لقاء الأرواح 179
اعترافاتٌ مؤجلة وخياراتٌ صعبة
بقلم فاطمة النجار
بعد يوم الخطبة، عادت الحياة إلى مجاريها الطبيعية، ولكنها لم تكن كالسابق. كانت هناك شعرةٌ رفيعةٌ من الشك قد نبتت في قلب لمياء، وبذورٌ من القلق قد زرعت في ذهن خالد. لمياء كانت تفكر كثيرًا في تفاصيل حفل الخطبة، وفي الكلمات التي تبادلتها مع وليد. كانت تشعر بأن خالد لم يكن صريحًا تمامًا بشأن تفاعله مع وليد.
في أحد الأيام، بينما كانت لمياء تعمل في مكتبها، تلقت مكالمةً من رقمٍ غير معروف. ترددت قليلًا، ثم أجابت.
"مرحباً؟"
"مرحباً يا الآنسة لمياء. هل أتحدث معها؟" صوتٌ نسائيٌ هادئ، يحمل نبرةً ودودة.
"معها. من المتحدث؟"
"اسمي سارة. سارة الشريف. أنا والدة وليد."
صُدمت لمياء. والدة وليد؟ لماذا تتصل بها؟ "أهلاً بكِ يا سيدة سارة. تفضلي."
"شكرًا جزيلاً. لقد حضرت حفل خطبتكِ، وأردت أن أهنئكِ. ألف مبروك."
"شكرًا جزيلاً لكِ. هذا لطفٌ منكِ."
"لمياء، ابني وليد يحكي لي كثيرًا عنكِ. لقد أعجب بها حقًا. وأعلم أنه يرغب في مساعدتكِ في مشروعكِ."
"هذا لطفٌ منه. لقد تحدثنا في هذا الموضوع، ولكنه موضوعٌ معقد."
"نعم، أعلم. ولكن، أعتقد أن هناك بعض الأمور التي قد تحتاج إلى توضيح. ابني وليد، لديه حسٌ فنيٌ عالٍ، وهو دائمًا ما يبحث عن أشخاصٍ يشاركونه هذه الرؤية. وقد أخبرني أن خالد قد لا يدعم مشروعكِ بالشكل الذي تتمنينه."
"كيف عرفتِ ذلك؟" سألت لمياء، وشعرت بأن قلبها يخفق بعنف.
"وليد لديه علاقةٌ جيدةٌ مع خالد. لقد تحدثا كثيرًا. وهو يشعر بأن خالد يفضل التركيز على الجانب التجاري فقط، وليس على الجانب الإبداعي في مشروعكِ."
"هذا... هذا غير صحيح. خالد يدعمني."
"أتفهم قلقكِ. ولكن، أحيانًا، الحب والرومانسية في إطار الزواج لا تعني بالضرورة التوافق الكامل في الأهداف المهنية. ابني وليد، على الرغم من أنه لم يذكر هذا صراحة، ولكن لديه اهتمامٌ كبيرٌ بتطوير مشاريعٍ تجمع بين الجماليات والاستدامة. وربما لو تعاونتما، لكان ذلك أفضل لمشروعكِ."
"ولكن... أنا مخطوبةٌ لخالد."
"أعلم ذلك. ولكن، أحيانًا، الحياة تأخذ منحىً مختلفًا. أنا لا أريد أن أخترق خصوصيتكِ، ولكنني شعرت بمسؤوليةٍ تجاهكِ. وليد يريد مساعدتكِ، وأنا أرى أن هذه المساعدة قيمة."
شعرت لمياء بأن العالم يدور بها. هل كانت كلمات والدة وليد حقيقية؟ هل كان خالد لا يدعمها حقًا؟
في نفس الوقت، كان خالد يتحدث مع والده، أو بالأحرى، مع ذكرى والده. كان يتصفح بعض الأوراق القديمة، فوجد رسالةً من والده، كتبها قبل وفاته.
"يا بني خالد، إن بناء العائلة ليس مجرد زواجٍ تقليدي، بل هو شراكةٌ حقيقية. يجب أن تبني علاقتكِ على الصدق والتفاهم. وأن تدعم زوجتكِ في أحلامها وطموحاتها، كما تدعمكِ هي في أحلامك. لا تدع الدنيا تشغلك عن أهم ما تملك."
كانت الكلمات مؤثرة. تذكر خالد حديثه مع عمه، وحديثه مع لمياء. هل كان يخفي عنها شيئًا؟
"يا أمي," قال خالد لوالدته، التي كانت تجلس في غرفة المعيشة. "أتذكرين أن والدي كان لديه اهتمامٌ بتطوير العقارات المستدامة؟"
"نعم يا بني. كان دائمًا ما يتحدث عن أهمية البيئة."
"هل كان لديه أي أفكارٍ أو مشاريعٍ لم يتم تنفيذها؟"
"ربما. لقد كان لديه الكثير من الأفكار. ولكن، أعتقد أنه لم يكتب كل شيءٍ بتفصيل. لماذا تسأل؟"
"فقط... أفكر في بعض المشاريع الجديدة. أريد أن أوسع آفاق عملي. ربما يمكنني الاستفادة من بعض أفكاره."
شعرت لمياء بالاضطراب. لقد قررت أن تتحدث مع خالد. لم تستطع أن تعيش وهي تحمل هذا الشك. في المساء، عندما عاد خالد إلى المنزل، وجدها جالسةً تنتظره.
"مرحباً حبيبتي. ما الذي تفعلينه هنا؟"
"أردت أن أتحدث معك يا خالد."
"تفضلي."
"لقد تحدثت اليوم مع والدة وليد."
ارتعش وجه خالد قليلًا. "حقًا؟ وماذا قالت؟"
"قالت إن وليد يشعر بأنك لا تدعم مشروعي الخاص بالشكل الكافي. وإنك ترغب في التركيز على الجانب التجاري فقط."
نظر خالد إليها، وشعر ببعض الغضب. "هذا غير صحيح! لمياء، أنتِ تعرفين أنني أدعمكِ. لقد تحدثت مع وليد فقط عن إمكانية التعاون في بعض المشاريع الصغيرة، وليس عن مشروعكِ الخاص. مشروعكِ هو الأهم بالنسبة لي."
"ولكن، والدته قالت إن وليد يشعر بذلك. وهو يشعر بأن هناك توافقًا أكبر بين رؤيته ورؤيتي."
"ماذا؟ هل وليد يحاول أن يزرع الشك بيننا؟"
"لا أعرف يا خالد. ولكن، كلمات والدته كانت مقلقة. وقبل ذلك، حديثك معي عن وليد لم يكن واضحًا تمامًا. ذكرت أنك تحدثت معه عن التعاون، ولكنه ذكر أنك تريد التركيز على خططٍ أخرى."
تنهد خالد. "لمياء، أنا آسف إذا كان هناك سوء فهم. كنت أريد أن أعطيكِ المساحة الكافية لتطوير مشروعكِ. وربما لم أكن صريحًا بما يكفي بشأن تفاعلاتي مع وليد. كان وليد يحاول أن يقترح عليّ بعض الأفكار، ولكني كنت أرى أنها قد لا تتناسب مع خطط شركتنا الحالية. أما بالنسبة لمشروعكِ، فأنا أدعمه بكل قوتي."
"ولكن، ماذا عن رؤية وليد؟ ألا تعتقد أن لديه بعض الأفكار التي قد تفيد؟"
"قد تكون لديه بعض الأفكار، ولكن ليس لدي الوقت الكافي لمتابعتها جميعًا. وبالنسبة لمشروعكِ، فإني أرى فيه مستقبلًا واعدًا. أنتِ رائعة يا لمياء."
شعرت لمياء بخيبة أمل. كانت تتوقع منه تفسيرًا أوضح. "ولكن، ما الذي جعل والدته تقول ذلك؟"
"ربما هي تحاول مساعدته. وليد شابٌ طموح، ولكنه يحتاج إلى توجيه. وقد يكون لديه بعض الأفكار التي يحاول أن يروج لها. لا تقلقي يا لمياء. ثقي بي."
نظرت لمياء إلى عينيه. كانت تشعر بصدقٍ فيه، ولكنها لم تستطع أن تتخلص من الشك. "سأثق بك يا خالد. ولكن، أرجو أن تكون صادقًا معي دائمًا. أنا بحاجةٍ إلى ذلك."
"أعدكِ بذلك."
في تلك الليلة، نامت لمياء وقلبها ما زال مضطربًا. شعرت بأنها تقف على مفترق طرق، وأن هناك خياراتٍ صعبة تنتظرها.
أما خالد، فقد شعر ببعض الغضب تجاه وليد. كان يرى أنه يحاول أن يلعب دورًا لا يناسبه