زواج المصلحة 178

أسرارٌ لا تُحتمل

بقلم سارة العمري

عادتْ سارةُ إلى قصرِ الشيخِ فهدٍ، وقلبُها يحملُ ثقلَ همومِها، ولكنَّها شعرتْ ببعضِ السكينةِ بعدَ لقاءِ جدتِها. كانتْ كلماتُ السيدةِ عائشةَ كبلسمٍ شافٍ، تزرعُ في روحِها الأملَ. ولكنَّ الغموضَ الذي اكتنفَ علاقةَ والدتِها بالرجلِ الغريبِ، ظلَّ يراودُ تفكيرَها.

في تلكَ الليلةِ، لم تستطعْ سارةُ أن تنامَ. كانتْ تتأملُ الخاتمَ الذي في إصبعها، وتفكرُ في الوعودِ التي قطعتْ. هل كانَ حبُها لبدرٍ مجردَ وهمٍ؟ أم أنَّها كانتْ تضحي بسعادةِ عمرها بسببِ قيودِ العاداتِ والتقاليدِ؟

فجأةً، سمعتْ صوتَ خطواتٍ تقتربُ من غرفتها. فتحتْ البابَ ببطءٍ، فوجدتْ والدتَها، السيدةَ فاطمةَ، تقفُ أمامَها. كانتْ تحملُ في يدها صينيةً عليها كوبٌ من الشايِ.

"ما الذي أتيتِ بهِ في هذهِ الساعةِ المتأخرةِ يا أمي؟" سألتْ سارةُ بدهشةٍ.

"لا شيءَ يا ابنتي. أردتُ أن أطمئنَ عليكِ. أرى أنَّكِ لم تنامي بعد." قالتْ السيدةَ فاطمةَ بصوتٍ هادئٍ، ولكنَّ سارةَ شعرتْ بنبرةٍ غريبةٍ في صوتِها، نبرةٌ تحملُ بعضَ الارتباكِ.

جلستْ سارةُ على حافةِ السريرِ، وقدمتْ لوالدتِها كوبَ الشايِ. "لا، لم أستطعْ النومَ. أفكرُ كثيرًا."

"في ماذا تفكرينَ يا ابنتي؟" سألتْ السيدةَ فاطمةَ، وهيَ تشربُ الشايَ. "هل أنتِ سعيدةٌ بهذا الزواجِ؟"

كانَ السؤالُ مفاجئًا. لم تتوقعْ سارةُ أن تسألَ والدتُها هذا السؤالَ. "نعم، أنا... أحاولُ أن أكونَ سعيدةً. الشيخُ فهدٌ رجلٌ طيبٌ." ردتْ سارةُ بترددٍ.

صمتتْ السيدةَ فاطمةَ لبرهةٍ، ثمَّ قالتْ: "أعلمُ أنَّكِ لم تختاري هذا الطريقَ. ولكنَّ أحيانًا، نجدُ أنفسنا في مواقفَ صعبةٍ، ونضطرُّ لاتخاذِ قراراتٍ مؤلمةٍ."

نظرتْ سارةُ إلى والدتِها، وشعرتْ بأنَّ هناكَ شيئًا تخفيهُ. "أمي، هل هناكَ شيءٌ تريدينَ قولهُ لي؟"

تنهدتْ السيدةَ فاطمةَ بعمقٍ. "يا ابنتي، الحياةُ مليئةٌ بالتعقيداتِ. وأحيانًا، تضطرُّ الأمُّ لاتخاذِ قراراتٍ لمصلحةِ أبنائها، حتى لو كانتْ مؤلمةً لها."

"ولكنَّ أيَّ قراراتٍ يا أمي؟" سألتْ سارةُ، وشعورٌ غريبٌ يسيطرُ عليها.

"بخصوصِ زواجكِ من الشيخِ فهدٍ... لم يكنْ الأمرُ مجردَ اتفاقٍ بينَ العائلتينِ." قالتْ السيدةَ فاطمةَ بصوتٍ منخفضٍ. "كانَ هناكَ شيءٌ آخرُ. شيءٌ أكبرُ."

"ما هوَ هذا الشيءُ الآخرُ؟" سألتْ سارةُ، وقلبُها يدقُّ بعنفٍ.

"لقد كانَ الشيخُ فهدٌ ينقذُنا من ورطةٍ كبيرةٍ." قالتْ السيدةَ فاطمةَ، والدموعُ تتجمعُ في عينيها. "لقد كنا نعاني من ديونٍ ثقيلةٍ، وكانَ زوجي... زوجي قد تورطَ في مشاكلَ كبيرةٍ."

شعرتْ سارةُ بالصدمةِ. لم تتخيلْ يومًا أنَّ عائلتها تمرُّ بمثلِ هذهِ الظروفِ. "ولكنَّ أبي... أبي كانَ رجلًا غنيًا. كيفَ حدثَ هذا؟"

"كانَ هناكَ استثماراتٌ فاشلةٌ، وبعضُ الأخطاءِ التي ارتكبها. لقد خسرنا الكثيرَ. وكانَ الشيخُ فهدٌ هوَ الوحيدُ الذي استطاعَ مساعدتنا. وكانَ شرطهُ الوحيدُ... هوَ زواجكِ."

كانتْ هذهِ الكلماتُ كالصاعقةِ. لقد كانَ زواجها بيعًا وشراءً. لقد كانتْ سلعةً أُبيعتْ لإنقاذِ العائلةِ.

"يعني... يعني أنَّكِ أجبرتِني على هذا الزواجِ؟" سألتْ سارةُ بصوتٍ مرتجفٍ.

"يا ابنتي، لم يكنْ لديَّ خيارٌ آخرٌ. كنتُ أخشى أنْ نُسجنَ، وأنْ نفقدَ كلَّ ما نملكُ." قالتْ السيدةَ فاطمةَ، وهيَ تبكي. "لقد ضحيتُ بقلبِكِ لإنقاذِ عائلتِكِ."

شعرتْ سارةُ بأنَّها في كابوسٍ. كلُّ شيءٍ كانتْ تعتقدهُ، كانَ مجردَ وهمٍ. حبُّ بدرٍ، رفضُها للزواجِ، كلُّ ذلكَ كانَ عبثًا.

"ولمَ لم تخبريني؟" سألتْ سارةُ بغضبٍ.

"كنتُ أخافُ عليكِ. وكنتُ أعلمُ أنَّكِ لن توافقي. ولكنَّ الأمرَ أصبحَ حتميًا." قالتْ السيدةَ فاطمةَ.

* في مكانٍ آخرَ، كانَ بدرٌ يشعرُ بالأسى. لم يستطعْ أن ينسى ما رآه بالأمسِ. السيدةَ فاطمةَ معَ الرجلِ الغريبِ. كانَ يشعرُ بأنَّ هناكَ لغزًا كبيرًا.

قررَ بدرٌ أن يتصلَ بعمِّهِ، الشيخَ عليٍّ، رجلَ الدينِ المعروفِ، والذي كانَ يعرفُ الكثيرَ عنْ تاريخِ العائلتينِ.

"عمي، هل لديكَ وقتٌ لأتحدثَ معك؟" سألَ بدرٌ.

"أهلاً بكَ يا بدرٌ. تفضلْ. ما الذي يشغلُ بالك؟" ردَ الشيخُ عليٍّ بصوتٍ هادئٍ.

بدأَ بدرٌ بسردِ ما رآه، وكيفَ شعرَ بأنَّ هناكَ سرًا. "رأيتُ والدةَ سارةَ، السيدةَ فاطمةَ، معَ رجلٍ غريبٍ. لقد كانا يقفانِ أمامَ فيلاٍ فخمةٍ، وبدتْ علاقتهما... قويةً."

صمتَ الشيخُ عليٍّ لبرهةٍ. "يا بدرٌ، إنَّ بعضَ الأسرارِ تكونُ ثقيلةً، ولا يمكنُ كشفُها بسهولةٍ. ولكنَّ والدتَكَ، السيدةَ فاطمةَ، كانتْ تعاني من مشاكلَ ماليةٍ كبيرةٍ في الفترةِ الأخيرةِ. وقد يكونُ لهذا اللقاءِ علاقةٌ بذلكَ."

"ولكنَّ ما الذي يربطُهما؟ ومنْ هوَ هذا الرجلُ؟" سألَ بدرٌ.

"هذا ما لا أعرفه جيدا. ولكنَّني أعلمُ أنَّ هناكَ بعضَ الاتفاقياتِ التي تمتْ في الخفاءِ، وذلكَ من أجلِ إنقاذِ سمعةِ العائلةِ." قالَ الشيخُ عليٍّ.

"اتفاقياتٍ؟ منْ يقفُ وراءَها؟" سألَ بدرٌ.

"الشيخُ فهدٌ. هوَ الذي ساعدَ العائلةَ في تجاوزِ هذهِ المحنةِ." قالَ الشيخُ عليٍّ.

شعرَ بدرٌ وكأنَّ الأرضَ انشقتْ وابتلعتْهُ. الشيخُ فهدٌ؟ هوَ الذي ساعدَ عائلةَ سارةَ؟ إذاً، لماذا تزوجَ منْ سارةَ؟

"هل تقصدُ يا عمي، أنَّ زواجَ سارةَ من الشيخِ فهدٍ كانَ مقابلَ مساعدتِهِ لعائلتِها؟" سألَ بدرٌ.

"هذا ما أظنُهُ. لقد كانتْ صفقةً، صفقةً قد تكونُ صعبةً على سارةَ." قالَ الشيخُ عليٍّ.

شعرَ بدرٌ بغضبٍ شديدٍ. لقد كانَ يشعرُ بأنَّهُ قد خُدعَ. لقد كانَ يعتقدُ أنَّ سارةَ اختارتْ طريقَها بنفسِها، ولكنَّ الحقيقةَ كانتْ مختلفةً تمامًا.

"لا يمكنُ أن أصدقَ هذا!" صرخَ بدرٌ. "لقد وعدتُ سارةَ بالزواجِ. ولن أسمحَ لأحدٍ بأنْ يفرقَ بيننا."

"يا بدرٌ، عليكَ أن تتصرفَ بحكمةٍ. إنَّ الأمورَ معقدةٌ. وقد تكونُ هناكَ خيوطٌ أخرى لم تكتشفها بعد." قالَ الشيخُ عليٍّ.

"سأكتشفُ الحقيقةَ يا عمي. وسأعيدُ سارةَ إليَّ. مهما كانَ الثمنُ." قالَ بدرٌ، وعيناهُ تشتعلانِ بالإصرارِ.

لقد كشفتْ هذهِ الليلةُ عنْ أسرارٍ لا تُحتملُ، وعنْ حقائقَ مؤلمةٍ. لقد تغيرَ كلُّ شيءٍ. لقد أدركَ بدرٌ أنَّ الصراعَ لم يكنْ مجردَ حبٍّ مفقودٍ، بل كانَ صراعًا ضدَّ الظروفِ، وضدَّ الأسرارِ التي تخفيها العائلاتُ.

*

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%