الفصل 17 / 25

لقاء الأرواح 179

أسرار الظلام وشفق الأمل

بقلم فاطمة النجار

تسللت خيوط الشمس الأولى، حاملةً معها وعداً بيوم جديد، لكنها لم تستطع اختراق الظلام الذي خيّم على روح لينا. بقيت مستيقظةً طوال الليل، تتأرجح بين مشاعر متضاربة كأمواج البحر الهائجة. صورة والدها، وجهه الذي لطالما اتسم بالحكمة والوداعة، غدت الآن محفورةً في ذاكرتها بنظرةٍ زائغةٍ مشوبةٍ بالحزن والخوف. لقد تحدث إليها، وبكلماته كشف عن حقائق كانت مدفونةً تحت طبقاتٍ من الزمن والخداع.

"لينا يا بنيتي،" قال بصوتٍ واهنٍ، وعيناه ترتعشان كشمعةٍ في مهب الريح، "هناك ما يجب أن تعرفيه، ما يجب أن تفهميه قبل أن يفوت الأوان. هذا الإرث الذي ورثناه، ليس مجرد ثروةٍ وقصور، بل هو عبءٌ ثقيل، وسرٌ قد يدمرنا إن انكشف."

لم تكن لينا تفهم في البداية. كيف يمكن لثروةٍ طالما اعتزت بها عائلتها، أن تكون مصدر خطر؟ لكن نظرات والديها، الصمت الذي غلف حديثهما، والخوف الذي لم تعهده في عيني والدها، كل ذلك كان ينذر بأسوأ الاحتمالات.

"الشيخ راشد،" استمر والدها، متناولاً يدها المرتعشة، "لقد كان رجلاً طيباً، كريماً. لكنه وقع في فخٍ كبير. فخٌ صنعته أيديٍ ماكرة، أيديٍ لا تعرف الرحمة. وعده بالأمان، بالمستقبل، كان مجرد وهمٍ لينزع منه ما لا يقدر بثمن."

ارتعشت لينا. "ماذا تقصد أبي؟ ما هو هذا الشيء؟"

تنهد والدها بعمق، وكأنما استجمع كل ما تبقى له من قوة. "الأرض، يا لينا. الأرض التي امتلكتها عائلتنا عبر الأجيال. ليست مجرد أرضٍ زراعية، بل هي تحمل في جوفها سراً قديماً، سراً له قيمةٌ تفوق الذهب والفضة. سرٌ يتعلق بعائلتنا، بأصولنا."

ارتعشت لينا مجدداً. هل كان والدها يتحدث عن كهفٍ سريٍ أو كنزٍ أثري؟ لطالما قرأت عن تلك القصص في الكتب، لكنها لم تكن تتخيل أن تكون جزءاً من واقعها.

"والآن،" تابع والدها، وصوته يضعف، "هم يسعون وراء هذا السر. يسعون لتدمير كل ما بنيناه، ليأخذوا ما ليس لهم. الشيخ راشد، كان يحاول حمايتنا، حماية هذا السر. لكنهم كانوا أسرع."

تذكرت لينا تلك الأيام التي كان فيها والدها كثير السفر، وكيف كانت والدتها تبدو قلقةً دائماً. الآن بدأت تفهم. لم تكن مجرد أعمالٍ تجارية، بل كانت صراعاتٌ خفية، معاركٌ تدور رحاها في الظلام.

"عليكي أن تكوني قوية يا لينا،" قال والدها، وأغمض عينيه للحظة، "عليكي أن تحمي هذا السر. لا تثقي بأحدٍ بسهولة. خاصةً أولئك الذين يقتربون منا بحججٍ واهية. هناك من يريد استغلال طيبتنا، يريد أن ينهب تاريخنا."

لم تكد لينا تستوعب ما تسمعه. هل كان كل ما يعيشونه مجرد مسرحيةٍ متقنة؟ هل كان الحب الذي شعرت به تجاه ذلك الرجل الغامض، الذي ظهر فجأةً في حياتها، مجرد جزءٍ من هذه الخطة؟

"هل تقصد...؟" بدأت لينا، وخفق قلبها بعنف.

قاطعها والدها بضعف: "نعم يا ابنتي. هناك من يتظاهر بالحب، من يتظاهر بالاهتمام، لكن قلبه مليءٌ بالجشع. عليكي أن تميزي بين الحقيقة والزيف. احذري... احذري من...."

لم يكمل والدها جملته. ابتلع كلماته، وغاص في سكونٍ عميق. نظرت لينا إليه، ورأت شبح الحياة ينسحب من عينيه. صرخت، لكن صوتها لم يتجاوز حلقها.

الآن، في هذا الصباح الباكر، جلست لينا على حافة السرير، تحدق في الفراغ. لم يعد لديها يقينٌ بأي شيء. حبيبها، أحمد، الذي شعرت نحوه بصدقٍ لا مثيل له، هل كان جزءاً من هذا المخطط؟ هل كانت مشاعره حقيقية؟ أم أنها مجرد واجهةٌ لخططٍ أخرى؟

تذكرت حديثها معه بالأمس، تذكرت دفء كلماته، صدق عينيه. لكن والديها، كانت نظراتهما تحمل تحذيراً لم تفهمه إلا الآن. ألم تقل لها والدتها ذات مرة: "في بعض الأحيان، يكون أشد الأعداء أقرب الناس إلينا؟"

كانت كلماتها تتردد في أذنيها كصدىً لحقيقةٍ مؤلمة. هل كان أحمد، الشاب الوسيم، ذو القلب الكبير، الذي بدا وكأنه يمثل كل ما تتمناه، مجرد أداةٍ في يدٍ أخرى؟

أغلقت عينيها، وحاولت استحضار ملامح أحمد. وجهه الطفولي، ابتسامته الصادقة، الطريقة التي كان ينظر بها إليها وكأنها أغلى ما في الوجود. هل كانت كل هذه مجرد تمثيلية؟

تسارعت نبضات قلبها. الخوف يزحف عليها ببطء، يغلفها ببرودةٍ لا تطاق. إذا كان أحمد جزءاً من مؤامرة، فمن هم هؤلاء الذين يقفون خلفها؟ ومن هم الذين يريدون تدمير عائلتها؟

نهضت لينا من سريرها، بخطواتٍ مرتجفة. اتجهت نحو مكتب والدها، بحثاً عن أي دليل، أي خيطٍ يقودها إلى الحقيقة. فتحت الأدراج، قلبت الأوراق، عينايها تبحثان بلهفةٍ وشغف. وجدت رسائل قديمة، عقوداً، حساباتٍ مالية. لكن شيئاً لم يلفت انتباهها بشكلٍ خاص، حتى وقعت عيناها على صندوقٍ صغيرٍ غامض، مزين بنقوشٍ عتيقة.

لم تكن تتذكر رؤيته من قبل. كان مغلقاً بإحكام. استخدمت مفتاحاً صغيراً وجدته بالقرب منه، وفتحته ببطء. انبعث منه عبقٌ قديم، عبقُ الزمن. في الداخل، وجدت لفافةً من الورق السميك، وقطعةً معدنيةً غريبة الشكل، شبيهةً بالخنجر الصغير، لكنها مزينةً بحجرٍ كريمٍ داكن.

فكت اللفافة بحذر. كانت مكتوبةً بخطٍ قديم، بلغةٍ لم تعرفها. لكنها لاحظت أن هناك رموزاً مشتركة، رموزاً رأتها من قبل على النقوش الموجودة على الصندوق، وعلى بعض الرسومات في قصر والدها.

وفجأة، سمعت صوتاً من الخارج. صوت خطواتٍ تقترب. تسارعت دقات قلبها. ألقت اللفافة والمفتاح في الصندوق، وأغلقت الصندوق بسرعة، وأعادته إلى مكانه. ثم اختبأت خلف الستائر، تراقب الباب.

كانت تلك والدتها. دخلت الغرفة، وعيناها زائغتان، تبحثان عن شيءٍ ما. اتجهت نحو مكتب والدها، وبدأت تبحث عن نفس الصندوق. رأت لينا وجه والدتها المنهك، والقلق الذي يرسم خطوطاً عميقةً على وجهها.

"أمي،" قالت لينا بصوتٍ مرتجف، فجأةً.

قفزت والدتها من رعبها، ثم ارتسمت على وجهها علامات الدهشة الممزوجة بالارتياح. "لينا! كنت أخشى أن أجدكِ وحدكِ."

اقتربت لينا منها، واحتضنتها بقوة. "أبي... أين هو؟"

نظرت والدتها إليها بعينين مملوءتين بالأسى. "والدكِ... لقد رحل يا ابنتي. لقد رحل إلى جوار ربه."

انهارت لينا بين ذراعي والدتها، وبكت بحرقة. كانت تدرك الآن أن العالم الذي عرفته قد انهار، وأنها أمام منعطفٍ حاسمٍ في حياتها. ما حدث لم يكن مجرد صدمة، بل كان جرس إنذارٍ يدق بصوتٍ عالٍ. لم يعد بإمكانها الاختباء، ولا تجاهل الحقائق. كان عليها أن تواجه، أن تكشف، أن تحمي.

ثم تذكرت وجه أحمد، وارتعشت. هل كانت هذه بداية النهاية، أم نهاية البداية؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%