لقاء الأرواح 179
همس الورد ووجل القلب
بقلم فاطمة النجار
كانت رائحة الورد الدمشقي تفوح في أرجاء المنزل، ممزوجة بعبق البخور العطري الذي اعتادته دار آل السويدي. لكن هذه المرة، كان للورد عبق خاص، وللبخور وهج جديد. في ديوان الرجال، حيث يجلس العم سعيد، شيخ العائلة ورمزها، كان الأمل يتجدد. اقترب موعد الخطبة الرسمية، والقلوب تتأرجح بين رجاءٍ وترقب.
جلست لمياء في غرفتها، تتأمل انعكاسها في المرآة. تارةً ترى الفتاة التي أحلمت بالحب المستتر، وتارةً أخرى ترى الطالبة الجامعية المتفوقة التي لطالما سعت لتحقيق طموحاتها. اليوم، كان هناك بعدٌ جديدٌ لشخصيتها. لمياء، ابنة الثامنة والعشرين، كانت تدرك أن زواجها من المهندس خالد السليمان ليس مجرد ارتباطٍ عائلي، بل هو فصلٌ جديدٌ في مسيرة حياتها، فصلٌ ترسمه مع رجلٍ اختارته العائلة، ولكنها بدأت تشعر نحوه بتقديرٍ يتجاوز مجرد الاحترام.
كان خالد، بعيدًا عنها، يجلس مع والده في مكتبه الفخم. الصمت كان سيد الموقف، صمتٌ يسبق العاصفة، أو يتبعها. فتح العم إبراهيم، والد خالد، ملفًا قديمًا. "خالد، هذه هي حسابات الشركة. أعلم أنك ستتولى زمام الأمور قريبًا، ولكن هناك تعقيداتٌ لم أكن لأتخيلها."
نظر خالد إلى الأرقام، إلى الإحصائيات، إلى التقارير. كان يعرف أن والده رجلٌ ناجح، ولكن عبء إدارة إمبراطورية عقارية لم يكن بالأمر الهين. "أبي، لا تقلق. سنتجاوز هذه الصعاب معًا. فكرتك في توسيع استثماراتنا في العقارات الصديقة للبيئة هي فكرةٌ ثاقبة، ولكنها تتطلب تخطيطًا دقيقًا."
ابتسم العم إبراهيم ابتسامةً تحمل بين طياتها فخر الأب بابنه. "أعلم أنك ستكون خير خلفٍ. ولكن هناك أمرٌ آخر يقلقني." توقف قليلاً، ثم استأنف: "لقد أبلغني صديقي المقرب، أحمد، أن لديه ابنًا وحيدًا، يسعى لتولي زمام شركة والده، ولكنه يحتاج إلى خبرةٍ عملية. ربما يمكننا إيجاد صيغةٍ للتعاون بين شركتينا، بما يفيد الشاب ويفيدنا."
شعر خالد ببعض الارتياب. لم يكن يفضل التدخلات الخارجية التي قد تعقّد الأمور، ولكنه كان يدرك حكمة والده. "من هو هذا الشاب يا أبي؟"
"اسمه وليد. شابٌ طموح، ولكنه قليل الخبرة. قال لي إن والده يرغب في أن يعمل تحت إشراف مهندسٍ ذي خبرةٍ واسعة لعدة أشهر، قبل أن يتولى مسؤوليات شركته. وقد فكرت فيك."
ارتعش قلب خالد للحظة. هل سيؤثر هذا الشاب الجديد على تركيزه في الفترة القادمة، وهي فترةٌ حساسةٌ للغاية؟ "أبي، أنا مشغولٌ للغاية. كما تعلم، قريبًا ستتم خطبتي من الآنسة لمياء، وهناك الكثير من التحضيرات."
"أعلم يا بني. ولكن الأمور العائلية والمهنية يجب أن تسير جنبًا إلى جنب. وليد ليس مجرد شخصٍ غريب، هو ابن صديقي. وبالمناسبة، سمعت أن لديه ميولًا فنيةً، ربما يكون لديه بعض الأفكار التي تفيد مشروعنا الجديد."
تنهد خالد. "حسنًا يا أبي. سنرى ما يمكنني فعله. سأتحدث معه."
في المقابل، كانت والدة لمياء، السيدة فاطمة، تجلس مع ابنتها. "يا حبيبتي، هل أنتِ مستعدة؟ هل تشعرين بالارتياح؟"
أمسكت لمياء بيد والدتها، وهي تبتسم ابتسامةً باهتة. "نعم يا أمي. أنا بخير. فقط... القليل من التوتر."
"أتفهم. إنه قرارٌ كبير. ولكن خالد شابٌ ممتاز. أعرف عائلته منذ زمنٍ طويل. أخلاقٌ كريمة، ودينٌ متين. ستكونين سعيدةً بإذن الله."
"أعلم يا أمي. ولكن... هل سأتمكن من تحقيق أحلامي؟ دراستي، عملي؟"
"بالتأكيد يا لمياء. خالد رجلٌ عصري، ويدعم طموحات المرأة. لقد سمعت أنه مهتمٌ جدًا بمشروعك الخاص بالتطبيقات التعليمية. قد يكون هذا أمرًا إيجابيًا."
ابتسمت لمياء ابتسامةً صادقة هذه المرة. "هذا صحيح. لقد تحدثنا قليلاً عن ذلك. لديه رؤيةٌ ثاقبة."
"الحمد لله. إذن، لا تقلقي. اجعلي قلبك مطمئنًا. الأقدار تسير بما قسم الله. والأهم هو أن تكون العلاقة مبنيةً على المودة والاحترام."
كانت الأيام تمر بسرعة، وكل يومٍ يحمل معه استعداداتٍ جديدة. أصوات البهجة تتعالى في بيت السويدي، استعدادًا لاستقبال أهل خالد. لكن خلف الستار، كانت هناك خيوطٌ تتشابك.
ذات مساء، وبينما كانت لمياء تتصفح بعض الرسائل الإلكترونية المتعلقة بعملها، وردها اتصالٌ من رقمٍ غير مسجل. ترددت قليلًا، ثم أجابت.
"ألو؟"
"مرحبًا، هل أتحدث مع الآنسة لمياء السويدي؟" صوتٌ رجوليٌ شاب، يحمل نبرةً واثقة.
"معها. من المتحدث؟"
"اسمي وليد. وليد الشريف. والد صديق والدي، السيد إبراهيم السليمان، قد أخبرني بأنني قد أتواصل معكِ."
شعرت لمياء بالدهشة. وليد الشريف؟ هل هو الشاب الذي تحدث عنه والد خالد؟ "أهلاً بك يا سيد وليد. تفضل."
"شكرًا. لقد طلب مني والدي، وهو صديقٌ مقربٌ لوالدك أيضًا، أن أتعرف على بعض الأشخاص في محيط عائلتكم، تحضيرًا لبعض المشاريع المشتركة المستقبلية. وبما أنكِ من ضمن العائلة، فقد أردت أن أقدم نفسي."
بدأ وليد بالحديث عن بعض أفكاره، عن رؤيته للمستقبل، عن شغفه بالفن والتصميم. كانت لمياء تستمع بانتباه، تشعر بأنها تتحدث مع شخصٍ مختلف. لم يكن يتحدث بلهجةٍ رسميةٍ جافة، بل بأسلوبٍ ينم عن حيويةٍ وشغف.
"ما رأيكِ في بعض الأفكار التي أعمل عليها؟ لدي تصميماتٌ جديدة لمشاريع عقارية صغيرة، تركز على الجماليات المستدامة."
"هذا يبدو شيقًا جدًا يا سيد وليد. أنا مهتمةٌ جدًا بالتصميمات التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة."
"ممتاز. ربما يمكننا اللقاء قريبًا، في مكانٍ عام، لمناقشة بعض الأمور. ربما في أحد المعارض الفنية، أو في مقهى هادئ."
شعرت لمياء بارتباكٍ طفيف. لم يكن هذا جزءًا من الترتيبات. "سيدي، أنا... أنا أستعد لخطبتي. ربما يكون هذا غير مناسب."
"آه، صحيح. تهانينا! أعتذر إذا كان طلبي غير مناسب. لم أكن أدرك ذلك." كان هناك صمتٌ قصير، ثم استأنف وليد بصوتٍ أكثر هدوءًا: "حسنًا، على أي حال. أتمنى لكِ كل التوفيق. وإذا احتجتِ يومًا ما إلى رأيٍ فنيٍ في أي مشروعٍ لكِ، فلا تترددي في التواصل معي. لدي اهتمامٌ كبيرٌ بالتطبيقات التعليمية أيضًا."
انتهى اللقاء الصوتي، وتركت لمياء الهاتف وهي تشعر بمزيجٍ من المشاعر. لقد كان لقاءً غير متوقع، ولكنه أثار فضولها. من هو هذا الشاب؟ ولماذا شعرت بهذا الارتياح في حديثها معه؟
في نفس الليلة، وفي بيت السليمان، كان خالد يجلس في غرفته. كان يفكر في والدته، في لمياء، في والدته. تلقى مكالمةً من صديقٍ قديم لوالده، أحمد الشريف. شرح له الأخير قصة ابنه، وليد، وحاجته إلى التوجيه.
"خالد يا بني، أعرف أنك مشغولٌ جدًا، ولكن الشاب وليد يحتاج إلى من يرشده. والدي، إبراهيم، أثنى عليك كثيرًا. قال إنك مهندسٌ بارع، ولك أخلاقٌ رفيعة. فهل يمكنك إعطاء بعضٍ من وقتك لهذا الشاب؟"
شعر خالد ببعض الضيق. كان يتمنى لو كان لديه المزيد من الوقت ليتفرغ تمامًا للاستعداد لخطبته، ولتطوير مشاريعه الخاصة. "سيدي أحمد، سأفعل ما بوسعي. سأتحدث مع وليد."
"أشكرك يا بني. أتمنى لك كل التوفيق في خطوبتك. الآنسة لمياء فتاةٌ رائعة."
"شكرًا جزيلًا."
كانت الأقدار تنسج خيوطها بدقة. لمياء، الفتاة التي تستعد لخطبةٍ رسمية، تجد نفسها تتحدث مع شابٍ جديد، يثير فضولها. وخالد، المهندس الناجح، يستعد لمسؤوليةٍ جديدة، ولكنه يتلقى طلبًا قد يغير من تركيزه.
مع اقتراب الموعد، كان التوتر يتزايد، ولكن معه كانت هناك أيضًا آمالٌ جديدة، وأسئلةٌ معلقةٌ في الهواء، تنتظر إجاباتها. لم يكن أحدٌ يعرف كيف ستتغير مسارات هذه العلاقات، وكيف ستتكشف الأسرار.