زواج المصلحة 178

كلماتٌ مُبطنةٌ وهمساتٌ خفية

بقلم سارة العمري

جلستْ "ليلى" في حديقةِ القصرِ المورقة، تتنفسُ عبيرَ الورودِ التي تتفتحُ تحتَ أشعةِ الشمسِ الرقيقة. كانَ صوتُ خريرِ المياهِ في النافورةِ يُضفي على المكانِ جوًا من الهدوءِ والسكينة. ولكن، لم يكنْ قلبُها يشعرُ بنفسِ الهدوء. فبعدَ حديثها معَ السيد "حسين"، والدِ "عمر"، كانتْ مشاعرُها مُضطربةً، مليئةً بالتساؤلاتِ والقلق.

كانتْ تُفكرُ في كلماتِ والدِ "عمر" التي حملتْ في طياتها اعترافًا صريحًا بعاداتٍ سيئةٍ قديمة. كانتْ تُدركُ أنَّ هذا الاعترافَ يعني أنَّ هناكَ قصةً، قصةً لم تُروَ لها بالكامل. ولكن، ماذا لو كانَ "عمر" قد تجاوزَ هذهِ المشاكلَ بالفعل؟ ماذا لو كانَ مُستعدًا لبناءِ حياةٍ جديدةٍ معها؟

في تلكَ اللحظة، شعرتْ بيدٍ تلامسُ كتفها بلطف. التفتتْ "ليلى" لتجدَ "عمر" يقفُ خلفها، وعلى وجههِ ابتسامةٌ هادئة.

"مساء الخير يا ليلى." قالَ "عمر" بصوتٍ ناعم. "كنتُ أبحثُ عنكِ."

"مساء النور يا عمر." أجابتْ "ليلى"، وشعرتْ بأنَّ قلبها بدأَ ينبضُ بسرعةٍ أكبر. "كنتُ أستمتعُ بجمالِ الحديقة."

"إنها بالفعلٍ مكانٌ جميلٌ. ولكنهُ يصبحُ أجملَ حينَ تكونينَ فيه." قالَ "عمر"، وعيناهُ تلتقيانِ بعينيها.

شعرتْ "ليلى" ببعضِ الاحمرارِ يسري في وجهها. لم تكنْ معتادةً على مثلِ هذهِ المجاملاتِ المباشرة.

"لقد تحدثتُ معَ والدي اليوم." قالتْ "ليلى" بجديةٍ، محاولةً أن تُعيدَ المحادثةَ إلى مسارها.

ارتبك "عمر" للحظةٍ، ثمَّ استعادَ رباطةَ جأشهِ وقالَ: "أعلمُ. لقد أخبرني. وأنا مُقدرٌ لكِ صدقكِ يا ليلى."

"صدقي؟" تساءلتْ "ليلى" برفق.

"نعم، صدقكِ في البحثِ عن الحقيقة. وأنا هنا لأُجيبَ عن أيِّ سؤالٍ لديكِ." قالَ "عمر"، وقد ارتسمتْ على وجههِ ملامحُ الجدية.

"والدكَ أخبرني أنَّكَ مررتَ ببعضِ الصعوباتِ في الماضي، وأنَّكَ كنتَ تُعاني من بعضِ العاداتِ السيئة. لا أريدُ أن أتجاوزَ هذهِ النقطةَ دونَ فهم. أريدُ أن أعرفَ ما الذي كنتَ تُعانيهِ." قالتْ "ليلى" بصوتٍ ثابتٍ، ولكنَّهُ كانَ يحملُ نبرةَ ترقب.

تنهدَّ "عمر" بعمق، ثمَّ جلسَ بجانبها على المقعدِ الحجري. ظلَّ صامتًا لبرهةٍ، وكأنهُ يُجمعُ شتاتَ أفكاره.

"لقد كنتُ مُدمنًا على القمارِ يا ليلى." قالَ "عمر" أخيرًا، بصوتٍ بالكادِ يُسمع.

كانتْ هذهِ الكلمةُ بمثابةِ ضربةٍ قويةٍ لـ "ليلى". لم تتوقعْ أبدًا أن يكونَ الأمرُ بهذهِ الخطورة.

"القمار؟" كررتْ "ليلى" بصدمة. "هل أنتَ جادٌ؟"

"للأسف، نعم. لقد كانَ الأمرُ يزدادُ سوءًا يومًا بعدَ يوم. لقد خسرتُ الكثيرَ من المالِ، بل وخسرتُ جزءًا كبيرًا من نفسي. لقد كنتُ أعيشُ في عالمٍ وهمي، عالمٍ كنتُ فيهِ أظنُّ أنني أستطيعُ السيطرةَ على كلِّ شيء."

"ولكن، لماذا؟ ماذا كانَ يُغريكَ في القمار؟" سألتْ "ليلى" وهي تُحاولُ فهمَ الدوافعِ خلفَ هذا الإدمان.

"كانَ في البدايةِ مجردَ تسليةٍ. ولكن، معَ الوقت، أصبحَ وسيلةً للهروبِ من الواقع. كنتُ أشعرُ بالمللِ، بالضغوطِ، وبالفراغ. وكانَ القمارُ يُعطيني شعورًا بالتشويقِ والإثارة، شعورًا بأنني ما زلتُ على قيدِ الحياة." قالَ "عمر" وهوَ يُمسكُ بيدهِ ويُحركُ أصابعهُ بتوتر.

"وهل كنتَ تعتقدُ أنَّ هذا هوَ الحل؟" سألتْ "ليلى" بهدوءٍ، ولكنَّهُ كانَ يحملُ نبرةَ استنكار.

"في البدايةِ، نعم. كنتُ أظنُّ أنني أستطيعُ الفوزَ دائمًا، وأنَّني سأتمكنُ من تعويضِ خسائري. ولكن، كلما راهنتُ أكثرَ، كلما خسرتُ أكثر. لقد دخلتُ في دوامةٍ لا نهايةَ لها."

"وما الذي جعلكَ تتوقفُ؟" سألتْ "ليلى"، وقد بدأتْ ترى في عينيهِ شيئًا من الندمِ والألم.

"والدي. لقد تحدثَ معي كثيرًا، وحاولَ مساعدتي. ولكن، لم أكنْ أستمعُ إليهِ. في النهاية، رأيتُ اليأسَ في عينيهِ، وأدركتُ أنني أخسرُ كلَّ شيء. لقد رأيتُ أنَّني لا أُدمرُ حياتي فقط، بل أُدمرُ حياةَ من يُحبونني."

"ولكن، كيفَ استطعتَ أن تتغلبَ على هذا الإدمان؟" سألتْ "ليلى"، وكانَ صوتها يحملُ نبرةَ أمل.

"لقد كانَ الأمرُ صعبًا جدًا. لقد لجأتُ إلى مساعدةِ متخصصين، وحاولتُ أن أُغيرَ أسلوبَ حياتي بالكامل. لقد بدأتُ أُمارسُ الرياضةَ، وأُركزُ على عملي، وأُحاولُ أن أُشغلَ وقتي بما هوَ مفيد. والأهمُّ من ذلك، أنني قررتُ أن أتوقفَ عن الذهابِ إلى الأماكنِ التي كانتْ تُذكرني بالقمار."

"وماذا عن الديون؟" سألتْ "ليلى" بفضول.

"لقد ساعدني والدي في تسديدِ جزءٍ كبيرٍ منها. وجزءٌ آخر، ما زلتُ أعملُ على تسديدهِ. ولكني أصبحتُ أكثرَ حذرًا في إنفاقي، وأُركزُ على بناءِ مستقبلٍ أفضل."

صمتتْ "ليلى" للحظةٍ، تُفكرُ فيما سمعتهُ. كانَ الأمرُ مُؤلمًا، ولكنهُ كانَ أيضًا مُطمئنًا. لقد كانَ "عمر" صادقًا معها، وقد واجهَ مشاكلهُ بحق.

"أنا مُقدرةٌ لصدقكَ يا عمر. لم يكنْ من السهلِ عليكَ أن تُخبرني بكلِّ هذا." قالتْ "ليلى" بصوتٍ هادئ.

"كنتُ أعلمُ أنَّكِ تستحقينَ الحقيقةَ. ولم أكنْ أُريدُ أن أُخفيَ عنكِ شيئًا. إنَّني أُحبُّكِ يا ليلى، وأريدُ أن أُصبحَ زوجًا صالحًا لكِ." قالَ "عمر"، وقد ارتسمتْ على وجههِ نظرةُ أملٍ عميق.

"الحب؟" سألتْ "ليلى"، وقد شعرتْ بأنَّ قلبها يخفقُ بسرعةٍ.

"نعم، الحب. لقد شعرتُ بذلكَ منذُ اللحظةِ الأولى التي رأيتكِ فيها. ورغمَ كلِّ ما كنتُ أُعاني منهُ، إلا أنَّ رؤيتكِ كانتْ تُعطيني أملًا ورغبةً في التغيير."

نظرتْ "ليلى" إلى عينيهِ. لقد رأتْ فيهما صدقًا، ورأتْ فيهما حبًا. ولم تستطعْ أن تُنكرَ أنَّ مشاعرها تجاههُ قد تعمقتْ.

"وأنا أيضًا يا عمر. لقد شعرتُ بشيءٍ نحوكَ منذُ البداية. ولكن، كنتُ خائفةً." قالتْ "ليلى" بصوتٍ منخفض.

"من ماذا؟" سألَ "عمر".

"من أنَّ الأمرَ كلهُ قد يكونُ مجردَ زواجٍ مُرتبٍ، وأنَّنا لن نجدَ بعضنا البعضَ في هذا الزواج. ولكن، بعدَ كلِّ ما سمعتهُ منك، أشعرُ أنَّ هناكَ أملًا."

ابتسمَ "عمر" ابتسامةً واسعةً. "هناك دائمًا أملٌ يا ليلى. وأنا أريدُ أن نبنيَ أملنا معًا."

وفي تلكَ اللحظة، شعرتْ "ليلى" بأنَّها على وشكِ اتخاذِ قرارٍ هامّ. لقد كانَ "عمر" يُقدمُ لها نفسه بكلِّ ما فيهِ، بكلِّ عيوبه، وبكلِّ أحلامهِ. وكانَ عليها أن تُقررَ إن كانتْ مُستعدةً لتقبلِ هذا الحبِّ، ولخوضِ هذهِ الرحلةِ معه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%