زواج المصلحة 178
سرورٌ سرعان ما يتبدد
بقلم سارة العمري
جلستْ "ليلى" على أريكة خشبية عتيقة، تتأملُ شتلات الزهور التي بدأتْ تُزهرُ في شرفتها الصغيرة. كان عبيرُ الياسمينِ الممزوجَ برائحةِ الترابِ المبللِ يُنعشُ روحها، ولكنه لم يستطعْ أن يُخففَ وطأةَ القلقِ الذي كانَ يعتري قلبها. منذُ لقائها الأولِ بـ "عمر"، شعرتْ بشيءٍ غريبٍ ينسابُ في عروقها، شعورٌ لم تعرفْ تفسيرهُ من قبل. كانَ في عينيهِ بريقٌ خاص، وفي حديثهِ سحرٌ يأسرُ الألباب. ولكن، ما كانَ يُقلقها حقًا هو ذلكَ الشعورُ المتزايدُ بالذنبِ الذي كانَ يُباغتها بينَ الحينِ والآخر.
تذكرتْ حديثَ والدهِ، السيد "أحمد"، ذلكَ الرجلُ الوقورُ ذو الشيبِ الذي يزينُ صدغهُ، والذي أبدَى اهتمامًا بالغًا بالزواجِ من ابنةِ صديقِ عمرهِ، السيد "حسين". كانَ وعدهُ لها واضحًا: زواجٌ مبنيٌ على الاحترامِ والتقدير، زواجٌ يضمنُ لها مستقبلًا آمنًا ومستقرًا، بعيدًا عن قلقِ تأمينِ لقمةِ العيش. ولكن، في أعماقها، كانتْ تعلمُ أنَّ "عمر" لم يكنْ مجردَ رجلٍ يخطبُ ابنةَ صديقِ والدهِ. لقد كانَ أكثرَ من ذلك بكثير.
لقد شعرتْ بانجذابٍ شديدٍ نحوه، انجذابٌ يتجاوزُ حدودَ اللباقةِ والتعارفِ الأولي. كانتْ كلماته، ابتساماتهُ، حتى طريقةُ حديثهِ، كلُّها تُشكلُ لوحةً ساحرةً أثارتْ في نفسها مشاعرَ لم تكنْ مستعدةً لها. هل هذا حبٌ؟ أم مجردُ إعجابٍ عابرٍ تُخفيهِ الظروفُ؟ تساءلتْ وهي تُمسكُ بقلبها الذي كانَ ينبضُ بسرعةٍ لم تعهدها.
في تلكَ الأثناء، كانَ "عمر" يجلسُ في مكتبهِ الفخم، يحدقُ في الأوراقِ أمامهُ دونَ أن يرى ما فيها. كانتْ صورةُ "ليلى" تُطاردُهُ في كلِّ زاويةٍ من زوايا تفكيره. كانتْ عيناها الواسعتان، ولونُ بشرتها الصافي، وشعرها الأسودُ الفاحم، كلُّها تُشكلُ مزيجًا فريدًا يأسرُ القلب. ولكنهُ لم يكنْ يستطيعُ أن يُغفلَ عن حقيقةٍ أخرى كانتْ تُثقلُ كاهلهُ.
كانَ "عمر" يعاني من إدمانٍ خفي، إدمانٌ على القمار. لم يكنْ الأمرُ مجردَ تسليةٍ عابرة، بل كانَ قد استنزفَ الكثيرَ من مدخراته، بل ودخَلَ في ديونٍ أثقلتْ كاهلهُ. كانَ يعلمُ أنَّ هذا الأمرَ سيكونُ عائقًا كبيرًا أمامَ أيِّ علاقةٍ جدية، خاصةً معَ امرأةٍ مثلَ "ليلى"، التي رأى فيها النقاءَ والبراءةَ.
تذكرَ ليلةَ أمس، حينَ خرجَ من المنزلِ دونَ أن يُخبرَ أحدًا، وذهبَ إلى أحدِ نوادي القمارِ السريةِ التي اعتادَ زيارتها. لقد خسرَ مبلغًا كبيرًا، مبلغًا كانَ ينوي أن يُستثمره في مشروعٍ جديدٍ كانَ يأملُ أن يُعيدَ إليهِ ثقتهُ بنفسهِ. ولكن، يبدو أنَّ القدرَ كانَ لهُ رأيٌ آخر.
شعرَ "عمر" بالخجلِ والذنبِ وهو يُفكرُ في "ليلى". كيفَ لهُ أن يُقدمَ على الزواجِ منها وهو غارقٌ في هذهِ المشكلة؟ كيفَ لهُ أن يُشاركها حياتها وهو يخشى أن تُكتشفَ حقيقتهُ في أيِّ لحظة؟ كانَ يعرفُ أنَّ والدَهُ، السيد "أحمد"، لا يعلمُ شيئًا عن هذا الإدمان، وأنَّه يرى في زواجهِ من "ليلى" فرصةً لإنهاءِ عزوبتهُ وتأسيسِ أسرةٍ سعيدة.
ولكن، في أعماقِ روحهِ، كانَ "عمر" يُدركُ أنَّه لا يستطيعُ الاستمرارَ على هذا النحو. كانَ يعلمُ أنَّه بحاجةٍ إلى التغيير، إلى التوبةِ، قبلَ فواتِ الأوان. كانَ يُفكرُ في "ليلى"، في ابتسامتها الهادئة، في عينيها اللامعتين، وكانَ يُدركُ أنَّه لا يريدُ أن يخسرَ هذهِ الفرصةَ الثمينةَ بسببِ ضعفهِ.
وفي زاويةٍ أخرى من المدينة، كانتْ "سارة"، صديقةُ "ليلى" المقربة، تُحاولُ أن تُقنعها بضرورةِ الاستماعِ إلى قلبها. كانتْ "سارة" فتاةً جريئةً، ترى الحياةَ بمنظورٍ مختلفٍ عن "ليلى" التقليدية.
"يا ليلى، إنَّه رجلٌ وسيم، يتحدثُ معكِ بلباقة، ويبدو أنَّه مُعجبٌ بكِ. ما الذي تنتظرينه؟" قالتْ "سارة" وهي تُسكبُ الشايَ في أكوابِ الخزفِ المزينة.
تنهدتْ "ليلى" وقالتْ: "لكنَّ الأمرَ أسرعُ من ذلكَ يا سارة. إنَّه زواجٌ مُرتبٌ، ولم نَتعارفْ إلا قليلًا. ولا أريدُ أن أُفكرَ في الزواجِ إلا عندما أكونُ مستعدةً قلبيًا وروحيًا."
"لكنَّكِ لم تذكري أنهُ زواجٌ مُرتبٌ، بل قلتِ إنهُ لقاءٌ عادي. أظنُّ أنَّ والدكِ قد دبَّرَ الأمرَ، أليسَ كذلك؟" سألتْ "سارة" بفضولٍ.
ترددتْ "ليلى" للحظةٍ، ثمَّ قالتْ: "نعم، كانَ هناكَ اتفاقٌ بينَ والديَّ ووالدِهِ. ولكنَّ الأمرَ لا يزالُ في طورِ التعارف. ولا أدري إن كنتُ أرغبُ في المضيِّ قدمًا."
"وما الذي يمنعكِ؟ هل تخشينَ من الارتباطِ؟ أم أنَّ هناكَ شيئًا آخر؟" أردفتْ "سارة" وهي تُراقبُ تعابيرَ وجهِ "ليلى" عن كثب.
"لا أعرفُ يا سارة. كلُّ ما في الأمرِ أنَّني أشعرُ أنَّ هناكَ شيئًا لا يبدو صحيحًا. ربما هيَ مجردُ أوهامٍ." أجابتْ "ليلى" وهي تُمسكُ بكوبِ الشايِ الساخن.
"دعكِ من الأوهامِ يا ليلى. الحياةُ فرصٌ، وهذهِ الفرصةُ تبدو جيدةً لكِ. رجلٌ مناسبٌ، عائلةٌ طيبةٌ، مستقبلٌ آمنٌ. ما الذي تحتاجينه أكثرَ من ذلك؟" قالتْ "سارة" بنبرةٍ مُحفزة.
"أنا لا أحتاجُ فقط إلى رجلٍ مناسبٍ ومستقبلٍ آمنٍ يا سارة. أحتاجُ إلى شعورٍ بالحبِّ والأمانِ الداخلي. أحتاجُ إلى شريكٍ يُشاركني أحلامي ومخاوفي، لا مجردَ شخصٍ يُرافقني في رحلةِ الحياةِ مجاملةً." قالتْ "ليلى" بصوتٍ خفيضٍ، تعكسُ فيهِ رغبتها العميقةَ في علاقةٍ صادقة.
"ولكن، من قالَ أنَّ هذا الشعورَ لن يأتي معَ الوقت؟ أنتِ لم تُعطيهِ الفرصةَ الكافيةَ بعد. ربما معَ المزيدِ من اللقاءاتِ، ستجدينَ ما تبحثينَ عنه." قالتْ "سارة" محاولةً إقناعها.
ابتسمتْ "ليلى" ابتسامةً باهتةً. كانتْ تُحبُّ صديقتها "سارة"، ولكنها لم تفهمْ أبدًا قلقها الداخلي. كانَ لديها دائمًا شغفٌ بالحياةِ، ورغبةٌ في استكشافِ كلِّ ما فيها. بينما كانتْ "ليلى" تُفضلُ الهدوءَ والاستقرارَ، وتخشى من التعرضِ لمواقفَ قد تُعكرُ صفو حياتها.
"ربما أنتِ على حقٍّ يا سارة. ربما يجبُ أن أُعطيهِ فرصةً أكبر. ولكن، قلبي لا يزالُ مترددًا." قالتْ "ليلى"، وكانَ في عينيها مزيجٌ من الأملِ والخوف.
في تلكَ اللحظة، وصلَتها رسالةٌ نصيةٌ على هاتفها. كانتْ من "عمر".
"مساء الخير يا آنسة ليلى. أردتُ أن أتأكدَ أنَّكِ بخير. هل لديكِ وقتٌ للقائي غدًا؟ لديَّ أمرٌ هامٌّ أودُّ أن أتحدثَ معكِ فيه."
شعرتْ "ليلى" برجفةٍ تسري في جسدها. كانَ قلبها ينبضُ بعنفٍ. هل سيُفصحُ عن شيءٍ؟ هل سيعترفُ بمشاعرهُ؟ أم أنَّ الأمرَ الذي يُريدُ الحديثَ فيهِ ليسَ لهُ علاقةٌ بالحبِّ أبدًا؟
نظرتْ إلى "سارة" وقالتْ: "إنَّه يريدُ أن يراني غدًا. لديهِ أمرٌ هامٌّ. لا أدري ما هو."
ابتسمتْ "سارة" ابتسامةً واسعةً، وقالتْ: "هذهِ فرصتكِ يا ليلى. اذهبي، وتحدثي معهُ. ربما تكونُ هذهِ بدايةَ شيءٍ جميلٍ."
لم تستطعْ "ليلى" أن تُخفيَ توترها، ولكنها شعرتْ أيضًا بنوعٍ من الإثارةِ. كانتْ تتطلعُ إلى لقائهِ، وتأملُ أن تُزيلَ هذهِ الغموضَ الذي يُحيطُ بقلبها. ولكن، في أعماقها، كانَ هناكَ صوتٌ خافتٌ يُحذرها من أنَّ الأمورَ قد لا تسيرُ كما تتمنى.
أغلقتْ "ليلى" عينيها، وحاولتْ أن تُهدئَ من روعها. كانتْ تعلمُ أنَّها على مفترقِ طرقٍ. قرارٌ واحدٌ قد يُغيرُ مجرى حياتها. فهل ستُستمعُ إلى صوتِ عقلها، أم إلى نداءِ قلبها؟ وهل سيُظهرُ "عمر" لها ما في داخلهِ، أم سيُبقيها في دوامةِ الشكِّ والقلق؟