارِ الضخمةِ.
رأى الرجلَ يدخلُ الفيلاَ. لم يستطعْ بدرٌ أن يقتربَ أكثرَ، فقد كانَ يشعرُ بأنَّهُ في أرضٍ غريبةٍ، ومليئةٍ بالمخاطرِ.
"منْ يكونُ هذا الرجلُ؟" تمتمَ بدرٌ لنفسِهِ، وعيناهُ لا تزالانِ مثبتتينِ على الفيلاَ. "وما الذي يربطُهُ بوالدةِ سارةَ؟"
كانَ بدرٌ يعرفُ أنَّ والدةَ سارةَ، السيدةَ فاطمةَ، كانتْ معروفةً بصرامتها، وبتمسكها بالتقاليدِ. فما الذي يمكنُ أن يجعلها تلتقي برجلٍ غريبٍ في مكانٍ كهذا؟
وفجأةً، رأى شيئًا جعلهُ يقفُ متسمرًا في مكانهِ. رأى السيدةَ فاطمةَ تخرجُ من الفيلاَ، وهيَ تبتسمُ لهذا الرجلِ. كانَ هناكَ قربٌ بينهما، قربٌ لم يكنْ يتوقعهُ بدرٌ أبدًا.
شعرَ بدرٌ بأنَّ الأرضَ تميدُ بهِ. هل كانَ هناكَ شيءٌ أكبرُ مما يتصورُ؟ هل كانتْ والدةُ سارةَ تخفي أسرارًا؟
عادَ بدرٌ إلى منزلِهِ، وقلبُهُ مثقلٌ بالأسئلةِ. لم يكنْ يعرفُ ماذا يفعلُ. هل يواجهُ السيدةَ فاطمةَ؟ أم ينتظرُ المزيدَ من الأدلةِ؟
لقد كانتْ هذهِ الحادثةُ كالصاعقةِ، وكشفتْ عنْ طبقاتٍ من الأسرارِ لم يكنْ يتوقعها. أدركَ بدرٌ أنَّ قضيةَ سارةَ لم تكنْ مجردَ زواجٍ بالقوةِ، بل قد تكونُ وراءها مؤامراتٌ أكبرُ، وخبايا أخطرُ.
* في قصرِ الشيخِ فهدٍ، كانتْ سارةُ تستعدُّ لزيارةِ جدتها. ارتدتْ ملابسَ محتشمةً، تليقُ بالزيارةِ.
"سارة، هل أنتِ مستعدةٌ؟" سألَ فهدٌ، وهوَ يقفُ عندَ البابِ.
"نعم، يا شيخ فهد." أجابتْ سارةُ، وهيَ تشعرُ ببعضِ القلقِ.
ركبا السيارةَ، واتجهَا نحو منزلِ جدتها. كانَ الطريقُ طويلًا، مليئًا بالتفكيرِ.
"يا سارة، أريدُ أن أقولَ لكِ شيئًا." قالَ فهدٌ، وهوَ يقودُ السيارةَ. "أعلمُ أنَّ زواجنا لم يكنْ بالطريقةِ التي كنتِ تتمنينها. ولكني أريدُكِ أن تعرفي، أنَّني أقدرُكِ، وأحترمُ مشاعركِ. وأتمنى أن نكونَ قادرينَ على بناءِ حياةٍ سعيدةٍ معًا."
ابتسمتْ سارةُ بضعفٍ. "شكرًا لكَ يا شيخ فهد. أنا أيضًا أتمنى ذلكَ."
وصلَا إلى منزلِ السيدةِ عائشةَ. استقبلتهما بحفاوةٍ، وابتسامةٍ دافئةٍ.
"أهلاً بكما. تفضلا بالجلوسِ." قالتْ السيدةَ عائشةَ، وهيَ تشيرُ إلى الأرائكِ المريحةِ.
جلستْ سارةُ بجانبِ جدتها، وبدأَ فهدٌ يتحدثُ معها عنْ أمورِ الزواجِ، وعنْ خططِ المستقبلِ. كانتْ السيدةَ عائشةَ تستمعُ بتركيزٍ، وعيناها تراقبانِ سارةَ.
"يا سارة، قلبي معكِ. وأعلمُ أنَّكِ لم تختاري هذا الطريقَ بسهولةٍ." قالتْ السيدةَ عائشةَ بصوتٍ حنونٍ، بعدَ أنْ ذهبَ فهدٌ ليتفقدَ الحديقةَ. "ولكنَّ الحياةَ مليئةٌ بالمفاجآتِ. وأحيانًا، نجدُ السعادةَ في أماكنَ لم نتوقعها."
"جدتي، أنا أحاولُ. أحاولُ أن أكونَ قويةً." قالتْ سارةُ، والدموعُ تتجمعُ في عينيها. "ولكنَّني أشعرُ بأنَّني غارقةٌ."
"لا تقلقي يا ابنتي. كلُّ شدةٍ لها نهايةٌ. وكلُّ حزنٍ لهُ فجرٌ." قالتْ السيدةَ عائشةَ، وهيَ تحتضنُ سارةَ. "وأنا هنا لمساعدتكِ."
شعرتْ سارةُ ببعضِ الراحةِ، ولكنَّ الأشباحَ التي كانتْ تطاردها، لم تختفِ بعد. لقد كانَ ماضيها لا يزالُ يلقي بظلالهِ على مستقبلها، وكانتْ تنتظرُ المزيدَ من الشدائدِ.
*