لقاء الأرواح 179
بينَ الوعدِ والشك
بقلم فاطمة النجار
تتساقطُ قطراتُ المطرِ على زجاجِ النافذةِ في غرفةِ "أحمد"، كأنها تُشاركُهُ اضطرابَ خواطره. كانَ قدْ عقدَ العزمَ على الحديثِ معَ والديهِ في مسألةِ "ليلى"، ولكنَّه قبلَ ذلك، كانَ يشعرُ بحاجةٍ ماسةٍ للتأكدِ منْ بعضِ الأمور. لقدْ أثارتْ فيهِ أخبارُ خطوبةِ "فادي" بعضَ الشكوكِ التي لمْ يستطعْ تجاهلها.
في اليومِ التالي، اتصلَ "أحمد" بـ "خالد"، صديقهِ المقرب. بعدَ تبادلِ التحياتِ الروتينية، قالَ "أحمد" بنبرةٍ جدية: "يا خالد، هلْ تعرفُ شيئاً عنْ أسرةِ "فادي" الذي ذُكرَ في سياقِ حديثنا؟ أظنُّ أنَّ اسمهُ "فادي المنصوري"."
ترددَ "خالد" لبرهة، ثمَّ قالَ: "أجل، أعرفُه. إنهُ ابنُ السيد "كمال المنصوري"، الشريكُ التجاريُّ القديمُ لوالدي. إنهمْ منْ أعيانِ المدينة، ويتمتعونَ بثروةٍ كبيرة. ولكنْ، هناكَ بعضُ الأقاويلِ حولَ "فادي" نفسه، عنْ سلوكهِ، وعنْ طريقةِ إنفاقِهِ للمال."
شعرَ "أحمد" بقبضةٍ باردةٍ تعتصرُ قلبه. لقدْ كانَ يخشى هذا. إذا كانتْ "ليلى" مُرغمةً على خطبةِ شخصٍ كهذا، فهذا يعني أنَّ هناكَ قصةً أكبرَ خلفَ هذا الزواج. سألَ "أحمد" بنبرةٍ تحملُ قلقاً متزايداً: "ما هيَ هذهِ الأقاويل؟"
أجابَ "خالد" بتحفظ: "بعضُ الأحاديثِ عنْ إفراطهِ في الملذات، وعنْ تعاملهِ المتعالي. والدي لمْ يُبدِ ارتياحاً لصفقةِ زواجهِ منْ ابنةِ السيد "كمال". يقولُ إنَّ السيد "كمال" يُخططُ لشيءٍ ما، وأنَّه يستخدمُ ابنتهُ كوسيلةٍ لتحقيقِ مصالحَ تجاريةٍ أكبر."
كانتْ هذهِ المعلوماتُ كالصاعقةِ بالنسبةِ لـ "أحمد". إذا كانتْ حقاً مُرغمةً، فهذا يعني أنَّ قصةَ حبهما، إنْ صحَّ تسميتها بذلك، ستكونُ محفوفةً بالمخاطر. تذكرَ حديثَ "ليلى" الهادئ، وكلماتها الرقيقة، وعينيها اللتينِ تحملانِ صفاءً لمْ يرَ لهُ مثيلاً. هلْ يمكنُ لفتاةٍ كهذهِ أنْ تكونَ مُجبَرةً على الارتباطِ بشخصٍ لا تُحبه؟
قالَ "أحمد" بجديةٍ مُتناهية: "يا خالد، أحتاجُ منكُ مساعدتي. أظنُّ أنَّ "ليلى" ليستْ سعيدةً بهذا الزواج. أريدُ أنْ أتأكدَ منْ ذلك، وأنْ أجدَ طريقةً لمساعدتها. إنْ كانَ هناكَ أيُّ تفاصيلَ إضافيةٍ تعرفها عنْ علاقةِ السيد "كمال" بالسيد "محمود" (والد فادي)، أو عنْ أيِّ ضغوطٍ يمارسها، فأخبرني بها."
وعدَ "خالد" صديقهُ بالمساعدة، وأقفلَ الخطَّ وقلبهُ يعتصرهُ القلقُ على صديقهِ وعلى مستقبلِ "ليلى". لقدْ كانتْ الأمورُ تتخذُ منحىً درامياً لمْ يكنْ أحدٌ يتوقعه.
في منزلِ "المنصوري"، كانتْ "ليلى" تعيشُ أياماً عصيبة. والدها، السيد "كمال"، كانَ مُصرّاً على إتمامِ الخطبةِ في أقربِ وقت. كانَ يُبررُ ذلكَ بأنَّ سمعةَ العائلةِ على المحك، وأنَّه لا يريدُ أنْ يُقالَ إنَّه تراجعَ عنْ وعدٍ قطعهُ. أما "ليلى"، فكانتْ تشعرُ بأنَّ روحها تُسلبُ منها. كانتْ تتجنبُ رؤيةَ "فادي" قدرَ الإمكان، ولكنَّ والدها كانَ يُصرُّ على إقامِة لقاءاتٍ محدودةٍ بينهما، بحجةِ "التعارف".
كانتْ هذهِ اللقاءاتُ كابوساً لـ "ليلى". كانَ "فادي" يتحدثُ عنها كأنها ملكٌ لهُ، يتفوهُ بكلماتٍ تحملُ تعالياً واضحاً، ويتحدثُ عنْ خططِهِ المستقبليةِ دونَ أنْ يأخذَ رأيها. في أحدِ هذهِ اللقاءات، بينما كانا جالسينَ في حديقةِ المنزل، قالَ "فادي" بابتسامةٍ مُغرورة: "أنا سعيدٌ جداً بهذا الزواج، يا "ليلى". سأُدلعكِ، وسأُحققُ لكِ كلَّ ما تتمنين. فقطْ كوني مطيعةً، وسيكونُ كلُّ شيءٍ على ما يرام."
نظرتْ "ليلى" إليهِ ببرود، وشعرتْ بغثيانٍ خفيف. كيفَ لهذا الرجلِ أنْ يظنَّ أنَّ السعادةَ في الطاعةِ العمياء؟ وهلْ هذا ما يُريدهُ "أحمد"؟ ابتسمتْ ابتسامةً باهتةً وقالتْ: "إنَّ السعادةَ تأتي منَ التفاهمِ والاحترامِ المتبادل، وليسَ منَ الطاعةِ وحدها."
تغيرَ وجهُ "فادي"، وقالَ بنبرةٍ حادة: "لا تُعلميني ما هيَ السعادة. أنا أعرفُ كيفَ أديرُ الأمور. أنتِ ما زلتِ صغيرةً، ولنْ تفهمي طبيعةَ الحياةِ المعقدة."
كانتْ هذهِ الكلماتُ كافيةً لـ "ليلى" لتُدركَ عمقَ الفجوةِ بينها وبينَ "فادي". أدركتْ أنَّها لنْ تستطيعَ أبداً أنْ تعيشَ معَ هذا الرجل.
في يومٍ منْ الأيام، وبينما كانتْ "ليلى" في مكتبةِ الجامعةِ تبحثُ عنْ كتابٍ، رأتْ "أحمد" يقفُ بينَ رفوفِ الكتب. توقفتْ عنْ الحركة، وشعرتْ بقلبها يخفقُ بقوة. لمْ تكنْ تتوقعُ رؤيتهُ هنا. كانَ يبدو مُتعباً، لكنَّ عينيهِ كانتا تحملانِ نفسَ البريقِ الذي رأتهُ من قبل.
نهضَ "أحمد" برفقٍ عندما رآها، وقالَ بصوتٍ هادئ: "السلامُ عليكم، يا "ليلى"."
أجابتهُ "ليلى" بابتسامةٍ خجولة: "وعليكمُ السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاته."
قالَ "أحمد": "كنتُ أبحثُ عنْ كتابٍ في هذا القسم، ولمْ أكنْ أتوقعُ أنْ أجدَكِ هنا. كيفَ حالكِ؟"
شعرتْ "ليلى" بتيارٍ منَ الارتياحِ يتدفقُ في عروقها. أخيراً، فرصةٌ للتحدثِ معه. ولكنَّها تذكرتْ والدها، وتذكرتْ "فادي"، وشعرتْ ببعضِ التردد. قالتْ بنبرةٍ فيها حزنٌ مكتوم: "أنا بخيرٍ، الحمدُ لله."
"أنا قلقٌ عليكِ، يا "ليلى"," قالَ "أحمد" بنبرةٍ صادقة. "سمعتُ أخباراً... أخباراً عنْ خطوبتكِ. هلْ هذا صحيح؟"
تجمدتْ "ليلى" للحظة. هلْ وصلتهُ الأخبارُ بهذهِ السرعة؟ هلْ يعلمُ تفاصيلَ الأمر؟ نظرتْ إليهِ بعينيها اللتينِ بدأَ الدمعُ يتجمعُ فيهما. قالتْ بصوتٍ مُختنق: "نعم، يا "أحمد". إنها قصةٌ طويلةٌ ومعقدة."
"أعلمُ أنَّ هناكَ شخصاً اسمهُ "فادي المنصوري" قدْ تقدمَ لكِ," قالَ "أحمد" بنبرةٍ فيها الكثيرُ منَ الحزن. "ولكنَّني أشكُّ في أنَّكِ سعيدةٌ بذلك. هلْ يمكنُكِ أنْ تُخبريني بالحقيقة؟ هلْ أنتِ مُرغمةٌ على هذا الزواج؟"
نظرتْ "ليلى" حولها، ثمَّ أمسكتْ بيدِ "أحمد" برفقٍ، وقالتْ بنبرةٍ هامسةٍ مليئةٍ بالرجاء: "تعالَ معي. هناكَ مكانٌ أكثرُ خصوصيةً لنتحدثَ فيه."
كانتْ هذهِ اللحظةُ نقطةَ تحولٍ حاسمة. كانتْ "ليلى" على وشكِ كشفِ الحقيقةِ لـ "أحمد"، وكانَ "أحمد" مستعداً للاستماعِ والوقوفِ بجانبها، مهما كلفَ الأمر. ولكنَّ الشكوكَ كانتْ تتزايدُ، والوعدُ الذي منحتهُ "ليلى" لقلبها بدأَ يتخلخلُ تحتَ وطأةِ الضغوط. هلْ سيتمكنُ الحبُّ منْ تخطي هذهِ العقبات، أمْ سيُصبحُ مجردَ ذكرى مؤلمة؟