لقاء الأرواح 179
صراخُ الحقيقةِ في ليلِ الظلم
بقلم فاطمة النجار
في زاويةٍ هادئةٍ منْ أروقةِ الجامعة، بعيداً عنْ أعينِ الفضوليين، جلستْ "ليلى" و "أحمد" على مقعدٍ خشبيٍ قديم. كانَ هواءُ الخريفِ الباردُ يلفُّهما، لكنَّ نظراتهما كانتْ تحملُ دفئاً مُخيفاً، دفئاً نابعاً منْ حقيقةٍ مُرّةٍ بدأتْ تتكشف. ارتسمَ الحزنُ على وجهِ "ليلى" وهيَ تبدأُ سردَ قصتها، وكلُّ كلمةٍ كانتْ تُشبهُ طعنةً في قلبها.
"لمْ أكنْ أرغبُ يوماً في هذهِ الخطبة، يا "أحمد"," قالتْ بصوتٍ مُرتعش، ودموعٌ بدأتْ تتساقطُ على خديها. "والدي، السيد "كمال"، هوَ منْ دفعَ بهذهِ الخطبةِ إلى الأمام. لمْ يهتمَّ بسعادتي، بلْ بمصالحهِ التجارية. لقدْ وعدَ والد "فادي" بإتمامِ هذا الزواج، وأصرَّ على ذلكَ حتى لو كانَ على حسابِ روحي."
كانَ "أحمد" يستمعُ بإنصاتٍ شديد، وكلُّ كلمةٍ كانتْ تُعمّقُ إحساسهُ بالظلمِ الذي يقعُ على "ليلى". نظرَ إليها بعينينِ مليئتينِ بالشفقةِ والعزم، وقالَ: "أعلمُ أنَّ والدكِ لديهِ نفوذٌ كبير، ولكنهُ لنْ يتمكنَ منْ قهرِ إرادتكِ. ماذا عنْ "فادي"؟ كيفَ هوَ تعاملهُ معكِ؟"
"إنهُ متعالٍ، ومتكبر، ولا يُظهرُ أيَّ احترامٍ لي," أجابتْ "ليلى" باشمئزاز. "يتحدثُ عني وكأنني ملكٌ لهُ، ويُخططُ لمستقبلنا دونَ أنْ يستشيرني. إنهُ عكسُ كلِّ ما أتمنى أنْ أجدهُ في شريكِ حياتي."
تنهدَ "أحمد" بعمق. كانَ يرى بوضوحٍ مدى المعاناةِ التي تعيشها "ليلى". قالَ بحزم: "يا "ليلى"، لا تستسلمي. هناكَ دائماً حل. سأقفُ بجانبكِ. سأتحدثُ معَ والدي، وسنُحاولُ إيجادَ طريقةٍ لإنهاءِ هذا الوضعِ بأفضلِ شكلٍ ممكن. لا تدعيهِ يُحطِّمُ أحلامكِ."
"ولكنْ كيفَ؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ خافت، واليأسُ يسيطرُ عليها. "والدي لنْ يتنازلَ أبداً. إنهُ يُحبُّ المظاهرَ والسلطةَ أكثرَ منْ حبّهِ لي."
"سنُحاولُ إقناعهُ. سنُحاولُ إظهارَ لهُ أنَّ هذا الزواجَ ليسَ في مصلحةِ أحد. وإذا لمْ ينفعْ شيء، فسأتقدمُ لخطبتكِ أنا. أريدُكِ أنْ تكوني زوجتي، وليسَ هذهِ الفتاةَ التي تركتْ أحلامها تموت."
ارتعشَ قلبُ "ليلى" عندَ سماعِ كلماتِ "أحمد". لقدْ كانَ يُقدمُ لها عرضاً منَ السماء، عرضاً لمْ تتجرأْ يوماً على تخيله. لكنَّها كانتْ تعرفُ جيداً أنَّ الطريقَ لنْ يكونَ سهلاً. والدها لنْ يتركها بسهولة، و "فادي" ووالدهُ لنْ يتنازلوا عنْ صفقةٍ كهذه.
في هذهِ الأثناء، كانَ والدُ "أحمد"، السيد "سليمان"، رجلٌ ذو مبادئَ قويمةٍ ورأيٍ سديد، قدْ بدأَ يشعرُ بقلقٍ متزايدٍ تجاهَ تصرفاتِ السيد "كمال المنصوري". لقدْ بدأتْ بعضُ المعلوماتِ تصلُ إليهِ عنْ طبيعةِ الصفقةِ التجاريةِ التي تربطُ السيد "كمال" بوالدِ "فادي"، وكيفَ أنَّ هذا الزواجَ هوَ مفتاحُ هذهِ الصفقة.
بعدَ أنْ أكملَ "أحمد" حديثهُ معَ "ليلى"، توجهَ مباشرةً إلى منزلِ والده. وجدهُ جالساً في مجلسهِ، يُراجعُ بعضَ الأوراق. جلسَ "أحمد" أمامهُ وقالَ بجدية: "يا أبي، أحتاجُ أنْ أتحدثَ معكُ في أمرٍ هامٍ جداً."
نظرَ إليهِ والدهُ بعينينِ حنونتين، وقالَ: "تفضلْ يا بني. ما الأمر؟"
قصَّ "أحمد" على والدهِ قصةَ "ليلى"، وكيفَ أنَّها مُجبرةٌ على الزواجِ منْ "فادي المنصوري". لمْ يُخفِ "أحمد" حقيقةَ مشاعرهِ تجاهَ "ليلى"، ولكنهُ ركّزَ على الظلمِ الواقعِ عليها.
"يا أبي، لا يمكنُنا أنْ نقفَ مكتوفي الأيدي بينما تُداسُ حقوقُ فتاةٍ بريئة. السيد "كمال" يُتاجرُ بابنتهِ. أرجوك، تحدثْ معه. حاولْ أنْ تُقنعهُ بأنَّ هذا الزواجَ سيُسببُ كارثةً لها، وسيُلحقُ الضررَ بسمعتهم."
تأثرَ السيد "سليمان" بصدقِ ولدهِ، وبمدى اهتمامهِ بـ "ليلى". لقدْ كانَ يعرفُ السيد "كمال" جيداً، ويعرفُ طبيعةَ طموحهِ الجامح. قالَ بتفكير: "لقدْ بدأتُ أسمعُ بعضَ الهمساتِ حولَ هذهِ القضية. يبدو أنَّ السيد "كمال" يُخططُ لعقدِ صفقةٍ تجاريةٍ كبيرةٍ معَ السيد "محمود"، والد "فادي"، وأنَّ هذا الزواجَ هوَ شرطٌ أساسيٌ لإتمامِ هذهِ الصفقة. هذا أمرٌ مؤسفٌ حقاً."
"وماذا سنفعلُ يا أبي؟" سألَ "أحمد" بتوتر.
"سأتحدثُ معَ السيد "كمال" غداً. سأُحاولُ إقناعهُ بالتراجعِ عنْ هذهِ الخطوة. ولكنْ، كنْ مستعداً لأيِّ ردِّ فعل. السيد "كمال" ليسَ رجلاً يُسهلُ التعاملُ معه."
في تلكَ الليلة، لمْ تنمْ "ليلى" ولا "أحمد". كانتْ كلُّ منهما يُفكرُ في المستقبلِ المجهول. بالنسبةِ لـ "ليلى"، كانَ الأملُ قدْ عادَ يتسللُ إلى قلبها بفضلِ موقفِ "أحمد" ووالده. أما "أحمد"، فكانَ يشعرُ بمسؤوليةٍ ثقيلةٍ تقعُ على عاتقه.
في صباحِ اليومِ التالي، اجتمعَ السيد "سليمان" معَ السيد "كمال" في مكتبِ السيد "سليمان". بدأَ السيد "سليمان" الحديثَ بلطفٍ، مُذكّراً السيد "كمال" بحسنِ العلاقةِ التي جمعتهما على مرِّ السنين. ثمَّ تطرقَ إلى موضوعِ خطوبةِ "ليلى".
"يا "كمال"، لقدْ سمعتُ أخباراً عنْ خطوبةِ ابنتكِ "ليلى" منْ ابنِ السيد "محمود". أنا سعيدٌ لك، ولكنهُ في نفسِ الوقتِ، أشعرُ بالقلقِ على "ليلى". سمعتُ أنَّ هذا الزواجَ ليسَ عنْ رغبةٍ منها، بلْ هوَ نتيجةٌ لصفقةٍ تجارية."
انقبضَ وجهُ السيد "كمال" غضباً. لمْ يكنْ يُحبُّ أنْ يتدخلَ أحدٌ في شؤونهِ الخاصة، خاصةً إذا كانَ ذلكَ يُهددُ مصالحه. قالَ بنبرةٍ حادة: "هذهِ شؤونٌ عائليةٌ خاصة، يا "سليمان". لا أدخلُ فيها أحد. "ليلى" ستتزوجُ منْ "فادي"، وهذهِ مسألةٌ محسومة."
"ولكنْ، يا "كمال"، هلْ فكرتَ في سعادةِ ابنتك؟ هلْ فكرتَ في مستقبلها؟ إنَّ إجبارَها على زواجٍ لا ترغبُ فيهِ قدْ يُؤدي إلى عواقبَ وخيمة. أنتَ تعلمُ أنَّنا في الإسلام، لا يُجبرُ أحدٌ على الزواج. إذا أجبرتَها، فقدْ تُعرضُ نفسها للفتنة، وهذا لنْ يرضي اللهَ أبداً."
ازدادَ غضبُ السيد "كمال". قالَ بنبرةٍ تحملُ تهديداً مبطناً: "أنا أعرفُ ما هوَ ديني، وما هوَ واجبي. "ليلى" ستُطيعُ أمري. وإذا كنتَ تُحاولُ التدخلَ في أمري، فاعلمْ أنَّ علاقتنا ستتأثرُ كثيراً."
شعرَ السيد "سليمان" بمرارةٍ تعتصرُ قلبه. لقدْ أدركَ أنَّه لنْ يستطيعَ إقناعَ السيد "كمال" بالمنطقِ أو بالدين. كانَ السيد "كمال" قدْ اتخذَ قرارهُ، وكانَ يُفضلُ مصالحهُ على سعادةِ ابنته.
خرجَ السيد "سليمان" منْ مكتبهِ وهوَ يشعرُ بالإحباط. ولكنَّهُ لمْ يفقدْ الأملَ تماماً. لقدْ كانَ يعرفُ أنَّ "أحمد" لديهِ خططٌ أخرى، وأنَّ "ليلى" لنْ تستسلمَ بسهولة.
في هذهِ اللحظة، بدأتْ الحقيقةُ تصرخُ في ليلِ الظلم. كانتْ "ليلى" تُصارعُ منْ أجلِ حريتها، وكانَ "أحمد" يُحاولُ إنقاذها. ولكنَّ العقباتِ كانتْ تتزايدُ، والقوى المُعاديةِ كانتْ تشتدُّ. هلْ سيتمكنُ الحقُّ منْ الانتصارِ على الباطل، أمْ ستُصبحُ "ليلى" ضحيةً أخرى لطمعِ والدها؟